قبل أسابيع قليلة، كان يكفي أن تنطق عبارة “الوكالة الحضرية” حتى يعرف كل من يشتغل في العقار عمن تتحدث. اليوم، هذه العبارة بدأت تنتمي إلى الماضي القانوني. فبـالجريدة الرسمية عدد 7533 الصادر بتاريخ 10 غشت 2026، صدر القانون رقم 64.23 المتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان، ومعه القانون رقم 34.21 بتغيير وتتميم القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات وعمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام.
خبر تقني في ظاهره. لكنه في العمق يعيد ترتيب علاقتك أنت، كمواطن أو مشتر أو صاحب بقعة أرضية، بالإدارة التي تقرر ما يمكن أن يُبنى فوق أرضك وما لا يمكن. ولذلك يستحق قراءة أبعد من البلاغ الرسمي.
نهاية تجربة عمرها أربعة عقود
الوكالات الحضرية ليست حديثة العهد. فأولها، الوكالة الحضرية للدار البيضاء، أُحدثت سنة 1984 بمناسبة المصادقة على التصميم التوجيهي للتهيئة العمرانية لولاية الدار البيضاء الكبرى، لتكون الدعامة التقنية لتنزيل مقتضياته. ثم توسعت التجربة تدريجيا حتى غطت المملكة كلها.
الحصيلة الرقمية التي قدمتها الحكومة عند عرض المشروع تلخص المشكلة أكثر من أي تحليل. فعدد الوكالات الحضرية بلغ 29 وكالة موزعة على الصعيد الوطني، بعضها يغطي مجالا ترابيا واسعا وبعضها الآخر مجالا أضيق بكثير، إضافة إلى 34 ملحقة تابعة لمختلف الوكالات، بميزانية إجمالية تجاوزت مليار درهم سنة 2024.
خريطة غير متوازنة إذن، ونفقات ثقيلة مقابل مردودية متفاوتة. وقد كشفت المذكرة التقديمية للمشروع أن التجربة عرفت سلبيات كثيرة بسبب التداخل في الاختصاصات وضعف الحكامة، بل إنها كانت في حالات عديدة تعرقل الاستثمار أكثر مما تشجعه. هذه جملة نادرة في الأدبيات الرسمية المغربية، لأنها اعتراف صريح لا مواربة فيه.
من أين جاء القرار؟
الإصلاح لم يولد في مكتب وزاري. فهو يندرج في تنفيذ التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش لسنة 2020 الداعية إلى إصلاح عميق للقطاع العام ومعالجة الاختلالات الهيكلية للمؤسسات والمقاولات العمومية، ثم في تنزيل مخرجات جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس في 17 أكتوبر 2023 والمخصصة لقطاع التعمير والإسكان، والتي أقرت إحداث 12 وكالة جهوية، فضلا عن تفعيل توصيات الحوار الوطني حول التعمير والإسكان المنطلق سنة 2022 وتوصيات المجلس الأعلى للحسابات بشأن إعادة تموقع الوكالات الحضرية.
بعبارة أخرى، اجتمعت أربعة مصادر ضغط في اتجاه واحد: التوجيه الملكي، ورقابة المجلس الأعلى للحسابات، والحوار القطاعي، ومنطق الجهوية المتقدمة الذي ظل لسنوات شعارا أكثر منه واقعا إداريا.
المسار البرلماني بدوره كان سلسا بشكل لافت. فقد صادق مجلس النواب بالإجماع، في قراءة ثانية، على مشروع القانون 64.23 يوم 6 يوليوز 2026، بعد أن قدمه كاتب الدولة المكلف بالإسكان أديب بن إبراهيم باعتباره مؤسسا لنموذج مؤسساتي جهوي جديد، يقوم على إحداث وكالة جهوية للتعمير والإسكان بكل جهة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، مع ضمان القرب عبر تمثيليات محلية. الإجماع هنا مؤشر على أن أحدا لم يكن راضيا عن الوضع السابق.
الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان: ما الذي تغير فعلا؟
الفكرة المركزية بسيطة. بدل 29 وكالة بجغرافيات متداخلة، وكالة واحدة في كل جهة، تفتح تمثيليات على مستوى العمالات والأقاليم. وتتولى هذه الوكالات مهام التخطيط والتدبير العمراني على المستوى الجهوي، مع أدوار في الهندسة الترابية والرصد والخبرة، إلى جانب المساهمة في تحسين العرض الترابي وتيسير الولوج إلى السكن ودعم الاستثمار.
الجديد ليس في المسطرة بقدر ما هو في الموقع. فالوكالة مطالبة بالإسهام في وضع وتفعيل الاستراتيجيات والبرامج الجهوية المندمجة للتنمية، والسهر على انسجام المشاريع المهيكلة مع التوجهات المحددة بوثائق التخطيط الترابي، وتتبع الديناميات المجالية والعمل على استباق التحولات استنادا إلى دراسات استشرافية. أي أنها لم تعد شباكا يمنح التأشيرة أو يرفضها، بل فاعلا يُفترض أن يستبق.
