الأحد، 20 شتنبر 2026

الصحة النفسية للمغاربة: قانون من 1959 يحكم اضطرابات نصف السكان

رغم أن نحو نصف المغاربة عانوا من اضطراب نفسي، لا يزال قانون 1959 يؤطر التعامل مع المرضى النفسيين، بينما ينتظر مشروع قانون 71.13 حسمه، في ظل معضلة مزدوجة من وصمة العار الاجتماعية وضعف التغطية الصحية.

شخص يجلس وحيدا قرب نافذة ينظر إلى الخارج عند الغروب، يرمز إلى الصحة النفسية والعزلة بكرامة

تخيّل أن الوثيقة القانونية التي تنظّم اليوم كيفية التعامل مع المريض النفسي في المغرب صدرت قبل أن تُخترع أغلب الأدوية النفسية الحديثة، وقبل أن يُولد أغلب المغاربة الأحياء اليوم. هذا ليس خيالا، بل واقع صادم: فالظهير المنظّم للأمراض العقلية يعود إلى سنة 1959. وبينما تشير الأرقام إلى أن نحو نصف المغاربة عانوا من اضطراب نفسي في مرحلة ما من حياتهم، تبقى المعاناة مزدوجة: وصمة عار اجتماعية تُسكت المريض، وفراغ قانوني وتغطية صحية هزيلة تتركه بلا حماية. فكيف يمكن أن نبني دولة اجتماعية بينما أهم قوانين الصحة النفسية أقدم من التلفزيون المغربي؟

الأرقام التي تكشف حجم الأزمة الصامتة

قبل الحديث عن القانون، لا بد من مواجهة الأرقام. فحسب المعطيات المتداولة، عانى حوالي 48.9 بالمئة من المغاربة من اضطرابات نفسية في مرحلة ما من حياتهم. من بينهم، حوالي 26.5 بالمئة عانوا من الاكتئاب، و9 بالمئة من القلق، و5 بالمئة من الأمراض الذهانية. أرقام تعني، ببساطة، أن المرض النفسي ليس استثناء نادرا، بل ظاهرة تمس واحدا من كل اثنين تقريبا.

في المقابل، تبدو الموارد البشرية في واد آخر. فعدد الأطر المختصة في مجال الصحة النفسية والعقلية بلغ حوالي 3230 مهنيا صحيا حتى سنة 2025، وهو رقم يبقى دون المعدل الذي توصي به منظمة الصحة العالمية بكثير. النتيجة نقص مهول في الأطباء والمستشفيات والأخصائيين النفسانيين والممرضين، ما يجعل الحصول على موعد عند طبيب نفسي في القطاع العام أشبه بالمعجزة في كثير من المناطق.

المؤشرالمعطى
نسبة من عانوا من اضطراب نفسيحوالي 48.9%
نسبة الاكتئابحوالي 26.5%
نسبة القلقحوالي 9%
الأطر المختصة (حتى 2025)حوالي 3230 مهنيا

الفراغ التشريعي: حين يحكم قانون 1959 مرضى 2026

هنا يكمن جوهر الإشكال القانوني. فالإطار الذي ينظم التعامل مع المرضى، أي الظهير رقم 1.58.29 الصادر سنة 1959، أصبح متجاوزا تماما. لم يعد ملائما لا للتطورات العلمية الحديثة في الطب النفسي، ولا لتوجهات منظمة الصحة العالمية، ولا لروح دستور 2011 الذي يكرّس كرامة الإنسان وحقوقه.

هذا الفراغ ليس تفصيلا نظريا. فغياب إطار قانوني حديث يعني غياب ضوابط واضحة حول أخطر المسائل: متى يُسمح بالحجز الإجباري لمريض نفسي؟ من يقرر ذلك؟ كيف تُحمى حقوق المريض من التعسف؟ من يراقب مؤسسات الطب النفسي؟ في غياب أجوبة قانونية واضحة، يبقى المريض النفسي في منطقة رمادية، عرضة إما للإهمال وإما للتعسف، دون ضمانات حقيقية.

القانون الجديد: ماذا يحمل مشروع 71.13؟

استجابة لهذا الفراغ، يوجد مشروع قانون رقم 71.13 يتعلق بمكافحة الاضطرابات العقلية وحماية الأشخاص المصابين بها. هذا المشروع، الذي ناقشته اللجنة المختصة بالبرلمان، يهدف إلى سد الفراغ التشريعي الحاصل، وإحلال نص حديث ينسجم مع دستور 2011 والتزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان.

من أبرز ما يحمله المشروع، من الناحية القانونية، تجريم إساءة معاملة المرضى النفسيين. فهو يعاقب بالسجن من عام إلى خمسة أعوام، وبغرامات مالية، كل من أخضع شخصا مصابا باضطرابات عقلية لمعاملة غير إنسانية أو مهينة تسبب له معاناة جسدية أو نفسية. هذا التجريم الصريح يمثل نقلة نوعية، لأنه ينقل المريض النفسي من موقع “الخطر الذي يُتّقى” إلى موقع “الحق الذي يُحمى”.

كما ينص المشروع على إحداث لجنة وطنية ولجان جهوية للصحة العقلية، وعلى إخضاع مؤسسات الصحة العقلية لعمليات تفتيش من طرف ضباط الشرطة القضائية أو مفتشين منتدبين خصيصا لهذا الغرض. هذه الآليات الرقابية جوهرية، لأنها تكسر عزلة المصحات النفسية التي طالما ظلت فضاءات مغلقة بعيدة عن أي رقابة فعلية.

المعضلة المزدوجة: وصمة العار وغياب التغطية

لكن القانون وحده لا يكفي. فالمريض النفسي المغربي يواجه جدارين: جدار الوصمة الاجتماعية، وجدار التغطية الصحية الناقصة.

الجدار الأول ثقافي وعميق. ففي المخيال الشعبي، لا يزال المرض النفسي يُختزل في كلمات جارحة مثل “الهبيل”، ويُنظر إليه كعار يجب إخفاؤه لا كمرض يُعالَج. هذه الوصمة تدفع كثيرا من المرضى إلى الصمت، وتأخير العلاج حتى تتفاقم الحالة، أو اللجوء إلى الفقيه بدل الطبيب. النتيجة أن جزءا كبيرا من المعاناة يبقى خفيا، لا يظهر في الإحصائيات ولا يصل إلى العيادات.

الجدار الثاني مادي وقانوني. فرغم ورش تعميم التغطية الصحية الإجبارية، تبقى خدمات الطب النفسي من الحلقات الأضعف في المنظومة. فالأدوية النفسية غالية، والجلسات النفسية في القطاع الخاص مكلفة، والتعويض عنها ضعيف أو منعدم في كثير من الحالات. وهكذا، حتى من يتجاوز حاجز الوصمة ويقرر العلاج، يصطدم بحاجز الكلفة الذي يجعل العلاج النفسي ترفا لا يقدر عليه إلا القلة.

يقول باحث مغربي في السياسات الصحية وحقوق المرضى، فضّل عدم الكشف عن اسمه نظرا لحساسية الموضوع، إن “المفارقة أننا نتحدث عن قانون يعود لسنة 1959، بينما تطور فهمنا للمرض النفسي بشكل جذري. المطلوب ليس فقط نصا قانونيا حديثا، بل ثورة ثقافية توازيه. فأي قانون، مهما كان متقدما، سيبقى حبرا على ورق ما لم يُرافق بتغيير في نظرة المجتمع، وبتغطية صحية حقيقية تجعل العلاج في متناول الجميع، لا امتيازا للأغنياء”.

لماذا يهم هذا كل مغربي

قد يظن من لم يمرّ بتجربة مرض نفسي، هو أو أحد أقربائه، أن الموضوع لا يعنيه. لكن الحقيقة أن الصحة النفسية قضية مجتمعية بامتياز، تمس الإنتاجية والاستقرار الأسري والسلم الاجتماعي. فمعدلات الاكتئاب والقلق المرتفعة تنعكس على العمل والدراسة والعلاقات، بل ترتبط أحيانا بظواهر أخطر يوثّقها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقاريره.

الأعمق من ذلك أن طريقة تعامل مجتمع مع مرضاه النفسيين مؤشر على درجة إنسانيته وتحضره. فالدولة التي تترك مرضاها النفسيين بلا حماية قانونية، وبلا تغطية صحية، وبلا مؤسسات كريمة، تكشف خللا في مشروعها الاجتماعي المعلن. وقد نبّه المجلس الوطني لحقوق الإنسان أكثر من مرة إلى أن النهوض بالصحة النفسية والعقلية رهين بمراجعة السياسات العمومية وتوفير الخدمات العلاجية بما يضمن الكرامة الإنسانية للمرضى.

في نهاية المطاف, يكشف هذا الملف أن الفجوة الحقيقية ليست فقط بين قانون 1959 وواقع 2026، بل بين الخطاب الرسمي عن الدولة الاجتماعية وحال فئة هشة تعاني في صمت مزدوج. فالمريض النفسي المغربي ينتظر ثلاثة أشياء في آن واحد: قانونا يحميه، وتغطية تعالجه، ومجتمعا يتقبله دون حكم مسبق. والسؤال الذي يستحق النقاش: هل يكفي إصدار قانون حديث لتغيير واقع الصحة النفسية بالمغرب، أم أن المعركة الأصعب هي كسر جدار الصمت والوصمة الذي يبنيه المجتمع نفسه حول مرضاه؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *