الأحد، 20 شتنبر 2026

قضية بوقنادل: حين تصطدم أشجار الأفوكادو بمسطرة نزع الملكية، من له الحق ومن يستحق التعويض

قضية بوقنادل ليست مجرد اقتلاع أشجار أفوكادو، بل درس في القانون: من يملك الأرض السلالية، ولماذا لا يمكن رفض نزع الملكية، وأين تُربح معركة التعويض فعلا.

) أشجار أفوكادو مقتلعة فوق أرض فلاحية بضواحي مدينة مغربية مع آلية جرف وعمارات قيد البناء في الخلفية، في إشارة إلى نزع الملكية وتحويل الأرض السلالية إلى مجال حضري

مشهد جرافة تقتلع شجرة أفوكادو مثمرة، وأب وابنه يقفان في وجهها بأجسادهما، هو المشهد الذي هز مواقع التواصل الاجتماعي في منتصف غشت 2026، وأشعل نقاشا وطنيا واسعا حول ما جرى بتجزئة الحنشة التابعة لجماعة بوقنادل بضواحي سلا. لكن خلف الصور المؤثرة والمواجهات مع رجال الدرك والقوات المساعدة، تختبئ قضية قانونية معقدة، أبعد ما تكون عن البساطة التي تختزلها لقطة فيديو مدتها ثلاثون ثانية. فهذه ليست حكاية اعتداء عشوائي على فلاح بسيط، بل تقاطع دقيق بين نظامين قانونيين مغربيين لا يعرفهما كثير من المتضررين إلا حين يجدون الجرافات أمام أبوابهم.

ما الذي جرى فعلا في الحنشة

القطعة الأرضية المعنية تضم مزرعة لأشجار الأفوكادو وخمسة مساكن. السلطات المحلية نفذت عملية إفراغ، فجرى هدم المساكن واقتلاع المحاصيل، وسط احتجاجات تطورت إلى مواجهات انتهت بتوقيف فلاح وابنه. وبسرعة، انتشرت على الشبكات روايات موازية ربطت العملية بضغوط شركات إسرائيلية تسعى لاحتكار زراعة الأفوكادو في المغرب. غير أن المعطيات المتوفرة حول الملف تنفي هذه التأويلات بشكل قاطع، وتضعه في إطاره الحقيقي: نزاع حول مسطرة نزع ملكية أرض سلالية، وحول تحديد التعويضات المستحقة لذوي الحقوق.

هنا بالضبط يبدأ اللبس. لأن فهم ما جرى يتطلب فصل مسألتين متشابكتين ظاهريا، لكنهما تخضعان لقواعد مختلفة تماما: طبيعة الأرض من جهة، ومسطرة نزعها من جهة أخرى.

الأرض السلالية، ملكية لا تُباع ولا تُكتسب بالتقادم

الأرض في بوقنادل ليست ملكا خاصا بالمعنى الذي يتصوره الناس. إنها أرض سلالية، أي ملك جماعي يعود لجماعة من السكان تربطهم روابط قبلية أو عرقية أو اجتماعية مشتركة، تُدار تحت وصاية وزارة الداخلية وفق القانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها.

هذا النوع من الأراضي يحمل خاصية قانونية صارمة يجهلها كثيرون. فالأرض السلالية لا تُفوَّت ولا تُباع ولا تُشترى، والأهم من ذلك أنها لا تُكتسب بالتقادم مهما طال أمد الحيازة. بمعنى آخر، من الممكن في العقار الخاص العادي أن تكتسب ملكية أرض أهملها صاحبها إذا حزتها مدة تفوق عشر سنوات، عبر ما يسمى التقادم المكسب. أما الأرض السلالية، فيمكنك أن تجلس فيها قرنا كاملا دون أن تصبح ملكا لك، ولا يمكن حتى الحجز عليها وفاء لدين.

من يستغل هذه الأراضي إذن هم ذوو الحقوق، أي أعضاء الجماعة السلالية الذين يتمتعون بحق الانتفاع، ذكورا وإناثا بعد التعديلات التي جاء بها القانون 62.17، وفق توزيع تقوم به جماعة النواب تحت إشراف مجلس الوصاية. وهنا يُطرح السؤال الجوهري في ملف بوقنادل: هل الفلاح الذي غرس أشجار الأفوكادو من ذوي الحقوق في الجماعة السلالية، أم أنه مجرد مستغل كرى الأرض أو وضع يده عليها؟ الجواب عن هذا السؤال وحده يغير طبيعة حقه في التعويض جذريا.

من الفلاحي إلى الحضري، تفصيل غيّر كل شيء

النقطة الثانية التي يجب استيعابها هي أن أرض الحنشة لم تعد أرضا قروية فلاحية في نظر التقسيم الجديد. فقد أُدرجت ضمن المجال الحضري في تصميم التهيئة، وهو ما يعني أنها ستُجهَّز مستقبلا لتُبنى عليها دور وعمارات، وتُقسَّم إلى بقع أرضية يُستفاد منها في إطار برامج إعادة إيواء قاطني دور الصفيح والسكن العشوائي.

هذا التحول من الطابع الفلاحي إلى الحضري هو ما يفسر تدخل الدولة لاستعادة الأرض وتجهيزها. لكنه يفتح أيضا الباب أمام سوء فهم خطير لدى المتضررين. إذ يعتقد بعضهم أن ارتفاع قيمة الأرض بسبب إدراجها في المجال الحضري يجب أن ينعكس على تعويضهم. والاجتهاد القضائي المغربي حسم هذه النقطة منذ زمن بعيد، كما سنرى.

نزع الملكية للمنفعة العامة، كيف يشتغل القانون فعلا

الإطار الذي يحكم استعادة الدولة للعقارات هو القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت. وفهم هذا القانون يجنب المتضرر أخطاء قاتلة في رد فعله.

الدرس الأول، وربما الأصعب على النفس، هو أن نزع الملكية للمنفعة العامة ليس قرارا قابلا للرفض. حين تُعلن المنفعة العامة بمقرر إداري ينشر في الجريدة الرسمية، ويحدد المنطقة المعنية بمخطط مرفق يعتبر جزءا لا يتجزأ من المقرر، فإن مالك العقار لا يملك أن يقول لا. القضاء نفسه لا يناقش، حين يُعرض عليه الملف، ما إذا كان من حق الجهة نازعة الملكية أخذ الأرض أم لا. المحكمة الإدارية تناقش شيئا واحدا فقط: قيمة التعويض.

لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه المتضرر هو أن يخوض معركته في الاتجاه الخاطئ. من يذهب إلى المحكمة رافعا شعار “أرضي ولن أبيع، أنا هنا منذ مائة عام”، يخوض معركة خاسرة سلفا. لأن القرار، متى ثبتت المنفعة العامة، نافذ لا محالة. المعركة الحقيقية، والوحيدة التي يمكن كسبها، هي معركة التعويض العادل.

الجدول التالي يوضح الفرق بين ما يظن كثير من المتضررين أن بإمكانهم الطعن فيه، وما يمكنهم فعلا النزاع حوله:

المسألةهل يمكن النزاع حولها؟الجهة المختصة
مبدأ نزع الملكية نفسهلا، متى أُعلنت المنفعة العامةغير قابل للنقاش أمام القضاء
قيمة التعويض المستحقنعم، وهو جوهر النزاعرئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضي نزع الملكية
الطعن بالاستئنافنعم، لكن على التعويض فقطمحكمة الاستئناف الإدارية
الاعتداء المادي دون مسطرةنعم، دعوى مستقلةالمحكمة الإدارية

التعويض العادل، حيث تُربح المعركة أو تُخسر

بمقتضى الفصل 20 من القانون 7.81، تحدد المحكمة التعويض في إطار سلطتها التقديرية، اعتمادا على القيمة الفعلية للعقار. وهنا يكمن مربط الفرس. فالتعويض عن أرض فلاحية مغروسة بأشجار مثمرة، كما هو حال بوقنادل، لا يقتصر على قيمة الأرض العارية وحدها، بل يشمل قيمة الأرض مضافا إليها قيمة الأشجار والمزروعات القائمة فوقها. تماما كما أن التعويض عن دار في المدينة يشمل قيمة الأرض والبناء المشيد عليها معا.

لكن الاجتهاد القضائي المغربي وضع قيدا مهما. ففي قرار شهير لمحكمة النقض يعود إلى فاتح يوليوز 1985، تقرر أن الضرر القابل للتعويض هو المبني على الاستعمال الحالي والفعلي للأرض المنزوعة ملكيتها، لا على استعمالها المحتمل مستقبلا. بمعنى أن صاحب أرض فلاحية لا يحق له المطالبة بتعويض على أساس أنها كانت ستُخصص للبناء. وهذا بالضبط ما يصطدم به منطق بعض المتضررين في بوقنادل: القيمة التي تُحتسب هي القيمة الفلاحية القائمة، لا القيمة الحضرية المرتقبة التي منحها تصميم التهيئة.

نصيحة عملية جوهرية هنا: من يواجه نزع ملكيته عليه أن يبني ملفه على الوثائق لا على العاطفة. عقود بيع أراضٍ مجاورة مماثلة، مراجعات ضريبية سابقة تثبت قيمة العقار في المنطقة، تقارير خبرة. هذه هي الأسلحة التي ترفع التعويض إلى مستواه العادل. فالخبير الذي تعينه المحكمة يشتغل على هذه المعطيات، لا على الخطابات.

حين تأخذ الدولة دون مسطرة، مسألة الاعتداء المادي

يبقى أن نشير إلى حالة أخرى قد تقع، وهي أن تتجاوز الجهة الإدارية المسطرة القانونية وتضع يدها على العقار مباشرة دون احترام إجراءات نزع الملكية. هنا نكون أمام ما يسميه القانون “الاعتداء المادي”، وتنقلب فيه الأدوار. فبدل أن تكون الدولة هي من يبادر إلى المحكمة، يصبح المالك هو من يرفع الدعوى أمام المحكمة الإدارية، مطالبا بالتعويض عن الضرر الذي لحق ملكه. وقد يكون هذا الاعتداء مؤقتا أحيانا، كأن تحتاج الجهة الأرض لمدة محدودة لإنجاز مشروع مجاور، وحتى في هذه الحالة يُعوَّض المالك عن الأضرار التي لحقت عقاره.

في حالة الأراضي السلالية، تسري القواعد نفسها مع فارق مهم. فالدولة إن احتاجت أرضا سلالية للمنفعة العامة، يمكنها نزع ملكيتها، لكنها تتفاوض أولا مع جماعة النواب ومجلس الوصاية. وإن لم يقع اتفاق، تلجأ إلى المحكمة التي تقدر التعويض وتحكم به لفائدة الجماعة السلالية، ليُوزَّع بعد ذلك على ذوي الحقوق. فالتعويض قائم إذن، حتى وإن كانت الأرض تحت وصاية وزارة الداخلية.

العقدة الحقيقية، بطء التعويض

المشكل الأعمق في منظومة نزع الملكية بالمغرب لا يكمن في مبدأ استعادة الأرض، فهذا حق للدولة تقره كل التشريعات وتكرسه المواثيق الدولية ودستور 2011 نفسه الذي يحمي الملكية ويجيز نزعها للمنفعة العامة وفق شروط. المشكل يكمن في الفجوة الزمنية. فكثير من المتضررين يحملون أحكاما نهائية لصالحهم، ومع ذلك ينتظرون تعويضاتهم سنوات، بينما تكون أراضيهم قد جُرفت ومساكنهم قد هُدمت.

وهنا يظهر الخلل الجوهري. ففي المعاملات العادية بين الأفراد، لا ينتقل الملك إلا بعد أداء الثمن كاملا. أما في العلاقة بين الإدارة والمواطن، فكثيرا ما تُنفَّذ عملية الإفراغ والهدم قبل حسم مطالب التعويض، وهو ما اعتبرته جمعيات حقوقية واكبت ملف بوقنادل أمرا مؤسفا، خصوصا مع اقتلاع المحاصيل وهدم المساكن قبل تسوية وضعية المتضررين. الميزان الذي يجب أن تتساوى كفتاه، إخراج المواطن من عقاره في مقابل تعويضه العادل في الوقت المناسب، يظل في كثير من الحالات مختلا لصالح كفة واحدة.

هذا لا يبرر بأي حال الاعتداء على رجال الأمن والدرك والقوات المساعدة، فهؤلاء مجرد جهة تنفيذية تطبق قرارا إداريا، ولا أحد يقبل تلك المشاهد. لكنه يطرح سؤالا يتجاوز حالة أسرة بعينها في بوقنادل، ويمس آلاف المغاربة الذين قد يجدون أنفسهم يوما في الموقف ذاته: كيف نضمن ألا يتحول حق الدولة المشروع في نزع الملكية للمنفعة العامة إلى ظلم واقع على المواطن، حين يُطالَب بالتخلي عن رزقه قبل أن يقبض ثمنه العادل؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *