موظف في بداية مساره المهني، أجرته 6000 درهم، قرر البحث عن شقة في الرباط، المدينة التي وُلد وكبر فيها. بعد ثلاثة أشهر من الزيارات والمكالمات، وجد نفسه يوقع وعداً بالبيع في تامسنا، على بعد أكثر من عشرين كيلومتراً من العاصمة. قصته ليست استثناء، بل صارت القاعدة. فالرباط التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى مدينة أجمل وأرقى، بشوارع أعيد ترصيفها وضفاف أعيد تهيئتها ومشاريع كبرى غيرت وجهها، صارت في المقابل مدينة يتعذر على الطبقة المتوسطة أن تسكنها، فما بالك بالفئات الهشة.
المفارقة موجعة: كلما ازدادت المدينة جمالاً، ازدادت أثماناً، وابتعد أبناؤها عنها كيلومترات إضافية.
أرقام خرجت عن كل منطق
في أحياء مثل حسان وأكدال والرياض والمحيط، لم تعد أسعار المتر المربع تخضع لأي منطق مرتبط بالقدرة الشرائية المحلية، إذ تتجاوز في مواقع عديدة عتبات كانت قبل عقد من الزمن حكراً على العقارات الاستثنائية. وحتى المدن التي لعبت تاريخياً دور “الحاضنة” لمن ضاقت بهم العاصمة، وعلى رأسها تمارة، دخلت بدورها نادي الغلاء: متتبعو السوق يتحدثون عن أثمنة تجاوزت حاجز 12 ألفاً و13 ألف درهم للمتر في مناطق كانت توصف بالشعبية. النتيجة أن دائرة البحث اتسعت أكثر فأكثر: عين عتيق، عين عودة، الصخيرات، ثم تامسنا وبوزنيقة، أي الخروج عملياً من مجال جهة بأكملها بحثاً عن سقف بثمن معقول.
والمثير أن هذا الغلاء يستمر في سياق سوق متباطئة. فالمؤشرات الرسمية لبنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية سجلت خلال الفترة الأخيرة تراجعاً ملموساً في عدد المعاملات العقارية وطنياً، بالموازاة مع ارتفاع متواصل للأسعار في الرباط بنسب فاقت 4 في المائة سنوياً. سوق تبيع أقل وبأثمنة أعلى: معادلة لا تستقيم إلا حين يكون الخلل بنيوياً وليس ظرفياً.
وهم “مواد البناء”: الأسباب الحقيقية أعمق
يسارع كثيرون إلى تفسير الغلاء بارتفاع كلفة مواد البناء واليد العاملة. صحيح أن هذه الكلفة ارتفعت فعلاً خلال السنوات الماضية، لكنها لا تفسر وحدها القفزات المهولة، خصوصاً أن الغلاء يتفاوت بشكل صارخ من مدينة إلى أخرى ومن حي إلى آخر داخل المدينة الواحدة. الأسباب العميقة ثلاثة على الأقل.
أولها ندرة الوعاء العقاري في الرباط تحديداً: المدار الحضري للعاصمة مغلق جغرافياً، لم تعد فيه مساحات كافية تُخصص للسكن المتوسط والاقتصادي، فتوجه ما تبقى من أراضٍ نحو البناء الفاخر ذي الهامش الأعلى. وثانيها تحول السكن إلى منتوج استثماري: شريحة واسعة من الشقق في الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة تُقتنى اليوم لا للسكن بل للكراء اليومي عبر المنصات الدولية والوطنية، في نشاط ما زال في معظمه غير مقنن وغير خاضع لإطار ضريبي واضح، يحول مساكن مخصصة أصلاً للسكن المدني إلى وحدات فندقية موازية، ويسحب آلاف الشقق من سوق البيع والكراء الطويل الأمد. وثالثها ظاهرة “النوار”: الفارق غير المصرح به بين الثمن المعلن في العقد والثمن المؤدى فعلياً، الذي قد يصل في بعض المعاملات إلى عشرات بل مئات الآلاف من الدراهم، يؤديها المشتري من جيبه دون أثر قانوني، فترتفع الكلفة الحقيقية للعقار بينما تبقى الأرقام الرسمية أقل من الواقع.
يلخص وسيط عقاري يشتغل بين الرباط وتمارة، فضل عدم ذكر اسمه، الوضع بعبارة قاسية: “الزبون اللي عندو ما بين 70 و90 مليون سنتيم، وهي ميزانية محترمة، ما بقى عندو ما يشري فالرباط. كنوجهوه نيشان لعين عودة ولا تامسنا. العاصمة ولات للي عندو الكاش الكبير ولا للمستثمر”.
الدعم المباشر للسكن: منحة تبحث عن عقار
منذ يناير 2024، تعتمد الدولة برنامج الدعم المباشر للسكن الذي يمنح إعانة مالية للمقتنين لأول مرة:
| ثمن السكن (مع احتساب الرسوم) | مبلغ الدعم |
|---|---|
| 300 ألف درهم أو أقل | 100 ألف درهم |
| بين 300 ألف و700 ألف درهم | 70 ألف درهم |
البرنامج خطوة إيجابية بلا جدال، وقد استفادت منه عشرات الآلاف من الأسر وطنياً، بل شملته تعديلات جديدة في 2026 وسعت الاستفادة لتشمل حالات الملكية على الشياع. لكن سؤالاً جوهرياً يطرح نفسه في مدن الغلاء: أين هو العقار الذي يقل ثمنه عن 700 ألف درهم في الرباط أصلاً حتى نستفيد من الدعم؟ في مدينة صار المتر فيها يعد بعشرات الآلاف، تصبح المنحة نظرية بالنسبة لساكنتها، أو تتحول عملياً إلى تذكرة مغادرة نحو الضواحي البعيدة.
الأخطر من ذلك أن الدعم، في غياب مراقبة صارمة للأسعار وهوامش الربح، قد ينقلب إلى وقود إضافي للغلاء: حين يعلم المنعش العقاري أن المشتري سيتوصل بمائة ألف درهم من الدولة، لا شيء يمنعه من تضمينها مسبقاً في الثمن. عندها تنتقل الإعانة من جيب دافعي الضرائب إلى هامش ربح المنعش، ويبقى المواطن في نقطة البداية، بل يزيد على ذلك “نوار” غير مصرح به ورسوم تسجيل وتحفيظ تثقل الفاتورة النهائية.
القطار الإقليمي: حل واعد بشرط واحد
بما أن الرباط اختنقت عمرانياً، فإن التوسع نحو المدن المحيطة يبدو قدراً لا مفر منه. لكن نجاح هذا الخيار رهين بمعضلة النقل: من يسكن عين عودة أو تامسنا ويعمل بالعاصمة يدفع اليوم ثمن البعد وقتاً ومالاً وإرهاقاً يومياً. لذلك يعوّل المتتبعون كثيراً على مشاريع النقل الجماعي الكبرى، وفي مقدمتها القطار الإقليمي السريع (RER) الذي سيربط العاصمة بمحيطها، ضمن الدينامية الاستثنائية التي تعرفها البنيات التحتية المغربية في أفق مونديال 2030.
غير أن التجارب السابقة تفرض التواضع في التفاؤل: كل تحسن في البنية التحتية بالمغرب رافقه تاريخياً ارتفاع فوري وغير مبرر في أثمنة العقار المجاور. فإذا وصل القطار إلى تامسنا دون سياسة استباقية للتحكم في الأسعار، فستتحول تامسنا نفسها إلى رباط صغيرة غالية، وتُدفع الطبقة المتوسطة مرة أخرى نحو حلقة أبعد. وهنا يطرح الخبراء أدوات ظلت الدولة مترددة في استعمالها: التنطيق السعري (تحديد سقوف مرجعية للأثمنة حسب المناطق)، وتخصيص أوعية عقارية عمومية حصرياً للسكن المتوسط بدفاتر تحملات ملزمة، وتقنين الكراء اليومي وإخضاعه للضريبة، وتشديد الزجر على “النوار” الذي بدأ فعلاً حصاره في قوانين المالية الأخيرة عبر رسوم إضافية على الأداءات النقدية في العقار.
سؤال يتجاوز الحجر والإسمنت
في العمق، ملف السكن في المدن الكبرى ليس ملفاً عقارياً فحسب، بل ملف عدالة مجالية وسلم اجتماعي. مدينة تطرد موظفيها ومعلميها وممرضيها وشبابها نحو أطرافها، وتحتفظ في مركزها بالشقق المغلقة والاستثمارات السياحية، تبني على المدى البعيد اختلالاً أعمق من أي أزمة أسعار: شعوراً لدى فئات واسعة بأن مجهودها لا يكفي لتحصيل أبسط مقومات الاستقرار. والسكن، كما الغذاء، حاجة حيوية لا تحتمل أن تُترك كلياً لمنطق العرض والطلب.
فما رأيكم: هل تصدقون أن جيل اليوم من أصحاب الأجور المتوسطة سيتمكن يوماً من امتلاك سكن داخل الرباط أو الدار البيضاء، أم أن مدننا الكبرى تتحول بلا رجعة إلى مدن للأثرياء والمستثمرين فقط؟ شاركونا رأيكم وتجاربكم في التعليقات.

Leave a Reply