الإثنين، 21 شتنبر 2026

شرعية الضرائب في المغرب: هل هي تضامن اجتماعي حقيقي أم عبء يخنق الطبقة الوسطى؟

قراءة فلسفية وتاريخية لسؤال شرعية الضرائب بالمغرب: هل هي تضامن اجتماعي أم اقتطاع يخنق الطبقة الوسطى، مع تحليل نقدي لضريبة الدخل والقيمة المضافة والتغطية الصحية المبنية على تعريفة 2006.

شخص من الطبقة الوسطى المغربية يحسب فواتيره وأوراقه الضريبية ليلا بقلق، يرمز إلى عبء الضرائب على الطبقة الوسطى

في كل مرة يُناقش فيها قانون المالية، ينحصر النقاش عادة في سؤال تقني ممل: كيف نحسب الضريبة، وكم نؤدي، وأي إعفاء ننتظر. لكن هناك سؤالا أعمق نادرا ما يُطرح، رغم أنه يمس جوهر علاقتنا بالدولة: ما الذي يمنح الضريبة شرعيتها أصلا؟ هل هي واجب تضامني نبيل بين الأغنياء والفقراء، أم مجرد اقتطاع يشعر معه المواطن أنه ضحية لنظام يأخذ منه كثيرا ولا يعطيه إلا القليل؟ هذا السؤال، الذي شغل الفلاسفة قبل الاقتصاديين، يستحق أن نطرحه على الواقع المغربي في 2026.

من أين جاءت فكرة الضريبة أصلا

لفهم الجدل، لا بد من العودة إلى الجذور. فالضريبة ليست اختراعا حديثا، بل رافقت الإنسانية منذ ظهور أول تجمعات بشرية. في البداية أخذت شكلا عينيا بدائيا: قبيلة صغيرة تقدّم جزءا من صيدها لقبيلة أكبر مقابل الحماية أو حق استغلال أرض ما. لكن الضريبة بمفهومها الحديث بدأت تتبلور مع اكتشاف الزراعة قبل نحو ثلاثة آلاف سنة من الميلاد.

فالزراعة سمحت بما لم يسمح به الصيد: تخزين الموارد. وهذا المخزون خلق حاجة إلى من يحميه، فظهرت فئة المحاربين، ثم فئة رجال الدين التي منحت الشرعية للمنظومة كلها. المزارعون يخدمون الأرض ويؤدون جزءا من إنتاجهم، والمحاربون يحمون، ورجال الدين يبررون. هذا التقسيم الثلاثي للأدوار، كما يسميه علماء الاجتماع، هو الأصل التاريخي للضريبة. واللافت أنه من ظهور الدولة حتى القرن التاسع عشر، ظلت الضريبة تُفرض على الممتلكات والأرض، لا على دخل الأشخاص. فكرة “الضريبة على الدخل” ظاهرة حديثة نسبيا، لم تتجسد فعليا إلا في بداية القرن العشرين.

مدرستان تتصارعان حول معنى الضريبة

منذ القرن الثامن عشر، برزت مقاربتان فكريتان متعارضتان حول شرعية الضريبة، وما زال صراعهما قائما حتى اليوم، حتى وإن لم ننتبه إليه.

المدرسة الأولى، ذات الجذور الليبرالية، ترى الضريبة كعقد تبادلي: أنا أدفع للدولة، وهي في المقابل تحميني وتوفر لي الأمن والطرق والبنية التحتية التي أستفيد منها. الضريبة هنا مقايضة، ولا شرعية لها إلا بقدر ما يحصل عليه دافعها من مقابل ملموس. الجميع متساوون أمام القانون، وبالتالي متساوون أمام الضريبة، فمن العدل أن يؤدي الجميع النسبة نفسها.

المدرسة الثانية، ذات الجذور الاشتراكية، ترى الضريبة كواجب تضامني بين الفئات. هنا يظهر مفهوم أساسي: أن الدخل ينقسم إلى ضروريات وفائض. فمن يربح ما يكفي حاجاته يُعفى أو يؤدي قليلا، ومن يملك فائضا كبيرا يُطبق عليه اقتطاع أكبر، لأن هذا الفائض يُعتبر “رفاهية”. من هذه الفكرة وُلدت الضريبة التصاعدية على الدخل: كلما ربحت أكثر، أدّيت نسبة أكبر. الفيلسوف جون ستيوارت ميل كان يسمي هذه الضريبة التصاعدية “النهب التصاعدي”، بينما رأى فيها كارل ماركس وسيلة لاسترجاع الطبقة العاملة لجزء من القيمة التي انتُزعت منها.

المعيارالمقاربة الليبراليةالمقاربة الاشتراكية
جوهر الضريبةمقايضة: دفع مقابل حمايةواجب تضامني بين الفئات
المساواةنفس النسبة للجميعنسبة تصاعدية حسب الدخل
نظرة للثروةشرعية ما دامت من عملقد تكون فائضا غير أخلاقي
دور الدولةالأمن والبنية التحتيةإعادة توزيع الثروات

المفارقة المغربية: من هو “الغني” الذي نطبق عليه أعلى ضريبة؟

هنا يصبح النقاش ملموسا. فالمغرب، مثل أغلب الدول، يتبنى عمليا المقاربة الاشتراكية في ضريبة الدخل عبر السلم التصاعدي، حتى وإن كان يعلن نفسه ليبراليا. لكن الإشكال يكمن في التفاصيل.

من الإنصاف الإشارة إلى أن قانون المالية 2026 أدخل إصلاحا مهما على ضريبة الدخل. فقد رُفعت الشريحة المعفاة إلى 40 ألف درهم سنويا بدل 30 ألفا، وخُفض الشطر الأعلى من 38 إلى 37 بالمئة، مع تحسين طفيف في الأجر الصافي لبعض الفئات. لكن جوهر المشكلة الذي يطرحه النقاش الفلسفي يبقى قائما: عند أي مستوى دخل تبدأ الدولة في اعتبارك “غنيا” تستحق أعلى نسبة؟

الشطر الأعلى البالغ 37 بالمئة يطال من يتجاوز دخله السنوي 180 ألف درهم، أي حوالي 15 ألف درهم شهريا. والسؤال الجوهري: هل من يتقاضى 15 أو 16 أو 17 ألف درهم في الشهر بالمغرب يمكن اعتباره فعلا “غنيا”؟ هذا الشخص غالبا لديه أسرة، يسجّل أبناءه في مدرسة خصوصية لأن العمومية لا تطمئنه، يؤدي فواتير الماء والكهرباء والإنترنت، ويتنقل مسافات طويلة بسبب غلاء الكراء قرب مقر عمله. ما يتبقى له بعد كل هذا بالكاد يسمح بادخار متواضع يلتهمه التضخم.

النقطة الأعمق: الغني الحقيقي لا يعيش من “الصالير”

هنا يكمن جوهر المفارقة. فأعلى نسبة ضريبة على الدخل تطال أساسا الأجور، أي “الصالير”. لكن الغني الحقيقي لا يعيش من أجر شهري. مصدر دخله الأساسي هو أرباح شركاته والأرباح الموزعة (الديفيدند) التي قد تُحسب بالملايين. بل إن كثيرا من نمط عيشه يمر عبر الشركة نفسها: سيارة الشركة، سفر الشركة، امتيازات الشركة.

النتيجة أن العبء الأكبر لا يقع على الغني الذي يعيش من رأس المال، بل على الطبقة الوسطى المكافحة التي تعيش من أجرها. كما يلخّص باحث مغربي في الاقتصاد السياسي، فضّل عدم ذكر اسمه، فإن “الفرق الجوهري ليس بين من يملك ومن لا يملك، بل بين من يستيقظ كل صباح ليعمل من أجل المال، ومن أصبح المال يعمل من أجله. الأول، مهما بلغ أجره، يبقى محتاجا للعمل، والثاني وحده هو الغني الحقيقي. والمأساة أن منظومتنا الضريبية تخلط بينهما، فتخنق الطبقة الوسطى باسم محاربة الأغنياء”.

الضريبة على القيمة المضافة: الوجه الأكثر إجحافا

إذا كان النقاش حول ضريبة الدخل معقدا، فإن الضريبة على القيمة المضافة (TVA) تطرح إشكالا أوضح. فهذه الضريبة، التي تشكل نحو 40 بالمئة من المداخيل الضريبية للدولة، تُفرض بنسبة موحدة (غالبا 20 بالمئة) على الجميع دون تمييز.

وهنا يكمن الظلم من زاويتين. أولا، الفقير والعاطل عن العمل يؤديانها مثل الغني تماما، فحين يشتري شاب عاطل هاتفا بأربعة آلاف درهم، تأخذ الدولة 800 درهم، تماما كما تأخذها من رجل أعمال يشتري الهاتف نفسه. لا فرق بينهما رغم الفارق الهائل في القدرة. ثانيا، هذه الضريبة تُدفع سواء كان لك دخل أو لم يكن، لأنها مرتبطة بالاستهلاك لا بالربح. والأدهى أن ارتفاع الأسعار والتضخم يرفعان تلقائيا حصيلة هذه الضريبة، فحين يغلو السعر، تغلو معه نسبة الـ20 بالمئة بالدرهم، لتدخل خزينة الدولة أموال أكثر على ظهر المستهلك، خصوصا الطبقة الوسطى والفقراء الذين يستهلكون أكثر بحكم عددهم.

“أداء أسعار 2025 مقابل تعويض بأسعار 2006”

يبلغ النقاش ذروته عند الحديث عن التغطية الصحية الإجبارية. فالمنطق المفترض للتأمين بسيط: تساهم شهريا، وحين تمرض تُعوَّض بشكل عادل. لكن الواقع المغربي يكشف خللا صارخا.

فالتعريفة الوطنية المرجعية، التي على أساسها يُعوَّض المرضى، ما زالت تعود إلى سنة 2006، رغم أنه كان من المفترض مراجعتها كل ثلاث سنوات. النتيجة أن المريض قد يجد نفسه مضطرا لتحمل ما يصل إلى 60 بالمئة من تكلفة ملفه المرضي. تذهب إلى طبيب أخصائي يتقاضى 300 أو 400 درهم، لكن المنظومة تعتبره، حسب تعريفة 2006، يساوي 150 درهما فقط، فتعوّضك بنسبة من هذا المبلغ المتجاوز، لا من المبلغ الحقيقي الذي دفعته.

المفارقة الموجعة أنك تقتطع من أجرك اليوم بأسعار 2025 وأجور 2025، لكنك تُعوَّض بأسعار 2006. تدفع بحساب الحاضر، وتُعوَّض بحساب ماضٍ تجاوزه الزمن بعشرين سنة. هذا الخلل تحديدا هو ما يجعل كثيرا من المغاربة يشعرون بأن المساهمة الاجتماعية أقرب إلى الاقتطاع منها إلى التأمين، ويطرح سؤالا مشروعا حول جدوى تعميم منظومة قبل إصلاح عطبها الجوهري.

لماذا يهم هذا كل مغربي

قد يبدو هذا نقاشا نظريا للمثقفين، لكنه في الحقيقة يمس جيب كل مواطن وحياته اليومية. فحين تعمل مئة ساعة، تأخذ الدولة منها ما يعادل ثلاثين ساعة عبر مختلف الاقتطاعات، وهي ساعات من عمرك ومن جهدك. المشكلة ليست في مبدأ الضريبة، فلا أحد جاد يدعو إلى إلغائها، بل في شرعيتها الملموسة.

والدليل على أن المغاربة ليسوا ضد الأداء بطبيعتهم، ما رأيناه من موجة تضامن هائلة حين وقعت كارثة زلزال الحوز، حيث تبرّع الجميع، حتى الفقراء، لأنهم رأوا أن أموالهم تذهب مباشرة لغاية واضحة وعادلة. المشكلة إذن ليست في الدفع، بل في الغموض: حين يشعر المواطن أن جزءا من ضرائبه يذهب إلى الريع، وتضارب المصالح، والامتيازات، والتبذير، تنهار شرعية الضريبة في وعيه، ويتحول التهرب منها في نظره من جريمة إلى رد فعل.

في نهاية المطاف، يكشف هذا النقاش أن سؤالا بسيطا حول الضريبة يفتح الباب على أسئلة أعمق حول العدالة الاجتماعية ومعنى الدولة نفسها. فقبل أن نتجادل حول رفع نقطة أو خفض أخرى، ربما آن الأوان لطرح السؤال الجوهري بصدق: هل نريد ضريبة تُبنى على منطق التضامن الحقيقي الذي يميز بين الريع والعمل، أم نكتفي بمنظومة تخنق الطبقة الوسطى وتترك الغني الحقيقي في مأمن، ثم نسميها “دولة اجتماعية”؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *