الأربعاء، 22 يوليوز 2026

حركة الريد بيل بالمغرب: من يبيع وهم الرجولة للشباب؟

من فيلم ماتريكس إلى قنوات تيليغرام المدفوعة: كيف وصل خطاب الريد بيل إلى الشباب المغربي، وما الذي يصح فيه وما يسقط، وماذا يقول تراثنا عن الرجولة الحقيقية؟

شاب مغربي يتصفح هاتفه ليلاً في غرفة مظلمة في إشارة لتأثير محتوى الريد بيل على الشباب

افتح تيك توك أو يوتيوب من أي هاتف شاب مغربي اليوم، ولن تحتاج أكثر من دقائق قبل أن تصادف الخطاب نفسه: رجل واثق أمام الكاميرا يشرح “الطبيعة الحقيقية للمرأة”، ويعد المراهقين بأن يحوّلهم إلى “ذكور ألفا”، وينهي الفيديو بدعوة للانضمام إلى قناة تيليغرام مدفوعة. هذا هو “الريد بيل”، الحركة الفكرية التي وُلدت في الغرب من رحم أزمة العلاقات بين الجنسين، وعبرت المتوسط لتجد في شبابنا سوقاً جديدة. والسؤال الذي يستحق النقاش ليس “هل هذه الأفكار صحيحة أم خاطئة” فقط، بل سؤال أعمق: لماذا يستورد شباب مجتمع له تراث كامل في تعريف الرجولة مفهوماً للرجولة صُنع في سياق ليس سياقه، ويُباع له غالباً كسلعة؟

من فيلم ماتريكس إلى سوق المؤثرين

المصطلح نفسه مستعار من فيلم “ماتريكس” الشهير: الحبة الزرقاء تعني البقاء في الوهم المريح، والحمراء تعني رؤية الواقع كما هو. وظّف الكاتب الأمريكي المعروف بالاسم المستعار رولو توماسي هذه الاستعارة ليقول إن الرجل المعاصر يعيش وهماً صنعته الحداثة والتيارات النسوية حول أدوار الجنسين، وإن “الاستيقاظ” يعني العودة إلى قراءة بيولوجية وتطورية للعلاقات: الرجل يبحث غريزياً عن الشباب والخصوبة، والمرأة تبحث عن المكانة والموارد، والجميع يتنافس في ما تسميه الحركة “سوق القيمة الجنسية”.

من هذه النواة الفكرية تفرعت تيارات متباينة يجمعها الشعور بأن الرجولة مهددة، وتفرقها الاستنتاجات:

التيارالفكرة المركزيةدرجة الخطورة
نشطاء حقوق الرجالالرجل ضحية القوانين، خاصة في الطلاق والحضانةنقاش قانوني مشروع في جوهره
تيار العزوبية الاختياريةالزواج صفقة خاسرة للرجل، فليركز على ذاتهفردانية مقنّعة
فضاء الكوتشينغ والمؤثرين“سأعلمك تصبح ألفا” مقابل اشتراك شهرياستغلال تجاري للمراهقين
الإنسيلز (العزّاب القسريون)المجتمع والنساء سبب حرماني، والحقد هو الجوابالأخطر: ارتبط عالمياً بحوادث عنف فعلية

والوجه التجاري للظاهرة يجسده نموذج أندرو تيت، المؤثر الأشهر في هذا الفضاء، المتابَع قضائياً في رومانيا منذ 2023 بتهم ثقيلة تشمل الاغتصاب والاتجار بالبشر وتكوين عصابة إجرامية، وهي تهم لم يصدر فيها حكم نهائي بعد، إذ رفعت محكمة رومانية في أبريل 2026 تدابير المراقبة القضائية عنه فيما يستمر التحقيق، وتنتظره متابعات أخرى في بريطانيا. المفارقة صارخة: ملايين المراهقين، وبينهم مغاربة، يتلقون دروساً في “الرجولة” من رجل تدور حوله اتهامات جوهرها استغلال النساء.

ما الذي يصح في الخطاب، وما الذي يسقط؟

الإنصاف الفكري يقتضي الاعتراف بأن نجاح هذا الخطاب لم يأت من فراغ. فبعض ملاحظاته تلامس أوجاعاً حقيقية: أزمة معنى لدى جيل كامل من الشباب الذكور، وشعور بالتيه أمام تحولات متسارعة في الأدوار الاجتماعية، وخطابات متطرفة مقابلة تجعل من الرجل خصماً بالتعريف، وواقع اقتصادي يجعل شروط الزواج وتأسيس أسرة أثقل من أي وقت مضى. من يتجاهل هذه الأوجاع يترك الباب مفتوحاً لمن يستثمر فيها.

لكن البناء الذي يُشيَّد فوق هذه الملاحظات هش من ثلاث جهات. أولاً، القراءة البيولوجية للعلاقات، حتى بافتراض صحة أجزاء منها، تُقدَّم مبتورة من نصفها الآخر: الإنسان كائن ثقافي وروحي قادر على تجاوز غرائزه، وإلا لما كان للصيام ولا للتهذيب الأخلاقي معنى في كل الحضارات. ثانياً، الحركة التي تدعي محاربة الحداثة الاستهلاكية تشتغل هي نفسها بمنطق السوق الخالص: فيديوهات مجانية كطُعم، ثم كوتشينغ مدفوع، ثم اشتراكات، والضحية الأولى مراهق هش الثقة يؤدي ثمن وهم التحول إلى “ألفا”. فالرأسمالية، كما يلاحظ نقاد الحركة، عبقرية في ابتلاع خصومها وتحويلهم إلى منتجات. ثالثاً، وهنا بيت القصيد بالنسبة لنا، الغاية النهائية لهذا الخطاب تدور حول المرأة إغواءً وتحكماً، بينما تدور مفاهيم الرجولة في التراث الإنساني العريق حول شيء آخر تماماً.

ما نسيناه نحن: المروءة والفتوة قبل “الألفا” و”البيتا”

في الموروث الروماني، كانت الرجولة (virtus) منظومة أخلاق: ضبط الانفعالات، الوفاء بالكلمة، التضحية من أجل الجماعة. وفي موروثنا الإسلامي والمغاربي بالذات، صيغت الرجولة في مفهومين لا علاقة لهما بالعضلات ولا بعدد العلاقات: المروءة، وهي اكتمال الخلق من صدق الكلمة ونصرة المظلوم وضبط النفس، والفتوة التي ازدهرت في المشرق ومصر وجعلت من النبل في المواجهة نفسها معياراً. والأدهى أن هذا التراث لا يحصر “الرجولة” في الذكور أصلاً، فقد وُصفت نساء في تراثنا بأنهن “رجلة” بمعنى الجدية وقوة الشخصية، لأن المعيار كان القيم لا العضو التناسلي. جوهر هذه المنظومة كلها: عدوك الأول نفسك، والمعركة الأولى داخلية، وغض البصر خطاب موجه لصاحب العين لا أمر بإخفاء الآخرين.

قارن هذا بمنطق “سوق القيمة الجنسية” حيث المعركة خارجية دائماً والخصم هو الجنس الآخر، تدرك حجم الانحدار في الاستيراد: تركنا فلسفة كاملة في بناء الذات، واستوردنا دليل مستخدم للإغواء.

وقفة صدق: أعرافنا ليست بريئة أيضاً

لكن الحديث عن الأصالة يفرض صدقاً موازياً، فليس كل موروثنا نوراً. ففي أعرافنا، لا في ديننا، ترسخت أفكار كارثية تستحق التفكيك بنفس الصرامة: ربط شرف الرجل بأجساد نساء عائلته بدل سلوكه هو، والتمييز الصارخ في الحكم على الخطأ نفسه بين الابن والابنة، وتنشئة الذكر على أن له قيمة لمجرد كونه ذكراً بينما تُسخَّر أخواته لخدمته، وصولاً إلى مآسٍ حقيقية ارتُكبت باسم “الشرف” في مجتمعات عدة من منطقتنا إلى جنوب آسيا. هذه الأعراف تتناقض مع المبدأ القرآني الصريح في المسؤولية الفردية “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، ومع سيرة نبوية لم تعرف عقدة الرجل من ماضي زوجته ولا اعتبرت البكاء نقصاً في الرجولة. التمييز بين الدين والعرف هنا ليس ترفاً فكرياً، بل شرط أي نقاش سليم، والمرجعية الدينية الرسمية في المغرب تبقى للمؤسسات العلمية المؤهلة لا لمؤثري المنصات، من أي اتجاه جاؤوا.

معركة تربوية قبل أن تكون فكرية

الرهان الحقيقي في المغرب ليس “الرد على الريد بيل” بمقالات، بل سد الفراغ الذي يتغذى عليه. مراهق لا يجد في المدرسة ولا البيت ولا المسجد ولا الإعلام العمومي خطاباً مقنعاً عن معنى أن تكون رجلاً، سيجده عند خوارزمية تعرف هشاشته أفضل من أبويه. والدراسات السوسيولوجية العربية التي بدأت ترصد “المجتمع الذكوري الرقمي” تشير إلى أن الجاذبية ليست في قوة الأفكار بل في بساطتها: عدو واضح، وصفة جاهزة، وشعور فوري بالانتماء. مواجهة ذلك تحتاج بدائل بنفس البساطة وبمضمون أنبل: إحياء مفاهيم المروءة والفتوة بلغة العصر، وتربية عاطفية حقيقية للجنسين معاً، ونماذج رجولة مغربية ملهمة تُبرز في الفضاء العمومي، وحس نقدي يُلقَّن في المدرسة تجاه كل من يبيع اليقين الجاهز، “ريد بيل” كان أو نقيضه المتطرف.

يبقى أن أجمل ما في تراثنا كلمة تلخص المطلوب: الفراسة، تلك القدرة على فرز الطيب من الخبيث في الناس وفي الأفكار، والتي لا تُشترى باشتراك شهري في قناة تيليغرام، بل تُبنى بعمل طويل وصبور على النفس.

فما رأيكم: هل يجد الشاب المغربي اليوم في محيطه القريب، أسرة ومدرسة وإعلاماً، خطاباً مقنعاً عن معنى الرجولة، أم أننا تركنا هذه المهمة كلياً لخوارزميات المنصات؟ شاركونا وجهات نظركم في التعليقات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *