حين قرر المخرج العالمي كريستوفر نولان، صاحب “أوبنهايمر” و”إنترستيلار”، أن يصور فيلمه الملحمي الجديد “الأوديسة” بميزانية تجاوزت 250 مليون دولار، لم يختر المغرب صدفة أو فقط لجمال طبيعته. فخلف المشاهد الخلابة التي حوّلت قصبة آيت بن حدو إلى مدينة طروادة الأسطورية، يوجد إطار قانوني وتحفيزي دقيق، صُمم بعناية ليجعل المملكة وجهة مفضلة لكبار منتجي هوليوود. فما هي القواعد التي تحكم هذا “الذهب السينمائي”، ولماذا أصبح المغرب اليوم منافسا جادا في سوق التصوير العالمي؟
من الطبيعة الخلابة إلى الإطار القانوني
صُوّر فيلم “الأوديسة”، الذي يعيد سرد ملحمة هوميروس عن الملك أوديسيوس ورحلة عودته المضنية، في خمس دول من بينها المغرب، بين فبراير وغشت 2025. وقد تفرقت مواقع التصوير المغربية بين ورزازات والصويرة والداخلة ومراكش، حيث مثّلت قصبة آيت بن حدو مدينة طروادة، واستُعملت أسوار الصويرة الحجرية المطلة على المحيط في مشاهد ما بعد الحرب.
لكن ما يهم القارئ المغربي ليس فقط أين صُوّر الفيلم، بل لماذا اختير المغرب أصلا. الجواب يكمن في منظومة قانونية وتحفيزية يديرها المركز السينمائي المغربي (CCM). فقد أغلق المغرب السنة المالية الماضية باستثمارات أجنبية في مجال التصوير تجاوزت 130 مليون دولار، مدفوعة أساسا بهذه التحفيزات. اختيار الموقع لم يعد قرارا فنيا فحسب، بل قرار مالي وقانوني بامتياز.
“الكاش ريبيت”: حجر الأساس القانوني
جوهر الجاذبية المغربية يكمن في آلية تسمى “الكاش ريبيت” (Cash Rebate)، وهي دعم مالي يمكّن المنتجين الأجانب من استرجاع ما يصل إلى 30 بالمئة من النفقات المؤهلة التي ينفقونها على التراب الوطني. هذه النسبة تطبق منذ 28 مارس 2022، حين رُفعت من 20 إلى 30 بالمئة، في خطوة رفعت تنافسية المغرب بشكل ملحوظ.
من المهم فهم الحدود القانونية لهذا الدعم. فهو يشمل الأفلام الروائية الطويلة والوثائقية، والأفلام التلفزيونية، والمسلسلات الدرامية، بل حتى الأعمال السمعية البصرية الموجهة للإنترنت. لكنه يستثني صراحة أفلام التحريك، والأفلام القصيرة والمتوسطة، والإنتاجات الترويجية المحضة كالفيديوهات الموسيقية والإعلانات. إلى جانب هذا، يستفيد المنتجون من تخفيض في الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 20 بالمئة، وهو ما يخفف العبء الجبائي بشكل إضافي.
| عنصر الجذب | التفصيل القانوني |
|---|---|
| نسبة الكاش ريبيت | حتى 30% من النفقات المؤهلة (منذ 2022) |
| تخفيض الضريبة على القيمة المضافة | 20% |
| الأعمال المؤهلة | أفلام روائية، وثائقية، تلفزيونية، مسلسلات |
| الأعمال المستثناة | التحريك، الأفلام القصيرة، الإعلانات |
| الجهة المشرفة | المركز السينمائي المغربي (CCM) |
دور المركز السينمائي المغربي كسلطة منظِّمة
المركز السينمائي المغربي ليس مجرد جهة توزع الدعم، بل هو السلطة القانونية المركزية التي تشرف على المنظومة بأكملها. فهو الذي يمنح رخص التصوير، ويدقق في ملفات المنتجين الأجانب، ويتحقق من استيفاء الشروط قبل صرف الدعم. وقد أصدر المركز في مارس 2026 دليلا رسميا جديدا موجها للمنتجين الأجانب، بهدف تبسيط الولوج إلى السوق المغربية وتوضيح المساطر.
هذا التنظيم القانوني الواضح هو ما يمنح المنتجين الأجانب الثقة والأمان القانوني. فحين تأتي شركة عملاقة مثل “يونيفرسال بيكتشرز” لتصور فيلما بمئات ملايين الدولارات، فإنها تحتاج إلى ضمانات قانونية واضحة حول الرخص، والالتزامات الجبائية، وحقوقها والتزاماتها. غياب هذا الوضوح كان تاريخيا أحد أكبر العوائق أمام الاستثمار الأجنبي في أي قطاع، والسينما ليست استثناء.
البعد الاجتماعي والقانوني: ماذا يستفيد المغاربة فعلا
قد يبدو الحديث عن أفلام هوليوود بعيدا عن المواطن العادي، لكن الحقيقة أن هذه الإنتاجات تخلق دينامية اقتصادية حقيقية. فبما أن الفيلم صُوّر في المغرب، عمل فيه العشرات من المغاربة، تقنيين وكومبارس ومصممي ديكور. وقد ظهر ذلك جليا في شهادات من شاركوا في العمل، من مصممي الديكور المغاربة الذين اشتغلوا على مشاهد آيت بن حدو ومراكش، إلى الشباب الذين أدوا أدوار المحاربين اليونانيين.
هذا يفتح نقاشا قانونيا مهما حول حقوق العاملين المغاربة في هذه الإنتاجات: عقود الشغل، التغطية الاجتماعية، والتكوين المهني. فالمغرب لا يكتفي بجذب التصوير، بل يستثمر أيضا في البنية التحتية، عبر مشروع مدينة السينما الدولية بورزازات باستثمار يتجاوز 25 مليون دولار، مصمم لتزويد البلاد بمرافق إنتاج ومونتاج وتكوين تقني. هذا التكوين هو الرهان الحقيقي على المدى البعيد: أن يتحول المغاربة من مجرد كومبارس ويد عاملة رخيصة، إلى تقنيين وخبراء ومنتجين قادرين على صناعة أفلامهم الخاصة.
تقول مصممة ديكور مغربية شاركت في الفيلم، في تصريح متداول، إن العمل مع فريق بهذا الحجم كان “مدرسة حقيقية تعلمت فيها الكثير”، مشيرة إلى دقة التنظيم واحترام المواعيد والاحترافية العالية. هذه الشهادة تلخص القيمة المضافة غير المباشرة: نقل المعرفة والخبرة إلى الكفاءات المحلية.
نقطة الجدل: التصوير في الداخلة
من الإنصاف، والتزاما بالموضوعية، الإشارة إلى أن اختيار مدينة الداخلة كأحد مواقع التصوير أثار جدلا لدى بعض الأطراف على المستوى الدولي، اعتبرت أن التصوير في هذه المنطقة يحمل أبعادا سياسية مرتبطة بملف الصحراء. في المقابل، يرى الطرف المغربي أن الداخلة مدينة مغربية تخضع للسيادة والقانون المغربيين كباقي مدن المملكة، وأن اختيارها جاء لأسباب فنية بحتة تتعلق بطبيعتها الاستثنائية، حيث تلتقي الكثبان الرملية البيضاء بمياه المحيط الأطلسي في مشهد وصفه كثيرون بالخيالي.
هذا الجدل، بغض النظر عن الموقف منه، يكشف بعدا قانونيا ودبلوماسيا لا يمكن تجاهله: أن قرارات التصوير في مناطق معينة قد تتحول أحيانا إلى ساحة لصراعات رمزية أوسع. لكنه في الوقت نفسه يعكس تزايد الحضور المغربي على الخريطة السينمائية العالمية، بشكل يجعل خياراته محط اهتمام دولي.
لماذا يهم هذا مستقبل المغرب
ما يجعل هذا الملف أبعد من مجرد خبر فني هو أنه يكشف نموذجا ناجحا لكيفية استعمال الإطار القانوني والتحفيزي كأداة لجذب الاستثمار وخلق الثروة. فالمغرب، الذي يلقب بـ”هوليوود إفريقيا”، لم يصل إلى هذه المكانة صدفة، بل عبر سياسة عمومية واضحة راكمها منذ عقود، من أفلام مثل “المصارع” و”مملكة السماء” إلى “الأوديسة” اليوم.
النجاح الحقيقي لن يقاس فقط بعدد الأفلام الأجنبية التي تُصوَّر عندنا، بل بمدى قدرة المغرب على تحويل هذه الدينامية إلى صناعة سينمائية وطنية حقيقية، بكفاءات مغربية وحقوق مضمونة وبنية تحتية دائمة. فالكاش ريبيت والإعفاءات الجبائية أدوات ممتازة لجذب المصورين، لكنها تبقى ناقصة إذا لم تُرافق بإطار قانوني يحمي العامل المغربي في هذا القطاع، ويضمن انتقال المعرفة، ويشجع الإنتاج الوطني بنفس السخاء الذي يُمنح للأجانب.
يبقى السؤال المطروح للنقاش: هل ينجح المغرب في الانتقال من مجرد “بلاطو تصوير” جميل ورخيص تستعمله هوليوود، إلى قطب سينمائي حقيقي ينتج أفلامه الخاصة ويصدّرها للعالم، أم أننا سنظل نكتفي بالظهور في الجينيريك كموقع تصوير جميل، بينما تذهب الأرباح والجوائز والمجد لغيرنا؟

أضف تعليقاً