الأحد، 20 شتنبر 2026

أطفال الشوارع في المغرب: ماذا يقول القانون فعلا؟

تحقيق قانوني يفكك المنظومة التشريعية المغربية المتعلقة بأطفال الشوارع، من الفصل 328 إلى قانون الاتجار بالبشر، ويكشف حدود المقاربة الأمنية مقابل الوقاية الاجتماعية.

زقاق قديم بمدينة مغربية عتيقة في الصباح الباكر مع بطانية بالية وحذاء طفل صغير أمام باب حجري، يرمز لقضية أطفال الشوارع بالمغرب

طفل لا يتجاوز عمره عشر سنوات، ينام في زاوية ضيقة بأحد أزقة الدار البيضاء القديمة، ملتفا حول نفسه كأنه يحاول أن يختفي من العالم قبل أن يختفي العالم منه. لا أحد يسأل عن اسمه، ولا عن المدرسة التي تركها، ولا حتى عن الأب الذي ربما لم يعرفه يوما. هذا المشهد لم يعد استثناء في المدن المغربية الكبرى، بل صار جزءا من الديكور اليومي الذي اعتاد المارة تجاوزه دون التوقف عنده. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في 2026، ليس فقط “كم عددهم؟”، بل “لماذا تبقى الترسانة القانونية عاجزة عن حمايتهم رغم وجودها منذ عقود؟”

رقم لا يريد أحد أن يعترف به

الغريب في ملف أطفال الشوارع بالمغرب أنه ملف بلا أرقام رسمية. الدولة لم تصدر حتى اليوم إحصاء دقيقا ومحينا لعدد هؤلاء الأطفال، وهو فراغ إحصائي يعكس في حد ذاته طبيعة التعامل مع الظاهرة. الدراسات غير الرسمية، ومنها تلك التي أشرف عليها الباحث الاجتماعي شكيب جسوس، تتحدث عن رقم يتجاوز 30 ألف طفل يعيشون في الشارع بشكل دائم أو شبه دائم. أما المرصد المغربي لحقوق الإنسان فيرفع سقف القلق أكثر، إذ يشير إلى وجود قرابة مئة ألف طفل يولدون سنويا دون هوية أب معترف بها قانونيا، وهي فئة يصفها الخبراء بأنها “مشروع أطفال شوارع” مؤجل، لأن غياب النسب يفتح الباب أمام التخلي والإهمال والانقطاع عن التمدرس.

هذا التفاوت بين الرقمين، ثلاثين ألفا هنا ومئة ألف هناك، ليس تفصيلا إحصائيا بقدر ما هو مؤشر على غياب أداة رصد وطنية موحدة. وبدون رقم متفق عليه، يصعب بناء سياسة عمومية فعالة، لأن أي تدخل حكومي، مهما كانت نياته حسنة، يحتاج أولا إلى معرفة حجم المشكلة التي يواجهها.

كيف يرى القانون الجنائي هذا الطفل؟

حين يتحدث المشرع المغربي عن أطفال الشوارع، فإنه لا يتحدث عنهم كضحايا بالضرورة، بل غالبا من زاوية الفعل الذي يمارسونه في الفضاء العام، وعلى رأسه التسول. الفصل 328 من القانون الجنائي يجرم استغلال الأطفال في التسول، ويكفي بموجبه أن يظهر الطفل في واجهة عملية التسول، حتى لو لم يقم بأي دور إيجابي أو سلبي، ليعتبر ذلك دليلا على استغلاله من قبل شخص بالغ ليس من أصوله أو فروعه. أما الفصل 330 فيذهب أبعد، إذ يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين كل من سلم طفلا أو حمل غيره على تسليمه لمتسولين أو متشردين، أو حرضه على مغادرة بيت أهله.

هذان الفصلان يشكلان النواة التقليدية لحماية الطفل من الاستغلال في الشارع. لكن المشرع لم يتوقف عند هذا الحد. فبعد سنوات من النقاش، أدرج القانون المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر مفهوم الاستغلال عبر التسول ضمن جرائم الاتجار بالبشر، في المواد من 448-1 إلى 448-13، بعقوبات قد تصل إلى ثلاثين سنة سجنا وغرامات مالية تبلغ عشرة ملايين درهم، إضافة إلى مصادرة الأموال والأدوات المستعملة في الجريمة. هذا التطور التشريعي مهم لأنه ينقل الملف من خانة “مخالفة أمنية بسيطة” إلى خانة “جريمة منظمة” حين يتعلق الأمر بشبكات تستغل الأطفال بشكل ممنهج.

