في الوقت الذي تجاوزت فيه أونصة الذهب عالمياً عتبة 4000 دولار، مسجلة مستويات لم يعرفها التاريخ، فتح مجلس المنافسة ورشاً كان المغاربة ينتظرونه منذ سنوات: دراسة شاملة لسوق الذهب بالمملكة، بالاستماع إلى المهنيين وفحص آليات اشتغال قطاع ظل يشتغل بقواعد يعرفها أهله ويجهلها زبناؤه. فقد شرع المجلس في عقد سلسلة لقاءات مع الفاعلين، واستقبل يوم 16 يوليوز 2026 الفيدرالية المغربية للصائغين التي طالبت بدورها بدراسة معمقة حول طرق اشتغال القطاع وفوارق الأسعار. وحين يطالب المهنيون أنفسهم بفتح التحقيق، فاعلم أن الاختلالات تجاوزت حدود الصمت المهني المعتاد.
القصة هنا أكبر من تقلبات الأسعار. إنها قصة سوق يلتقي فيه أغلى ما يدخره المغاربة، ذهب الأعراس والمناسبات وضمانة الأيام الصعبة، مع واحدة من أضعف درجات الشفافية في التجارة الوطنية.
من هو هذا الحكم الذي دخل الملعب؟
قبل التفاصيل، توضيح ضروري لمن يسمع اسم مجلس المنافسة دون أن يعرف صلاحياته. المجلس مؤسسة دستورية مستقلة، لا تخضع للحكومة ولا للأحزاب، يستند عملها إلى القانون 20.13 المنظم للمجلس والقانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة. مهمته مكافحة الاحتكار والاتفاقات السرية بين الفاعلين، ومراقبة عمليات الاندماج الكبرى، وفرض غرامات على المخالفين، وإصدار آراء استشارية للحكومة والبرلمان. وقد راكم المجلس قرارات مهمة في قطاعات عدة، وإن كانت مصداقيته لدى جزء من الرأي العام قد تعرضت للاهتزاز بسبب ملف المحروقات، حيث يرى منتقدون أن تدخله لم يغير شيئاً ملموساً في فاتورة المواطن، وهو نقاش ما زال مفتوحاً إلى اليوم. ملف الذهب، بهذا المعنى، اختبار جديد لقدرة المؤسسة على تحويل الدراسات إلى أثر فعلي.
وجعان في سوق واحدة: الغش والغموض
الاستماع إلى المتضررين والمهنيين النزهاء يكشف أن أزمة الثقة في سوق الذهب تقف على رجلين.
الرجل الأولى هي الغش في العيار، وهي الأخطر لأنها تمس جوهر المنتوج: قطع تباع على أساس عيار 18 وهي في حقيقتها عيار 14 أو أقل، ومجوهرات مطلية تُسوَّق كذهب خالص، وحيل تقنية معروفة لدى أهل المهنة كسلاسل يُصنع طرفها الظاهر من عيار جيد فيما باقيها نحاس مموه. وقد تناقلت المنصات خلال الفترة الأخيرة قضايا بيع مجوهرات مطلية لعشرات الضحايا على أنها ذهب حقيقي. الإنصاف يقتضي التأكيد أن هذه الممارسات تخص فئة دخيلة على مهنة عريقة أغلب أهلها ورثوها أباً عن جد ويمارسونها بشرف، بل إن الصياغ النزهاء هم أول المتضررين من تشويه سمعة قطاعهم، وأول المطالبين بالتطهير.
الرجل الثانية هي غموض التسعير، وهنا الوجع الأوسع انتشاراً لأنه يمس كل مشترٍ وبائع. فالمواطن يواجه ثلاث فجوات لا يراها: فجوة بين السعر العالمي والسعر المعروض عليه، وفجوة هوامش تتفاوت من محل لآخر بشكل كبير، ثم الفجوة الأقسى، فجوة إعادة البيع: السيدة التي اشترت غراماً بأثمنة مرتفعة قد تفاجأ حين تبيع بأن المعروض عليها أقل بمئات الدراهم للغرام، فارق يتحول مع الأوزان الكبيرة إلى آلاف الدراهم تتبخر من مدخرات الأسر.
كيف تعرف الثمن العادل؟ دليل عملي بالأرقام
الحماية تبدأ بالمعرفة، وهذه قواعد حسابية بسيطة تعيد التوازن للعلاقة بين المواطن والسوق، على أساس المعطيات الجارية في يوليوز 2026 حيث يحوم سعر غرام الذهب الخام حول 950 درهماً وعيار 18 حول 920 درهماً للغرام كمرجع خام:
| العيار | نسبة النقاء | القاعدة العملية |
|---|---|---|
| 24 | 99.9% | السعر المرجعي العالمي محولاً للدرهم، وهو أساس كل حساب |
| 21 | 87.5% | سعر العيار 24 × 0.875 + هامش الصياغة |
| 18 | 75% | سعر العيار 24 × 0.75 + هامش الصياغة |
| 14 | 58.5% | يُباع أحياناً بأثمنة قريبة من 18: انتبه جيداً |
مع ثلاث ملاحظات جوهرية. أولاً، السعر المعروض في المواقع العالمية هو سعر الخام، ويضاف إليه في المغرب واقعياً كلفة الدمغة الجبائية واليد العاملة وهامش الصائغ، فزيادة معقولة أمر طبيعي ومشروع، أما الفوارق التي تبلغ 30 و40 في المائة فوق المرجع فمجال للتفاوض أو للانصراف. ثانياً، تأكد من وجود الدمغة الرسمية (البوانصون) على كل قطعة، فهي الضمانة القانونية للعيار في المغرب، ومع ذلك لا تكتفِ بها عند الشراء بمبالغ كبيرة: أجهزة الفحص الإلكتروني (السكانير) متوفرة لدى المختبرات وعدد من المحلات المحترمة، وفحص قطعة يكلف دراهم معدودة وقد يوفر عليك آلافها. ثالثاً، من يشتري الذهب للادخار فليقارن دائماً بين ثمن الشراء المعروض وثمن إعادة البيع في نفس المحل قبل أي التزام، فذلك “السبريد” هو المؤشر الحقيقي على جدية التعامل.
الذهب كملاذ ادخاري: حماسة تحتاج إلى عقل بارد
ارتفاع الأسعار العالمية أطلق حمى شراء لدى فئات واسعة ترى في الذهب ملاذاً آمناً، وهو تاريخياً كذلك فعلاً. لكن قواعد الادخار الذكي تفرض التذكير بحقائق يتجاهلها الحماس: من يشتري اليوم في قمة تاريخية بهامش صائغ مرتفع فوق سعر مرجعي متقلب، قد يجد نفسه خاسراً مرتين إذا تراجع المعدن عالمياً، مرة بسبب النزول ومرة بسبب الهامش الذي أداه عند الشراء ولن يسترده عند البيع. القاعدة الذهبية للمدخر الصغير: اشترِ قريباً من السعر المرجعي قدر الإمكان، وفضّل القطع البسيطة القريبة من الخام على الموديلات المثقلة بكلفة صياغة لن يحتسبها لك أحد عند إعادة البيع، ولا تضع في الذهب مالاً قد تحتاجه على المدى القصير. أما العروض البنكية الناشئة للاستثمار في الذهب، فالتمييز واجب بين امتلاك فعلي لذهب مادي محفوظ وبين منتجات مالية مشتقة لا تملك فيها المعدن نفسه، ولكل صيغة أحكامها وقواعدها ومخاطرها.
ما المنتظر من دراسة مجلس المنافسة؟
واقعياً، لا يملك المجلس عصا سحرية، فجزء من تقلبات الأسعار قادم من الأسواق العالمية ولا سلطة لأحد عليه. لكن هامش الفعل الوطني حقيقي وواسع: تشخيص بنية السوق وتحديد ما إذا كانت هناك ممارسات احتكارية في تسويق المعدن الخام تضخم الأثمنة الداخلية، ودفع القطاع نحو شفافية التسعير عبر إلزام المحلات بإشهار الأسعار المرجعية للعيارات كما هو معمول به في أسواق مجاورة، وتشديد المراقبة على العيارات بالتنسيق مع المصالح المختصة، ثم تنظيم مهنة دخلها في السنوات الأخيرة وافدون لا علاقة لهم بأعرافها، بشهادة أهل المهنة أنفسهم الذين رفعوا مطالبهم للمجلس. فإذا خرجت الدراسة بتوصيات ملزمة في هذه الاتجاهات، فسيكون ملف الذهب فرصة المجلس لاستعادة ثقة اهتزت في ملفات سابقة.
في العمق، سوق الذهب مرآة لعلاقة المغاربة بالادخار وبالثقة معاً. فالمعدن الأصفر ليس سلعة عادية في ثقافتنا، بل هو “ضمانة العمر” التي تجمعها الأمهات غراماً بغرام لأيام الشدة. وحين تهتز الثقة في سوق بهذه الحمولة الاجتماعية، فالخسارة تتجاوز جيوب الأفراد إلى شيء أثمن: اطمئنان الناس إلى أن تعبهم محفوظ. استعادة هذا الاطمئنان مسؤولية مثلثة: مؤسسات تراقب بجدية، ومهنيون يطهرون بيتهم الداخلي، ومواطن يسلّح نفسه بالمعرفة قبل أن يمد يده إلى جيبه.
فما رأيكم: هل سبق أن اكتشفتم فارقاً صادماً بين ثمن شراء ذهبكم وثمن إعادة بيعه، وهل تثقون في أن دراسة مجلس المنافسة ستغير شيئاً في هذه السوق؟ شاركونا تجاربكم في التعليقات.

Leave a Reply