تخيّل أنك دخلت مكتب محامٍ يوم الأربعاء 19 غشت 2026 واتفقت معه شفوياً على قضية، ثم عدت إليه يوم الجمعة 21 غشت. بين الزيارتين، تغيّر الإطار القانوني الذي يحكم علاقتكما بالكامل. لا شيء تغيّر في المكتب، ولا في وجه المحامي، ولا في ملفك. لكن ما يربطكما أصبح خاضعاً لقواعد مكتوبة لم تكن موجودة من قبل.
يوم الخميس 20 غشت 2026، صدر القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة في العدد 7536 من الجريدة الرسمية، بعد الظهير الشريف رقم 1.26.75 المؤرخ في 18 غشت 2026. وبذلك حلّ محل القانون رقم 28.08 الذي ظل يؤطر المهنة لأزيد من خمس عشرة سنة، مع الإبقاء مؤقتاً على بعض مقتضيات القانون السابق في حالات محددة.
الغريب في هذه القصة أن معظم النقاش العمومي انصبّ على المحامين: احتجاجاتهم، إضرابهم، خلافهم مع وزارة العدل. أما الطرف الآخر في المعادلة، أي المواطن الذي يقصد المحامي، فقد بقي غائباً عن الصورة تقريباً. وهذا مفارق، لأن جزءاً كبيراً من مستجدات هذا القانون كُتب أصلاً من أجله.
مسار تشريعي انتهى بقرار غير حاسم
قبل الدخول في التفاصيل، لا بد من توضيح كيف وصل النص إلى الجريدة الرسمية، لأن هذه النقطة أثارت التباساً واسعاً.
أحيل القانون على المحكمة الدستورية، لكنها قضت في قرارها رقم 277/26 الصادر في 10 غشت 2026 بتعذر البت في الإحالة على حالها، لأن الجهة المحيلة أرفقت طلبها بتقرير لجنة برلمانية ونسخة صادق عليها مجلس النواب، لا بأصل النص النهائي المطلوب إخضاعه للرقابة. وبالتالي لا يعني القرار الحكم بدستورية القانون ولا بعدم دستوريته، وإنما يعني أن المحكمة لم تتمكن من مباشرة الرقابة لغياب محلها القانوني في الملف.
هذه النقطة مهمة. من يقول إن المحكمة الدستورية صادقت على القانون فهو مخطئ، ومن يقول إنها رفضته فهو مخطئ أيضاً. لم تبتّ أصلاً. وهذا الفراغ هو ما يفسّر استمرار الاحتقان بعد النشر.
التكليف الكتابي: نهاية عصر الاتفاق الشفوي
هنا يوجد أهم تغيير يهمّك مباشرة.
كان بإمكانك، إلى غاية الأسبوع الماضي، أن تدخل مكتب محامٍ، تشرح له قضيتك، تتفقان بالكلام على الأتعاب، وتنصرف. لا ورقة، لا توقيع، لا شيء. وعندما ينشأ خلاف لاحقاً حول ما اتُّفق عليه، تدخل الكلمة ضد الكلمة، ويصعب على أي جهة الفصل في الأمر.
انتهى هذا الوضع. فقد اعتمد القانون التكليف الكتابي بين المحامي وموكله لأول مرة، وهي آلية ينتظر منها أن تسهم في توضيح طبيعة العلاقة المهنية وضمان الحقوق والالتزامات بين الطرفين.
ولا يتعلق الأمر بورقة شكلية. فالتكليف يجب أن يتضمن الاسم الكامل للموكل أو للشخص الذي تولى توكيل المحامي نيابة عنه، ورقم بطاقته الوطنية للتعريف الإلكترونية أو أي وثيقة أخرى تثبت هويته، إلى جانب الاسم الكامل للمحامي وعنوان مكتبه ورقمه المهني الوطني. ويضاف إلى ذلك موضوع القضية، ومراحل التقاضي المشمولة، والأتعاب المتفق عليها وكيفية أدائها.
وهذه الجزئية الأخيرة تستحق انتباهك. إذا وكّلت محامياً في المرحلة الابتدائية فقط، فذلك يُكتب. وإذا أردت أن يرافقك إلى الاستئناف والنقض، فذلك يُكتب أيضاً. لم تعد المسألة متروكة للفهم المشترك أو لحسن النية.
ويمكن تغيير الشروط المضمنة في التكليف الكتابي، لكن باتفاق موقّع. أي أن ما تغيّرانه شفوياً بعد التوقيع لا قيمة له. وإذا صرّحت أمام جهة قضائية باسم المحامي الذي اخترته، اعتُبر ذلك الإقرار بمثابة تكليف، ويُضمَّن في محضر يُحرَّر لهذا الغرض، ويمكن لكل من المحامي والموكل تسلّم نسخة منه.
المادة التي تحمي الموكل أكثر مما يبدو
يذهب النص أبعد من ذلك. فالمحامي ملزم بأن يحتفظ في ملفه بالتكليف المكتوب أو بنسخة من المحضر، للإدلاء به عند المنازعة في التكليف، تحت طائلة سقوط الحق في الأتعاب أو المنازعة فيها.
اقرأ هذه الجملة مرة ثانية. الجزاء ليس غرامة ولا عقوبة تأديبية، بل سقوط الحق في الأتعاب. أي أن المحامي الذي لا يوثّق علاقته بموكله قد يفقد حقه في المطالبة بمقابل عمله.
وقد كان هذا المقتضى تحديداً من أكثر ما أثار انتقاد المهنيين. فقد اعتبرت المحامية بشرى العاصمي، في قراءة نقدية للمشروع، أن هذه المادة تمثل «الطامة الكبرى» ضمن ما اعتبرته إهداراً لمكتسبات المهنة.
لكن من زاوية المتقاضي، القراءة مختلفة تماماً. النص يحوّل التوثيق من مجاملة إلى شرط، ويضع عبء الإثبات على الطرف المهني لا على المواطن. وهذا انقلاب في ميزان القوى داخل علاقة كانت تاريخياً غير متكافئة.
الأتعاب: شفافية مفروضة بالقانون
المحور الثاني الذي يلمسك مباشرة هو المال.
فالمادة 72 ألزمت أداء ما يتجاوز 10.000 درهم بشيك أو بوسيلة إلكترونية. بعبارة أوضح، لم يعد ممكناً تسليم مبالغ كبيرة نقداً دون أثر. ولهذا الإجراء وجه دفاعي واضح: أثر بنكي يعني إثباتاً في حال النزاع.
غير أن الانتقاد الموجّه إليه وجيه أيضاً ويستحق الذكر بأمانة. فقد نبّهت العاصمي إلى أن الموكلين من البوادي لا يملكون حسابات بنكية ولا يعرفون التعامل بالوسائل الإلكترونية، وهو ما قد يعرقل المعاملات في مناطق واسعة من المغرب القروي. الحكم على هذه النقطة يحتاج سنة أو سنتين من التطبيق الفعلي.
أما في حالة الخلاف حول الأتعاب، فالمسطرة أصبحت واضحة. يُعرض الأمر على النقيب لتحديد مبلغها، ويكون قراره قابلاً للطعن من الأطراف المعنية أمام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف المختصة داخل أجل خمسة عشر يوماً من تاريخ التبليغ.
خمسة عشر يوماً. سجّل هذا الأجل، لأنه قصير ولأن تفويته يعني ضياع الحق في الطعن.
المساعدة القضائية: الحق الذي يقابله واقع مختلف
من لا يملك ما يكفي لأداء أتعاب محامٍ يمكنه طلب المساعدة القضائية، فيُعفى من الرسوم القضائية ويعيَّن له محامٍ من طرف النقيب. وإذا لم تسفر الدعوى عن أي مقابل مالي، يتقاضى المحامي المعني أتعاباً من الخزينة العامة عن الخدمات المقدمة، يُحدَّد مبلغها وكيفية صرفها بموجب نص تنظيمي.
على الورق، الآلية سليمة. على أرض الواقع، الوضع مختلف حالياً. فقد أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب الاستمرار في التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية.
أي أن الفئة الأكثر هشاشة هي أول من يدفع ثمن هذا الاحتقان.
ما لم يعد من اختصاص المحامي
بموازاة قانون المحاماة، يجري تحوّل آخر لا يقل أهمية بالنسبة لجيوب المغاربة، ويتعلق بالعقار.
فقد صادق مجلس النواب في جلسة 15 يونيو 2026 على مشروع القانون رقم 041.25 القاضي بتغيير وتتميم مقتضيات مدونة الحقوق العينية وقانون الالتزامات والعقود، بتأييد 65 نائباً ومعارضة 30.
وأوضح وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن النص يأتي استجابة للاختلالات المرصودة في مجال تحرير العقود المتعلقة بالعقارات والحقوق العينية، خاصة تلك المرتبطة بعقارات غير قابلة للتفويت أو التي يتطلب تفويتها احترام مساطر خاصة، مشيراً إلى أن بعض العقود المتعلقة بالأراضي السلالية أفرزت إشكالات أثّرت على الأمن التعاقدي واستقرار المعاملات العقارية.
للتذكير، كانت المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية تسمح بتحرير التصرفات العقارية بمحرر رسمي لدى العدول أو الموثقين، أو بمحرر ثابت التاريخ يحرره محامٍ مقبول للترافع أمام محكمة النقض. ومع هذا التعديل، يتقلّص هذا الباب الثالث.
بالنسبة للمواطن، الرسالة عملية: قبل أن تحرّر أي عقد يتعلق بعقار، تحقق أولاً من الجهة المخوّلة قانوناً. فالجزاء هنا ليس بسيطاً، إذ يصل إلى البطلان.
تزامن ثلاثي في أسبوع واحد
ما يجعل هذه اللحظة استثنائية ليس قانون المحاماة وحده، بل تراكم ثلاثة أوراش في أيام معدودة.
| التاريخ | الحدث |
|---|---|
| 10 غشت 2026 | المحكمة الدستورية تصرّح بتعذر البت في إحالة قانون 66.23 |
| 18 غشت 2026 | الظهير الشريف رقم 1.26.75 بتنفيذ القانون، ومكتب جمعية هيئات المحامين يقرر مواصلة التوقف |
| 20 غشت 2026 | نشر القانون 66.23 بالجريدة الرسمية عدد 7536 ودخوله حيز التنفيذ |
| 24 غشت 2026 | دخول قانون المسطرة المدنية رقم 58.25 حيز التنفيذ |
| 4 شتنبر 2026 | انعقاد مجلس جمعية هيئات المحامين |
فقانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 نُشر في الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026 بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.26.07، وتطبيقاً للمادة 643 منه يدخل حيز التنفيذ بعد ستة أشهر من النشر، أي يوم الاثنين 24 غشت 2026. وهو نص يعيد تنظيم تبليغ الأعمال القضائية، ويؤطر الجلسات المنعقدة عن بُعد، وينظم طرق الطعن وفق قيمة النزاع، ويكرّس الصلح والوساطة كوسيلتين أساسيتين لتسوية الخلافات، إلى جانب استحداث آليات للحد من الطعون التعسفية.
بعبارة أخرى: تغيّرت قواعد التقاضي، وتغيّرت قواعد الدفاع، في أسبوع واحد. من كان له ملف جارٍ أمام المحاكم مطالب بمراجعته مع مهني، لا بالاعتماد على ما كان يعرفه سابقاً.
المفارقة التي تختصر الأزمة
هنا يظهر التناقض الأعمق في المشهد.
فقد استكمل إضراب المحامين شهره الثالث ودخل شهره الرابع، في غياب مؤشرات واضحة بشأن موعد استئناف العمل بصورة طبيعية داخل المحاكم المغربية. وأكدت جمعية هيئات المحامين أن موقفها لا يتعلق بالدفاع عن مصالح فئوية أو امتيازات مهنية، وإنما بمكانة المهنة داخل منظومة العدالة وبضمانات الحقوق والحريات، معتبرة أن المحاماة شأن عام يهم الوطن برمته.
في المقابل، أعلنت وزارة العدل أن القانون الجديد يرمي إلى إرساء إطار قانوني أكثر شمولاً ووضوحاً لمهنة المحاماة، بما يراعي خصوصيتها ومبادئ استقلالها، ويعزز قواعد الحكامة والمسؤولية المهنية.
وبين الموقفين، دخل طرف ثالث على الخط. فقد دعا حزب العدالة والتنمية المحامين إلى استئناف العمل بعد دخول قانون المهنة حيز التنفيذ.
النتيجة العملية تكاد تكون ساخرة: قانون يمنح المتقاضي ضمانات مكتوبة لم يكن يملكها، يدخل حيز التنفيذ في اللحظة التي يصعب فيها على هذا المتقاضي أن يجد محامياً أصلاً. الحق موجود، والوسيلة معطّلة.
ما ينبغي أن تفعله أنت، عملياً
بعيداً عن السجال المؤسساتي، هناك أربعة سلوكات تحميك ابتداءً من اليوم.
اطلب التكليف الكتابي ولا تعتبره تشكيكاً في محاميك، فهو التزام قانوني عليه قبل أن يكون حقاً لك. احتفظ بنسخة منه. لا تسلّم مبلغاً يتجاوز عشرة آلاف درهم نقداً. واطلب وصلاً عن كل مبلغ وعن كل وثيقة أصلية تسلّمها، خصوصاً عقود الملكية والشيكات.
هذه ليست إجراءات معقدة، لكنها الفرق بين ملف موثّق وملف قائم على الذاكرة.
بين النص والممارسة
يبقى أن القانون، مهما بلغت جودة صياغته، لا يغيّر الواقع بمجرد نشره. فتنزيل عدد من مقتضياته سيظل مرتبطاً بصدور النصوص التنظيمية وبإحداث معهد تكوين المحامين. وهذا يعني أن ما نقرأه اليوم في الجريدة الرسمية هو الهيكل، لا البناء الكامل.
التجربة المغربية في إصلاح المهن القانونية تعلّمنا أن المسافة بين المادة القانونية والممارسة اليومية داخل المحاكم تُقاس بالسنوات لا بالأشهر. وسيتوقف الكثير على ما إذا كانت المهنة ستستوعب هذا النص أم ستواصل معارضته، وعلى ما إذا كان المواطن سيعرف أن هذه الحقوق أصبحت له.
النقطة الأخيرة هي الأهم في نظري. فالضمانة التي لا يعرف صاحبها بوجودها لا تحميه من شيء. وأول امتحان حقيقي لهذا القانون لن يكون في قاعة برلمانية ولا في بلاغ نقابي، بل في مكتب محامٍ صغير بمدينة متوسطة، يوم يطلب مواطن عادي ورقة تكليف مكتوبة، ويحصل عليها دون نقاش.
في اعتقادك، هل يكفي إلزام المحامي بتوثيق علاقته بموكله لبناء الثقة المفقودة بين المغاربة ومنظومة العدالة، أم أن المشكل أعمق من ورقة تُوقَّع؟

أضف تعليقاً