الأربعاء، 22 يوليوز 2026

قرض السكن بين الربا وسعر الفائدة: النقاش الذي يؤرق ملايين المغاربة كل شهر

هل قرض السكن ربا محرم أم معاملة مالية مؤطرة؟ عرض متوازن للرأيين الفقهيين، وأرقام البنوك التشاركية، ونصائح عملية قبل التوقيع على أي تمويل.

مواطن مغربي يتأمل وثائق قرض السكن على طاولة منزله في إشارة للنقاش حول الربا وسعر الفائدة

في نهاية كل شهر، يقتطع البنك قسط “الكريدي” من حساب ملايين المغاربة الذين اقتنوا سكناً بقرض بنكي، ومع القسط المالي يؤدي كثيرون قسطاً آخر غير مرئي: تأنيب الضمير. فسؤال واحد يسكن هذه الفئة الواسعة ولا يغادرها: هل أنا متورط في الربا الذي أعلن فيه القرآن حرباً من الله ورسوله، أم أنني ببساطة أدفع ثمن خدمة مالية في منظومة عالمية لم أخترها؟ هذا النقاش، الذي يتجدد بقوة في المنصات المغربية سنة 2026، يستحق أن يُعالج بهدوء وبعيداً عن التبسيط، لأنه يجمع بين الفقه والاقتصاد والواقع المعيشي في عقدة واحدة.

لماذا يوجد سعر الفائدة أصلاً؟ منطق الاقتصاديين

قبل الخوض في الجدل الشرعي، لا بد من فهم التبرير النظري الذي يقدمه علم الاقتصاد لسعر الفائدة. الحجة الأولى هي التضخم: من أقرضك ألف درهم اليوم ليستردها بعد خمس سنوات، سيستردها وقد فقدت جزءاً من قدرتها الشرائية، فما كانت تشتريه بالأمس لن تشتريه غداً. سعر الفائدة، من هذا المنظور، تعويض عن تآكل قيمة النقود مع الزمن. وهذه الإشكالية لم تكن مطروحة بنفس الحدة حين كانت النقود ذهباً وفضة، لأن الذهب يحافظ على قيمته عبر القرون، أما النقود الورقية والرقمية التي نتعامل بها اليوم فتفقد من قيمتها كل سنة، حتى في بلد مستقر نقدياً كالمغرب حيث يحرص بنك المغرب على إبقاء التضخم في مستويات متحكم فيها، وقد ثبّت سعر فائدته الرئيسي عند 2.25 في المائة في يونيو 2026.

الحجة الثانية هي كلفة التشغيل: وكالات وموظفون وأنظمة معلوماتية وضرائب. والثالثة هي الحافز: البنك شركة تبحث عن الربح، ولولا الربح لما وُجدت أصلاً. هذه التبريرات لا تجعل سعر الفائدة “أخلاقياً” بالضرورة، لكنها تفسر وجوده في كل اقتصادات العالم بلا استثناء، من الولايات المتحدة إلى كوريا الشمالية.

هل سعر الفائدة هو الربا المذكور في القرآن؟ رأيان متقابلان

هنا يفترق طريقان فكريان لا بد من عرضهما بأمانة.

الرأي الأول، وهو رأي جمهور الفقهاء المعاصرين والمجامع الفقهية الكبرى كمجمع الفقه الإسلامي الدولي، يعتبر أن فوائد البنوك هي عين ربا الجاهلية المحرم، قلّت نسبتها أو كثرت، لأن العلة هي الزيادة المشروطة في القرض بغض النظر عن حجمها، مستندين إلى قوله تعالى “وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم”.

الرأي الثاني، الذي يتبناه بعض الباحثين والمفكرين، يذهب إلى أن الربا القرآني المقصود بالوعيد الشديد هو “الأضعاف المضاعفة”: ذلك النظام الاستغلالي القديم الذي كانت فيه الفائدة تتضاعف عند كل تعثر حتى يعجز المدين نهائياً عن السداد، فيُستعبد أو يُسلب ما يملك، وهو نمط أقرب إلى قروض عصابات النهب منه إلى القرض البنكي المعاصر ذي النسبة الثابتة والمؤطر قانونياً، حيث التعثر تواجهه غرامات محدودة وتأمينات وإمكانيات لتعليق الأقساط، لا مضاعفة الدين إلى ما لا نهاية. أصحاب هذا الرأي يضيفون ملاحظة لافتة: آيات الربا تدين المرابي الذي يُقرض ويستغل، لا المقترض الذي يعتبرونه ضحية، تماماً كما يُدان السارق لا المسروق. لكن حتى هؤلاء لا يعتبرون سعر الفائدة أمراً محموداً، بل يرونه “إشكالياً أخلاقياً” لأنه ربح بلا عمل ولا مخاطرة حقيقية، وهي فكرة أدانها حتى فلاسفة الإغريق قبل الأديان، وعلى رأسهم أرسطو الذي اعتبر النقود عقيمة لا تلد نقوداً.

بين الرأيين، يبقى القرار الشخصي لكل مواطن ومرجعيته، والمؤسسة الرسمية المؤهلة للفتوى في المغرب هي المجلس العلمي الأعلى دون سواه.

البنوك التشاركية: حل شرعي أم إعادة تغليف؟

منذ انطلاقها سنة 2017 بمقتضى القانون البنكي 103.12، وتحت رقابة اللجنة الشرعية للمالية التشاركية التابعة للمجلس العلمي الأعلى، قدمت البنوك التشاركية المغربية نفسها بديلاً لمن يرفض القرض بفائدة. والأرقام تقول إن العرض وجد جمهوره: بلغ جاري التمويل التشاركي الموجه للسكن 31.3 مليار درهم عند متم ماي 2026، بنمو سنوي يناهز 17.6 في المائة، أغلبه عبر صيغة المرابحة العقارية التي يشتري فيها البنك العقار ثم يبيعه للزبون بثمن أعلى مؤجل الأداء.

لكن هذا النجاح التجاري لا يخفي نقاشاً حقيقياً حول جوهر الصيغة. فالمنتقدون، وبينهم باحثون في الاقتصاد النقدي، يطرحون ثلاث ملاحظات وجيهة. أولاً، هامش الربح في المرابحة يُحتسب عملياً بمرجعية قريبة من أسعار الفائدة السائدة، وقد تكون الكلفة الإجمالية في بعض الحالات أعلى من القرض التقليدي. ثانياً، البنك التشاركي لا يتحمل مخاطرة تجارية حقيقية تُذكر في عقار تُعرف قيمته سلفاً ويُؤمَّن أداؤه بالضمانات. ثالثاً، وهي الحجة الأعمق، البنوك التشاركية تشتغل بنفس الدراهم المتداولة في الاقتصاد الوطني، وأغلب الكتلة النقدية الحديثة، هنا وفي كل العالم، لا توجد كأوراق مطبوعة بل كنقود كتابية ورقمية تُخلق أساساً عبر آلية القروض البنكية نفسها. فمن يعتبر سعر الفائدة رباً محضاً سيجد نفسه أمام معضلة منطقية: النقود التي يتعامل بها الجميع، بمن فيهم البنوك التشاركية، خرجت من رحم المنظومة ذاتها.

في المقابل، يرد المدافعون عن التجربة بأن التكييف الفقهي للعقود يختلف جوهرياً عن القرض بفائدة حتى لو تشابهت الكلفة، وأن وجود إطار مصادق عليه من هيئة علمية رسمية يمنح المواطن طمأنينة شرعية لا يوفرها البنك التقليدي، وأن نمو القطاع بهذه الوتيرة دليل على حاجة مجتمعية حقيقية كان يجب تلبيتها.

وجه المقارنةالقرض البنكي التقليديالمرابحة العقارية التشاركية
الآليةقرض نقدي بفائدةشراء البنك للعقار ثم بيعه بهامش ربح
الكلفة الإجماليةفائدة محددة مسبقاًهامش محدد مسبقاً، قد يعادل الفائدة أو يفوقها
الإطار الرقابيبنك المغرببنك المغرب + اللجنة الشرعية للمالية التشاركية
عند التعثرجدولة، غرامات محدودة، حجز في الحالات القصوىمساطر مشابهة في جوهرها

الضمير المتعب لمقترض بسيط: إعادة تأطير ضرورية

يبقى البعد الإنساني في هذا النقاش هو الأهم. فمن غير المنصف تحميل وزر منظومة مالية عالمية عمرها قرون لموظف بسيط اختار قرضاً على عشرين سنة كي لا يقضي عمره في أداء كراء شهري لا يترك لأبنائه بعده شيئاً. المقارنة الحسابية نفسها ليست ترفاً: من يؤدي 4000 درهم كراء شهرياً طيلة عشرين سنة سيكون قد صرف قرابة مليون درهم دون أن يملك جداراً واحداً، بينما قد يؤدي المقترض مبلغاً مقارباً أو أعلى قليلاً ويخرج بملكية تورَّث. والملاحظ أن أشد الأصوات تشدداً في تأثيم هذا المقترض البسيط لا تقدم له بديلاً واقعياً في متناوله، وبعضها يعيش هو نفسه في مستوى من الرفاه لا يعرف فيه معنى الاختيار بين الكراء الأبدي والقرض.

الأجدى من جلد الذات هو الوعي بقواعد اللعبة: قارن العروض بدقة، تشاركية وتقليدية، بالكلفة الإجمالية الحقيقية لا بالشعارات، وفاوض على النسب فهي قابلة للتفاوض أكثر مما يظن الناس، واحذر من الإفراط في المديونية أياً كانت صيغتها، فالتعثر يُتعب صاحبه في البنكين معاً.

سؤال أكبر من الأفراد

يبقى النقاش الحقيقي، في نهاية المطاف، نقاشاً بنيوياً يتجاوز ذمة الأفراد: منظومة نقدية عالمية تُخلق فيها النقود بالقروض، ويدفع فيها من لا يملك كلفة الوصول إلى ما يملكه غيره. البدائل المطروحة نظرياً، من العودة لتغطية معدنية إلى العملات الرقمية، ما زالت أفكاراً تتصارع لا نظاماً جاهزاً، ولا تستطيع دولة واحدة الخروج من المعادلة منفردة. إلى أن يتغير شيء في بنية النظام المالي الدولي، سيظل المواطن المغربي يوازن بين ضميره وحاجته للسقف، وتلك موازنة تستحق الرحمة في الخطاب قبل أي شيء آخر.

فما رأيكم أنتم: لو توفرت لديكم القدرة على اقتناء سكن اليوم، هل تختارون القرض التقليدي، أم المرابحة التشاركية، أم تفضلون الكراء بانتظار بديل ثالث؟ شاركونا وجهات نظركم باحترام في التعليقات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *