بمجرد أن أعلن وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن القانون الجنائي الجديد سيشدد عقوبات نشر الأخبار المهددة للنظام العام، انقسم المغاربة إلى فريقين لا ثالث لهما: من يرى فيه درعا يحمي المجتمع من فوضى الشائعات، ومن يقرأ فيه سيفا مسلطا على حرية التعبير. وبين هذين الموقفين، يكمن سؤال قانوني دقيق قد يحدد شكل النقاش العمومي في المغرب لسنوات مقبلة: كيف نحمي المجتمع من الكذب المنظم دون أن نخنق حق المواطن في قول الحقيقة؟
ما الذي أعلنه وزير العدل بالضبط
في جواب كتابي عن سؤال برلماني حول “المكافحة الجنائية للأخبار الزائفة”، كشف وهبي أن القانون الجنائي الجديد، الذي ينتظر الإحالة على البرلمان، يتضمن مادة خاصة بجريمة نشر الأخبار الزائفة أو تقاسمها أو ترويجها. المادة الجديدة تحدد الأركان المادية والمعنوية لهذه الجريمة، وتضع ظروف تشديد مرتبطة بها، خصوصا حين يتسبب الخبر الزائف في الإخلال بالنظام العام، أو إثارة الفزع بين الناس، أو المساس بالسير العادي للمؤسسات.
الوزير برر هذا التوجه بحجة عملية تبدو منطقية للوهلة الأولى: تجاوز الإكراهات الناجمة عن تعدد وتشتت النصوص القانونية المطبقة على الجرائم المرتكبة عبر التقنيات الحديثة، والتداخل بينها. بعبارة أخرى، الفكرة المعلنة هي توحيد المقتضيات المبعثرة في نص واضح، بدل ترك القاضي أمام فسيفساء من القوانين المتداخلة، من قانون الصحافة والنشر رقم 88.13، إلى القانون الجنائي، إلى النصوص المتعلقة بالجرائم المعلوماتية.
الإطار القانوني القائم قبل التعديل
من المهم أن نفهم أن تجريم الأخبار الزائفة ليس جديدا كليا في المنظومة المغربية. فالقانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر يجرم أصلا نشر الأخبار الزائفة عبر الوسائل السمعية البصرية والإلكترونية. وبحسب المعطيات المتداولة، فإن من يروّج عمدا لأخبار تعرض سلامة الدولة أو السلم العام أو الصحة العامة للخطر، يواجه عقوبات قد تصل إلى السجن من سنة إلى خمس سنوات وغرامات تناهز 200 ألف درهم.
المغرب أيضا منخرط في منظومة دولية لمكافحة الجريمة الإلكترونية، إذ صادق على اتفاقية بودابست لمكافحة الجرائم الإلكترونية سنة 2018، ثم وقّع بروتوكولها الإضافي الثاني سنة 2022، إضافة إلى الاتفاقية الأممية لمكافحة الجرائم السيبرانية الموقعة بهانوي في أكتوبر 2025. هذا يعني أن التوجه نحو تنظيم الفضاء الرقمي ليس خيارا معزولا، بل جزء من حركة تشريعية عالمية أوسع.
جوهر الإشكال: من يملك سلطة تعريف “الخبر الزائف”
هنا تكمن العقدة القانونية الحقيقية التي فجّرت الجدل. فالمشكلة ليست في مبدأ محاربة الكذب، الذي يتفق عليه الجميع، بل في المعايير التي ستحدد ما هو “خبر زائف” وما هو “تهديد للنظام العام”. فهذه المفاهيم، إن لم تُضبط بدقة متناهية، قد تتحول إلى مفاهيم مطاطة تُفسَّر حسب الظرف والجهة.
وقد عبّر القراء عن هذا القلق بوضوح لافت في تفاعلهم مع الخبر. أحدهم تساءل: “وكيف تعرف تهديد النظام يا سيدي الوزير؟ هذه لغة الأنظمة الاستبدادية”. وآخر ذهب إلى أن الأمر “محاولة أخرى لتكميم الأفواه تحت غطاء الأخبار الزائفة، بحيث إن أي خبر ليس في مصلحة أصحاب النفوذ سيعتبر خبرا زائفا”. وثالث طرح السؤال الأكثر حرجا: “وماذا إن كانت الأخبار صحيحة بالدليل والبرهان، هل سيتحرك القضاء أم سيتهم الناشر؟”.
هذه المخاوف ليست مجرد انفعال شعبي، بل تلامس إشكالا قانونيا معترفا به. فقد سبق لائتلافات حقوقية أن انتقدت متابعة صحفيين بالاستناد إلى القانون الجنائي بدل قانون الصحافة والنشر، معتبرة ذلك مساسا بحرية الصحافة واستقلالية العمل الإعلامي. والفرق جوهري: فقانون الصحافة لا يتضمن عقوبات سالبة للحرية في جرائم النشر، بينما القانون الجنائي يفتح الباب أمام السجن. وهنا يصبح السؤال: هل سيُستعمل قانون الأخبار الزائفة كطريق التفافي لمعاقبة الصحفيين بالحبس، متجاوزا الحماية التي كفلها لهم قانون الصحافة؟
جدول: أين يكمن التوازن الدقيق
| المبرر المعلن للقانون | القلق المقابل |
|---|---|
| حماية المجتمع من الشائعات المدمرة | خطر توسيع مفهوم “الخبر الزائف” ليشمل النقد |
| توحيد النصوص المتناثرة وتبسيطها | تغليب القانون الجنائي على قانون الصحافة |
| حماية السلم العام والصحة العامة | استعمال “النظام العام” كمفهوم فضفاض |
| مواكبة الجريمة الرقمية الحديثة | تكميم الأصوات الحرة على منصات التواصل |
التوقيت الذي يثير التساؤل
ما يزيد النقاش حساسية هو التوقيت. فالإعلان عن هذا التوجه يأتي، بحسب ما أوردته بعض المصادر، قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وهذا التزامن، وإن كان قد يُفسَّر بحسن نية كرغبة في حماية العملية الانتخابية من التضليل، إلا أنه يثير لدى المتشككين مخاوف من أن يتحول القانون إلى أداة لضبط النقاش السياسي في لحظة حساسة.
وقد لخّص أحد المعلقين هذا الشعور حين ربط بين هذا القانون وملفات أخرى عالقة، متسائلا عن مصير قانون الإثراء غير المشروع وقانون ربط المسؤولية بالمحاسبة، اللذين ينتظرهما المغاربة منذ سنوات. هذا الربط ليس اعتباطيا، بل يعكس إحساسا شعبيا بأن سرعة تشريع ما يقيّد المواطن تفوق سرعة تشريع ما يحاسب المسؤول، وهو إحساس ينبغي أن يؤخذ بجدية في أي إصلاح تشريعي يطمح إلى كسب ثقة الرأي العام.
يقول باحث مغربي في القانون الجنائي وحرية التعبير، فضل عدم الكشف عن اسمه نظرا لحساسية الموضوع، إن “العبرة لن تكون في عنوان القانون، بل في الصياغة الدقيقة لأركان الجريمة. فإذا اشترط النص توفر القصد الجنائي، أي نية التضليل والإضرار، وأثبت زيف الخبر بشكل موضوعي لا يترك مجالا للتأويل، فإنه يصبح أداة حماية مشروعة. أما إذا بقيت العبارات فضفاضة مثل الإخلال بالنظام العام دون تعريف دقيق، فإنه يتحول إلى سيف ذي حدين قد يطال الصحفي والمدون والمواطن العادي”.
لماذا يهم هذا كل مغربي وليس فقط الصحفيين
قد يظن البعض أن هذا القانون يخص فقط الصحفيين وأصحاب المنصات الكبيرة، لكن الحقيقة أنه يمس كل مغربي يملك هاتفا ذكيا. ففي زمن أصبح فيه كل مواطن ناشرا محتملا عبر مشاركة منشور أو إعادة تغريدة، فإن تعريف “الترويج للخبر الزائف” قد يطال أي شخص شارك خبرا دون أن يتحقق من صحته. وهنا يصبح الوضوح القانوني ليس ترفا، بل ضمانة أساسية حتى لا يجد مواطن عادي نفسه أمام القضاء لمجرد مشاركة منشور اعتقد أنه صحيح.
في المقابل، من الإنصاف الاعتراف بأن الفوضى المعلوماتية التي تعرفها منصات التواصل تشكل خطرا حقيقيا. فالشائعات التي تستهدف الأفراد، والأخبار الملفقة التي تثير الفزع، والتشهير الرقمي الذي يدمر سمعات وحيوات، كلها ظواهر تستدعي فعلا إطارا قانونيا يحمي المجتمع والأفراد. الدولة التي لا تحمي مواطنيها من التضليل المنظم تتخلى عن جزء من واجبها، تماما كما أن الدولة التي تستغل هذا المبرر لخنق النقد تنزلق نحو الاستبداد. التوازن بين الحدين هو جوهر التحدي.
يبقى السؤال المعلق الذي سيحدد مصير هذا القانون في نظر المغاربة: هل سينجح المشرع في صياغة نص يميز بوضوح لا يقبل التأويل بين الخبر الكاذب المضلل والرأي الناقد المزعج، أم أننا مقبلون على قانون يترك للسلطة التقديرية مساحة واسعة قد تتحول، مع الوقت، من حماية للمجتمع إلى قيد على حريته؟

أضف تعليقاً