في مطار الرباط سلا، لم يكن نزول وزير الخارجية الألماني يوهان دافيد فادفول أواخر أبريل 2026 مجرد محطة بروتوكولية عابرة. فالرجل جاء ليقول بصريح العبارة إن بلاده تحتفل هذه السنة بسبعين عاما على تأسيس علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، وإن المرحلة المقبلة ستحمل “إمكانات نمو كبيرة” في الطاقات المتجددة والمعادن الحيوية والهيدروجين. هذه الكلمات، الصادرة عن أعلى مستوى دبلوماسي ألماني، تختصر تحولا عميقا في الشراكة المغربية الألمانية، تحولا لم يعد يقتصر على التبادل التجاري الكلاسيكي، بل صار يمس صميم إعادة تشكيل الخريطة الصناعية للمتوسط.
المغرب لم يعد يُنظر إليه في برلين كبلد جار ودود فحسب، بل كمساحة صناعية تتقاطع فيها حسابات الطاقة والأمن وسلاسل التوريد والتنافس على أسواق المستوى. وهذا التحول يكتسب معنى خاصا في 2026، سنة تبحث فيها الشركات الأوروبية عن مواقع إنتاج أكثر أمنا وأقرب إلى أسواقها, بعدما كشفت اضطرابات النقل البحري وتقلبات أسعار الطاقة والاعتماد المفرط على آسيا هشاشة جزء كبير من سلاسل الإمداد العالمية.
من علاقة تجارية إلى شراكة تتفاوض بندا بندا
طويلا ظلت العلاقات المغربية الألمانية تدور في فلك التبادل التجاري وتكوين اليد العاملة والتعاون التقني، قبل أن تتوسع تدريجيا نحو الصناعة والطاقة المتجددة. لكن طبيعة هذه العلاقة تغيرت بشكل ملموس خلال الأشهر الأخيرة. ففي أبريل 2026، احتضنت الدار البيضاء لقاء نظمته السفارة الألمانية وغرفة التجارة والصناعة الألمانية بالمغرب (AHK)، أعلنت خلاله مجموعات صناعية ألمانية كبرى عن استثمارات جديدة تشمل قطاعات اللوجستيك والصيدلة والسيارات والذكاء الاصطناعي، في مؤشر واضح على أن اهتمام برلين تجاوز حدود القطاعات التقليدية.
وبعد أسابيع قليلة، استقبلت الرباط وفدا اقتصاديا ألمانيا رفيع المستوى قاده كاتب الدولة البرلماني ستيفان روينهوف، ضم ممثلين عن شركات كبرى في الطاقة والسيارات والطيران واللوجستيك. ثم توج هذا الزخم بزيارة وزير الخارجية فادفول نفسه، وبعقد الدورة الثانية للحوار الاستراتيجي المتعدد الأبعاد بين البلدين، وهو إطار دبلوماسي رفيع لا يُفتح إلا مع شركاء تعتبرهم برلين ذوي أولوية إقليمية. هذا التصاعد المتدرج، من لقاء اقتصادي إلى زيارة وزارية إلى حوار استراتيجي، يكشف أن المغرب انتقل في نظر الألمان من موقع البلد المتلقي للاستثمار إلى موقع الشريك الذي يُفاوَض معه بمنطق الندية.
لماذا يهم المغرب ألمانيا في هذه المرحلة بالذات؟
تملك ألمانيا قاعدة صناعية ثقيلة تعتمد على التصدير، لكنها تواجه ضغوطا متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة وتباطؤ بعض الأسواق والمنافسة الشرسة في قطاع السيارات الكهربائية، خصوصا من الشركات الصينية. لذلك أصبح تقريب جزء من الإنتاج من السوق الأوروبية جزءا من النقاش الاقتصادي الداخلي في برلين. وفي هذا السياق، يمثل المغرب خيارا عمليا لعدة أسباب مجتمعة، أبرزها قربه الجغرافي من الموانئ والأسواق الأوروبية، ووجود قاعدة صناعية مغربية ناضجة نسبيا في السيارات والأسلاك الكهربائية ومكونات الطيران، إضافة إلى الطموح المغربي الواضح في الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر.
الأرقام تدعم هذا التوجه. فبحسب تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، قفزت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو المغرب بنسبة تناهز 91 في المائة سنة 2025، لتصل إلى نحو 3.3 مليار دولار، وهو ما وضع المملكة في المرتبة الثانية على مستوى شمال إفريقيا. جزء من هذا الزخم تحمله اليوم مجموعات ألمانية معروفة، من ليوني LEONI الناشطة في الأسلاك الكهربائية للسيارات، إلى داخسر Dachser التي أعلنت بناء موقع لوجستي جديد بمساحة 75 ألف متر مربع في مدينة طنجة أوتوموتيف سيتي، مرورا بشركة SFC Automotive التي دشنت في ماي 2026 وحدة إنتاج جديدة في منطقة طنجة المتوسط باستثمار يقارب 28 مليون أورو، ترافقها مذكرة تفاهم مع المجموعة الألمانية موتاريس Mutares تهم فتح الباب أمام أكثر من أربعين شركة تابعة لها لدخول السوق المغربية.
لكن اهتمام ألمانيا لا ينبغي أن يُفهم كانتقال شامل لمصانعها نحو المغرب. فالشركات الألمانية تتحرك بحذر مدروس، وتدرس الكلمة والبنية التحتية ومستوى تأهيل اليد العاملة قبل اتخاذ القرار، بخلاف بعض الشركات الفرنسية التي وجدت في المغرب منذ عقود قاعدة جاهزة لإنتاج سيارات موجهة نحو أوروبا وإفريقيا.
الهيدروجين الأخضر: الملف الذي يقرب الرباط من برلين
إذا كان قطاع السيارات يمثل الوجه التقليدي للتعاون الصناعي، فإن الهيدروجين الأخضر بات الملف الذي يمنح العلاقة المغربية الألمانية بعدا استراتيجيا جديدا. فألمانيا تبحث عن مصادر طاقة منخفضة الكربون لتعويض اعتمادها السابق على الغاز الروسي، ووجدت في المغرب شريكا طبيعيا بفضل موارده الشمسية والريحية الاستثنائية وقربه من السوق الأوروبية.
على الأرض، يتقدم مشروع منصة “جرف الهيدروجين” التابع لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، والذي يستهدف إنتاج 100 ألف طن من الأمونيا الخضراء سنويا بحلول نهاية 2026، بدعم مالي ألماني عبر بنك التنمية الألماني KfW في إطار صندوقه المخصص لتحويل الطاقة إلى منتجات (PtX). وفي موازاة ذلك، يتقدم مشروع تجريبي آخر بمنطقة كلميم واد نون بقيادة الوكالة المغربية للطاقة المستدامة (مازن)، بتمويل ألماني يقارب 300 مليون أورو بين قروض وإعانات، ويستهدف إنتاج 10 آلاف طن من الهيدروجين الأخضر سنويا انطلاقا من محطة هجينة شمسية وريحية بقدرة 200 ميغاواط.
هذه المشاريع ليست مجرد أرقام تقنية، بل تحمل رسالة سياسية أيضا. فمسؤول ألماني رفيع في وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية وصف المغرب بأنه الشريك الرئيسي لبلاده في مجال الهيدروجين على القارة الإفريقية، مؤكدا أن هناك اهتماما متزايدا من فاعلين خواص ألمان بالاستثمار في هذا القطاع، إلى جانب حضور حكومي مرافق لهذه الدينامية. هذا النوع من التصريحات يوضح أن برلين لا تنظر إلى الهيدروجين المغربي كمجرد مصدر طاقة رخيص، بل كركيزة في استراتيجيتها الخاصة لأمن الطاقة على المدى الطويل.
السيارات الكهربائية تعيد توزيع أوراق المنافسة
إذا كانت صناعة السيارات التقليدية قد منحت فرنسا وإسبانيا حضورا قويا داخل المنظومة الصناعية المغربية، فإن التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية يعيد خلط الأوراق من جديد. البطاريات والكوبالت والنيكل والمواد الكاثودية وإعادة التدوير كلها عناصر حاسمة في صناعة لم تعد تشبه صناعة السيارات التي عرفها العالم خلال العقود الماضية.
والملاحظ أن الصين هي من تتقدم اليوم بخطى سريعة في هذا الملف بالذات داخل المغرب, عبر مشاريع ضخمة مثل مجموعة BTR الصينية لمواد بطاريات السيارات الكهربائية بمدينة محمد السادس طنجة تيك, بطاقة إنتاجية تصل إلى 50 ألف طن سنويا, إضافة إلى استثمارات شركتي Hailang وShinzoom في مكونات النحاس ومواد الأنودات. أمام هذا التسارع الصيني، تبدو ألمانيا أكثر حذرا وأبطأ إيقاعا، رغم أن حضورها التاريخي في هندسة السيارات ومكوناتها الدقيقة، عبر أسماء مثل ZF Friedrichshafen التي استقرت في طنجة أوتوموتيف سيتي، يمنحها ورقة تفاوضية مختلفة عن الورقة الصينية القائمة أساسا على السرعة والتمويل.
المكسب الحقيقي بالنسبة إلى المغرب لن يتحقق بمجرد استقبال مصنع ضخم هنا أو هناك، بل عندما تصبح المقاولات المغربية جزءا فعليا من سلسلة الإنتاج، وعندما يحصل الشباب المغربي على تكوين متقدم في الكيمياء الصناعية والإلكترونيات والبرمجيات المدمجة. وهنا بالذات يمكن أن تصبح ألمانيا شريكا مختلفا عن الصين، بحكم خبرتها الواسعة في التكوين التقني المزدوج الذي يربط المقاولات بمؤسسات التعليم والتدريب.
خريطة المنافسين: المغرب لا ينتظر شريكا واحدا
الواقع أن ألمانيا لا تدخل إلى فراغ. فرنسا ما زالت طرفا مركزيا في الاقتصاد المغربي، خصوصا في السيارات والخدمات والبنوك. إسبانيا شريك تجاري بارز بحكم القرب الجغرافي وكثافة المبادلات. أما الصين فقد عززت حضورها بقوة في السنوات الأخيرة عبر مشاريع صناعية وتكنولوجية مرتبطة بالبطاريات. وهذا التعدد لا يمثل مشكلة في حد ذاته، بل بالعكس، كلما تعددت الخيارات ارتفعت قدرة الرباط على التفاوض وتحسين شروط كل استثمار.
| الشريك | نقاط القوة في السوق المغربيك | التحدي* الرئيسي أمام المغرب |
|---|---|---|
| ألمانيا | التكنولوجيا الصناعية، التكوين التقني المزدوج، الهيدروجين الأخضر | تحويل الزيارات والمذكرات إلى مشاريع إنتاجية ملموسة |
| فرنسا | حضور تاريخي راسخ في السيارات والبنوك والخدمات | تفادي تركز الاستثمار في قطاعات أو جهات محدودة |
| الصين | البطاريات، سرعة تنفيذ المشاريع، التمويل الصناعي | ضمان نقل التكنولوجيا وتطوير موردين محليين حقيقيين |
| إسبانيا | القرب اللوجستي، كثافة المبادلات التجارية | الانتقال من التبادل التقليدي إلى مشاريع أعلى قيمة |
المهم بالنسبة إلى المغرب ليس البحث عن “أفضل” شريك بشكل مطلق، بل بناء معادلة تجعل الشركاء يتنافسون فيما بينهم لتقديم عروض أفضل للمملكة، عوض أن يتنافس المغرب نفسه لتقديم أكبر قدر من الامتيازات لهم.
الصحراء حاضرة في خلفية الحسابات الاقتصادية
لا يمكن فصل النقاش الاقتصادي المغربي الألماني عن السياق السياسي المرتبط بالصحراء المغربية، خصوصا حين يتعلق الأمر بمشاريع الطاقة والبنية التحتية في الأقاليم الجنوبية. الموقف الألماني ظل لسنوات أكثر تحفظا مقارنة بمواقف دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا التي عبرت عن دعم أوضح للمبادرة المغربية للحكم الذاتي. غير أن الأشهر الأخيرة من 2026 حملت إشارات لتقارب أوسع، إذ رحبت برلين رسميا بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، ودعمت جهود المبعوث الأممي في البحث عن حل سياسي عادل ودائم يستند إلى هذا القرار.
بالنسبة للمغرب، لا يقتصر الرهان على انتزاع مواقف سياسية معلنة، بل يتعلق أيضا بتحويل الأقاليم الجنوبية إلى فضاء اقتصادي قابل للاستثمار الفعلي في الطاقة والصيد البحري واللوجستيك. فكل مشروع منتج ومندمج في الاقتصاد الوطني يمنح تلك المناطق وزنا اقتصاديا إضافيا يصعب تجاهله دبلوماسيا، بغض النظر عن سرعة تطور المواقف الرسمية لكل دولة.
هل يتحول المغرب إلى “مصنع أوروبا الجديد”؟
التشبيه المتكرر بين المغرب والمكسيك، باعتبارهما قاعدتين صناعيتين قريبتين من قوة اقتصادية كبرى، يحمل جزءا من الحقيقة لكنه لا يخلو من مبالغة. المكسيك ترتبط بسوق أمريكية ضخمة ومترابطة جدا، بينما يتعامل المغرب مع سوق أوروبية متعددة القوانين واللغات والمصالح الصناعية، وسط منافسة تشمل دولا أخرى في شرق أوروبا وتركيا تسعى هي الأخرى إلى استقطاب المصانع نفسها.
لذلك لا يكفي أن يكتفي المغرب بدور “مصنع أوروبا”. فهذا الوصف قد يخفي خطرا حقيقيا إذا اقتصر الأمر على أدوار منخفضة القيمة، يتم فيها التجميع محليا بينما تبقى التكنولوجيا والقرارات الكبرى في الخارج. الطموح الأكثر فائدة هو أن يتحول المغرب إلى مركز صناعي متوسطي وإفريقي، قادر على الإنتاج والتصدير والابتكار في آن واحد. المرحلة المقبلة ستُقاس بقدرة المملكة على رفع نسبة الإدماج المحلي في الصناعة، وحماية مواردها المائية والطاقية، وربط كل استثمار أجنبي بمصلحة الاقتصاد الوطني أولا.
ألمانيا يمكن أن تكون جزءا مهما من هذه المعادلة، خصوصا بخبرتها في التكوين التقني ونقل المعرفة، لكنها ليست الحل الوحيد ولا الشريك الأخير على القائمة. فهل ستنجح الرباط في تحويل هذا التزاحم الدولي على أراضيها إلى فرصة لبناء صناعة وطنية أكثر استقلالية وقدرة على الابتكار، أم سيبقى المغرب محطة عبور في سلاسل قيمة يقودها آخرون؟

أضف تعليقاً