هل سيتحقق ذلك؟ السؤال مشروع. الاستباق يحتاج كفاءات ومعطيات ووقتا، والوكالة نفسها ستنشغل في سنواتها الأولى بترتيب بيتها الداخلي أكثر من انشغالها بالاستشراف.
الموظفون والمقرات: انتقال بقوة القانون
هذا الجانب هو الذي يشغل بال آلاف الأسر داخل القطاع، ويستحق التوضيح.
فالمادة 19 تنص على أن تنتقل إلى ملكية الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان الممتلكات العقارية والمنقولة والأصول المملوكة للوكالات الحضرية وللمصالح اللاممركزة للسلطة الحكومية المكلفة بإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة الموجودة في كل جهة. أما المادة 21 فتقضي بأنه، على الرغم من كل مقتضى تشريعي أو تنظيمي مخالف، يتم بقوة القانون إدماج جميع المستخدمين الرسميين والمتدربين والمتعاقدين التابعين للوكالات الحضرية والذين يوجدون في وضعية قيام بالوظيفة عند دخول القانون حيز التنفيذ.
ويشمل هذا الانتقال الحقوق والالتزامات كاملة، مع نقل مجاني للممتلكات، واحتفاظ الموظفين والمستخدمين بحقوقهم المكتسبة فيما يتعلق بوضعهم القانوني ونظام التقاعد الذي ينتمون إليه.
عمليا: نفس الملف، نفس الموظف غالبا، نفس الأرشيف، لكن تحت لافتة جديدة وبتبعية جديدة. والأهم بالنسبة للمرتفق أن الأرشيف ينتقل بأكمله، وهو ما يعني أن الوثائق القديمة لا تضيع بين المؤسستين.
الدار البيضاء لم تعد استثناء
هنا مغالطة شائعة تستحق التصحيح، لأنها انتشرت بسرعة على الشبكات الاجتماعية.
الوكالة الحضرية للدار البيضاء كانت فعلا حالة خاصة داخل المنظومة. فهي مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، لكنها كانت تخضع لإشراف وزير الداخلية بموجب الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.84.188 المؤرخ في 9 أكتوبر 1984، خلافا لباقي الوكالات التي كانت تحت وصاية وزارة التعمير والإسكان.
لكن هذه الخصوصية هي بالضبط ما استهدفه القانون الجديد. فبمجرد دخول القانون حيز التنفيذ، لم تعد الوكالة الحضرية للدار البيضاء تابعة للداخلية. الاستثناء البيضاوي انتهى، والجهة كلها تدخل تحت مظلة واحدة.
كما منح النص صلاحيات واسعة لمدير الوكالة الجهوية، من بينها اقتراح الأسعار المرجعية للخدمات المقدمة، والتوقيع باسم الوكالة على كل عقد أو اتفاقية شراكة، والتوظيف وتدبير المسار المهني للمستخدمين، وإصدار الأمر بصرف النفقات وقبض الموارد. مدير قوي إذن، وهو خيار له وجه إيجابي في السرعة، ووجه آخر يفرض يقظة في الحكامة والمراقبة.
مذكرة المعلومات التعميرية: الوثيقة التي لا يسأل عنها أحد
ننتقل الآن إلى ما يهمك مباشرة إذا كنت تفكر في شراء بقعة أرضية.
عند شراء أرض، لا توجد رخصة بناء ولا رخصة سكنى تطمئنك. الوثيقة الوحيدة التي تخبرك بمصير البقعة هي مذكرة المعلومات التعميرية، وكانت تُطلب من الوكالة الحضرية، وستُطلب مستقبلا من الوكالة الجهوية للتعمير والإسكان أو من تمثيليتها الإقليمية.
ماذا تقول لك هذه المذكرة؟ تقول لك ما هو مسموح به فعلا فوق تلك البقعة بالذات: هل المنطقة سكنية أم صناعية أم تجارية، وكم طابقا يُسمح لك ببنائه، وهل الأرض داخل منطقة فيلات لا تقبل المحلات التجارية، وهل هي قريبة من مطار أو مجرى مائي أو منشأة تفرض قيودا على العلو. والأهم: هل هي مهددة بنزع الملكية لأجل طريق أو مرفق عمومي مبرمج.
عدد كبير من النزاعات العقارية بالمغرب ينطلق من هنا. المشتري يركز على الملكية وحدها، ويكتشف بعد الأداء أن التصميم لا يسمح له بما خطط له. الملكية تثبت أن الأرض لك. مذكرة المعلومات التعميرية تخبرك بما يمكنك فعله بها. الفرق بين الوثيقتين يساوي أحيانا فارقا بمئات الآلاف من الدراهم.
وإذا كنت تشتري دارا جاهزة؟
نفس المنطق، مع وثائق مختلفة. اطلب رخصة البناء، ورخصة السكنى، والتصميم المصادق عليه، وقارنها بما هو مبني على أرض الواقع. المهندس المعماري نفسه ملزم باحترام تصميم التهيئة والضوابط المحددة للمنطقة، ولا يملك سلطة مخالفتها.
القانون هنا ليس رمزيا. فـالقانون رقم 25.90 يعاقب بغرامة تتراوح بين 100.000 و1.000.000 درهم على إحداث تجزئة أو مجموعة سكنية أو مباشرة أعمال تجهيز أو بناء دون الحصول على الإذن، وكذلك على بيع أو كراء أو قسمة بقع من تجزئة أو مساكن من مجموعة سكنية لم يؤذن في إحداثها أو لم تكن محل التسلم المؤقت للأشغال، ويعتبر كل بيع أو كراء مخالفة مستقلة.
طابق ثالث بُني دون سند لا يمنحك رخصة سكنى، ويعرضك للهدم والغرامة معا. ومع تعزيز المراقبة الجهوية، هامش التسوية اللاحقة سيضيق.
قانون 34.21: المرافق التي كانت تُنسى
الشق الثاني من الإصلاح أقل ضجيجا وأكثر أثرا على الحياة اليومية داخل التجزئات.
من يسكن تجزئة سكنية بالمغرب يعرف السيناريو: البقع تُباع، والمنازل تُبنى، ثم تمر السنوات دون مدرسة ولا مساحة خضراء ولا مركز صحي، لأن الأرض المخصصة لها ظلت معلقة بين المجزئ والجماعة.
وقد أدخل النص الجديد تعديلات على أحكام التقسيم، بينها تحديد حالات الإعفاء من إلزامية الحصول على إذن بالتقسيم، مثل استخراج قطع أرضية بقصد تفويتها للدولة أو الجماعات الترابية لإنجاز تجهيزات ومرافق عمومية، مع التنصيص على إحداث لجنة تقنية تضم ممثلين عن الجماعة والعمالة أو الإقليم والوكالة لدراسة طلبات الشهادة التي يسلمها رئيس مجلس الجماعة في إطار المادتين 35 و61 من القانون رقم 25.90.
وقد خلص بلاغ الوزارة إلى أن هذا الإصلاح التشريعي من شأنه تحسين جودة المشاريع العمرانية وتعزيز جاذبية الاستثمار وضمان توفير مرافق وتجهيزات عمومية تستجيب لحاجيات الساكنة. الرهان واضح: ألا تبقى المرافق العمومية بندا نظريا في التصميم.
ما قبل وما بعد
| العنصر | الوضع السابق | الوضع الجديد |
|---|---|---|
| عدد المؤسسات | 29 وكالة حضرية و34 ملحقة | 12 وكالة جهوية مع تمثيليات إقليمية |
| المرجعية الترابية | مدينة أو مجال متفاوت الاتساع | الجهة كاملة |
| وضع الدار البيضاء | إشراف وزارة الداخلية | ضمن المنظومة الجهوية الموحدة |
| الوثائق والأرشيف | لدى الوكالة الحضرية | تنتقل إلى الوكالة الجهوية |
| وضعية المستخدمين | نظام الوكالة الحضرية | إدماج بقوة القانون مع الحقوق المكتسبة |
ما لم يُحسم بعد
النص صدر ودخل حيز النفاذ، لكن التنزيل الميداني لن يكون دفعة واحدة. تعيين المديرين، وتركيب مجالس الإدارة، وفتح التمثيليات الإقليمية، كلها محطات ستمتد على أشهر، وستختلف وتيرتها من جهة إلى أخرى.
عمليا، النصيحة الوحيدة الآمنة اليوم هي هذه: قبل أي مسطرة، تأكد من الجهة التي تعالج ملفك في تلك اللحظة بالذات. في بعض الجهات ستكون الوكالة الحضرية لا تزال هي المخاطب، وفي أخرى ستكون الوكالة الجهوية قد تسلمت المشعل.
الإصلاح المؤسساتي يُقاس بمقياس واحد في نهاية المطاف: هل قلّ عدد الأيام التي يقضيها المواطن في انتظار وثيقة، وهل قلّ عدد التجزئات التي تُسلَّم بلا مدرسة؟ الخريطة الإدارية تغيرت بجرة ظهير. أما الثقافة الإدارية داخل الشبابيك فتتغير ببطء أكبر بكثير، وهي المعركة الحقيقية.
وأنت، حين ذهبت آخر مرة إلى الوكالة الحضرية في مدينتك، هل خرجت بالوثيقة التي جئت من أجلها، أم بموعد آخر؟

أضف تعليقاً