النص القانونيالمضمونالعقوبة
الفصل 328استغلال طفل في التسول من طرف شخص غير أصل أو فرعحبس وغرامة
الفصل 330تسليم طفل لمتسولين أو متشردين أو التحريض على هروبه6 أشهر إلى سنتين حبسا
المواد 448-1 إلى 448-13التسول ضمن جرائم الاتجار بالبشر عند وجود شبكة استغلالتصل إلى 30 سنة وغرامة 10 ملايين درهم

المقاربة الأمنية وحدودها

المشكلة أن هذه النصوص، مهما كانت صارمة على الورق، تعالج الظاهرة من الطرف الخطأ في أغلب الأحيان. فحين تتدخل السلطات، غالبا ما يكون التدخل موجها ضد المتسول البالغ الذي يستغل طفلا، أو ضد الطفل نفسه حين يوقف في الشارع، أكثر مما هو موجه نحو الأسباب الجذرية التي دفعت هذا الطفل إلى الشارع أصلا. حملات “التنظيف” الأمنية التي تشهدها بعض المدن قبل المواسم السياحية أو الأعياد الوطنية، تنقل الأطفال مؤقتا من الشارع إلى مراكز الإيواء، لكنها نادرا ما تعالج ما جعلهم يعودون إليه بعد أيام أو أسابيع: الفقر المدقع، وتفكك الأسرة، والتسرب المدرسي، وغياب متابعة نفسية واجتماعية حقيقية.

هنا يكمن جوهر النقاش القانوني والحقوقي اليوم. فالسياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة، التي انطلقت سنة 2015 وامتدت حتى 2025، كانت تطمح إلى تجاوز هذه المقاربة الأمنية الضيقة، عبر تعزيز الإطار القانوني وبناء نظام معلوماتي دقيق لتتبع وتقييم السياسات المرتبطة بالطفولة. لكن انتهاء أفقها الزمني دون أن يرافقه تقييم علني شامل لنتائجها يطرح سؤالا مشروعا: هل تحقق فعلا الانتقال من المعاقبة إلى الوقاية، أم بقيت الوثيقة أفضل من الواقع الذي وصفته؟

الدعم الاجتماعي: خيط رفيع نحو الوقاية

في السنوات الأخيرة، بدأت الدولة تراهن على أداة مختلفة، أقرب إلى الوقاية منها إلى الردع: الدعم الاجتماعي المباشر. فبرنامج الدعم النقدي الموجه للأسر الفقيرة عبر السجل الاجتماعي الموحد يمنح اليوم مبلغا شهريا لكل طفل متمدرس، وصل إلى 250 درهما سنة 2025 ومن المرتقب أن يرتفع إلى 300 درهم سنة 2026، إضافة إلى إعانة خاصة قدرها 500 درهم شهريا للأطفال اليتامى والمهملين نزلاء مؤسسات الرعاية الاجتماعية، تودع مباشرة في حساب يفتح باسم الطفل لدى صندوق الإيداع والتدبير.

هذه الآليات تحمل منطقا مختلفا عن منطق الفصل 328 أو 330. فهي لا تنتظر أن يصبح الطفل في الشارع لتتدخل، بل تحاول أن تمنع وصوله إلى هناك أصلا، عبر تخفيف الضغط الاقتصادي على أسرته. لكن فعاليتها الحقيقية تبقى رهينة بسؤال جوهري: هل تصل هذه الإعانات فعلا إلى الأسر الأكثر هشاشة، تلك التي غالبا ما تكون بلا عنوان ثابت أو وثائق إدارية كاملة، وهي بالضبط الأسر التي ينتمي إليها أغلب أطفال الشوارع؟

حين يغيب التتبع، يغيب العدل

يبقى العائق الأكبر أمام أي تقدم في هذا الملف هو غياب منظومة تتبع فردي لهؤلاء الأطفال. فطفل يوقف اليوم في إطار حملة أمنية بالدار البيضاء، قد يظهر بعد أشهر في طنجة أو مراكش، دون أي ملف اجتماعي أو قضائي يربط بين الحادثتين. الجمعيات المدنية، رغم إمكاناتها المحدودة، تظل الفاعل الأكثر حضورا ميدانيا، بينما تبقى المؤسسات الرسمية حاضرة أساسا في الخطاب والبرامج، وأقل حضورا في المتابعة اليومية داخل الأزقة والمفترقات.

القانون إذن موجود، والعقوبات مسطرة بوضوح، والدعم الاجتماعي في تطور تدريجي. لكن الفجوة الحقيقية ليست في النص، بل في المسافة الفاصلة بين ما يكتب في الجريدة الرسمية وما يعيشه طفل نائم على رصيف بارد. وربما آن الأوان لنطرح السؤال بجرأة أكبر: هل نحتاج فعلا إلى قوانين جديدة، أم إلى إرادة حقيقية لتفعيل ما هو موجود أصلا؟

هل تعتقدون أن الحل يكمن في مزيد من التشريعات، أم في تفعيل أفضل للترسانة القانونية والاجتماعية المتوفرة أصلا؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *