الأربعاء، 22 يوليوز 2026

النصب العقاري بالمغرب 2026: كيف تشتري على التصميم دون أن تخسر أموالك؟

الدار الواحدة تُباع عدة مرات، وأموال تُدفع دون ضمانات. دليل عملي بالقانون لتجنب النصب العقاري عند الشراء على التصميم في المغرب، خطوة بخطوة.

بناية سكنية غير مكتملة على أرض عارية ترمز لمخاطر النصب العقاري والشراء على التصميم بالمغرب

رجل جمع أربعين مليون سنتيم من كدّه وكدّ عائلته، وسلّمها لمنعش عقاري ليقتني شقة على التصميم، قبل أن يكتشف بعد سنوات أن الأرض التي وُعد بشقة فوقها ما زالت خاوية في المحافظة العقارية، ومثقلة بالحجوزات، وأن نفس الوحدة بيعت لثلاثة أو أربعة مشترين غيره. هذه ليست حبكة فيلم، بل نمط متكرر في سوق العقار المغربي، شهادات حيّة لضحايا دفعوا 40 و70 مليوناً دون أن يملكوا ورقة واحدة تثبت الملكية. القصة نفسها تتكرر منذ سنوات، لكن الضحية الجديدة دائماً تظن أنها الأولى.

الشراء على التصميم، أو ما يعرف قانونياً ببيع العقار في طور الإنجاز، ليس شراً في ذاته. بل هو صيغة مشروعة ومنظمة تسمح باقتناء سكن بثمن أفضل قبل اكتماله. المشكلة ليست في الصيغة، بل في الغفلة عن الشروط القانونية التي وُضعت أصلاً لحماية المشتري، والتي يجهلها أغلب من يوقّعون ويدفعون بثقة عمياء.

ذاكرة لا يجب أن تُنسى: درس “باب دارنا”

قبل الدخول في التفاصيل، لا بد من استحضار الجرح الأكبر. ففي 2018، انفجرت فضيحة “باب دارنا”، التي توصف بأكبر عملية نصب عقاري في تاريخ المغرب، والتي أوقعت نحو 1400 ضحية وأموالاً منهوبة قُدّرت بعشرات ملايير السنتيمات. وعود بمشاريع سكنية، وإشهار براق، ومشترون دفعوا مدخرات العمر، ثم لا شيء. الملف ظل يتنقل بين ردهات محكمة الاستئناف بالدار البيضاء سنوات طويلة، وسط غضب ضحايا اشتكوا من طول الإجراءات. الدرس المستفاد أن النصب العقاري ليس حادثة فردية، بل ثغرة بنيوية تتكرر ما دام المشتري يوقّع دون أن يقرأ، ويدفع دون أن يتحقق. وقد دفعت هذه الفضيحة الحكومة نفسها إلى تشديد الإطار القانوني لبيع العقار في طور الإنجاز.

القانون يحميك، لكن بشرط أن تعرفه

كثير من الضحايا يظنون أن لا قانون يحميهم، والحقيقة عكس ذلك تماماً. فالمشرّع المغربي نظّم هذه المعاملة عبر القانون 44.00 المعدّل بالقانون 107.12، وأحاطها بضمانات دقيقة. المأساة أن هذه الضمانات تبقى حبراً على ورق حين يقبل المشتري التنازل عنها طوعاً، مبرراً ذلك بأن “المنعش رجل ثقة” أو أن “الأوراق تأتي لاحقاً”. كل تنازل عن شرط قانوني هو حفرة محتملة في الطريق. وهذه أبرز الأخطاء القاتلة التي يرتكبها المشترون:

الخطأ الشائعما يقوله القانونالخطر عند التجاهل
الدفع دون التحقق من الملكيةيجب الاطلاع على الرسم العقاري للأرضقد تكون الأرض للغير أو محجوزة
الشراء قبل رخصة البناءالعقد الابتدائي باطل دون رخصة بناءلا حق قانوني لك إطلاقاً
الدفع بعقد عرفي أو “ريزيرفاسيون”العقد يحرّر لدى موثق أو عدللا إثبات رسمي عند النزاع
ثمن أو أجل تسليم غير محددإلزاميان في العقد الابتدائيابتزاز لاحق ومماطلة بلا نهاية
الدفع دون ضمانة بنكيةضمانة إتمام الأشغال إلزامية (المادة 618-3)ضياع الأموال عند توقف المشروع

التحقق قبل الدفع: خمس محطات لا تتجاوزها

القاعدة الأولى والأهم: اطّلع على الملكية. اطلب الرسم العقاري للأرض التي سيُبنى عليها، وتأكد أنها فعلاً باسم المنعش، وأنها خالية من أي حجز لفائدة بنك أو جهة أخرى. وهنا تنبيه دقيق يغفل عنه كثيرون: قول الموثق إن “الملكية نقية” لحظة توقيع الوعد بالبيع لا يكفي وحده إن كانت الأرض مجرد وعاء عارٍ لم يُبنَ عليه، لأن ما تشتريه فعلياً هو أرض، لا الشقة الموعودة. إن ظهر أي حجز، اجمع أوراقك وانصرف دون تردد.

القاعدة الثانية: رخصة البناء شرط وجود لا شرط شكل. من يعرض عليك أرضاً ويعدك ببناية دون أن يكون حاصلاً على رخصة البناء، فالعقد معه باطل قانوناً ولا يمنحك أي حق. لا تضع درهماً واحداً في مشروع “في طور الإنجاز” قبل التأكد من الرخصة.

القاعدة الثالثة: رخصة السكن والتحفيظ عند الشراء الجاهز. إن كنت تشتري وحدة مبنية بالفعل، تأكد من وجود رخصة السكن (بيرمي دابيتي)، وأن البناية مُحفّظة وأن الرسم العقاري للشقة نفسها سيُنقل باسمك، لا رسم الأرض العارية.

القاعدة الرابعة: العقد الابتدائي لدى مهني مؤهل، لا ورقة بينكما. أي اتفاق يجب أن يُحرّر لدى موثق أو عدل، وأن يتضمن إلزاماً الثمن النهائي وأجل التسليم بدقة. غياب هذين البندين هو ما يفتح باب الابتزاز الشهير: “ما بقاش مسلكين، تزيدني عشرة ملايين”. ومع أن الأصل نزاهة المهنيين، فإن اليقظة تبقى واجبة، فقد كشفت بعض الملفات تورط موثقين في عمليات نصب، وهو ما يفرض على المشتري ألا يفوّض تفكيره كلياً لأي طرف.

القاعدة الخامسة: الدفع بالتدرّج مقابل تقدّم الأشغال. القانون يرسم سُلّماً واضحاً للأداء: نسبة عند عقد التخصيص، حتى 10 في المائة عند العقد الابتدائي، ثم دفعات متدرجة حسب تقدم البناء، مع الاحتفاظ بـ20 في المائة الأخيرة إلى حين تحرير العقد النهائي وتسلّم الوحدة فعلياً. من يطلب منك مبالغ كبيرة دفعة واحدة ومبكراً يخالف منطق الحماية نفسه.

الضمانة البنكية: شبكة الأمان التي لا يجب التنازل عنها

النقطة التي تفصل بين مشترٍ محمي وآخر معرّض للضياع هي الضمانة البنكية. فالمادة 618-3 تُلزم البائع بتقديم ضمانة إتمام الأشغال، إما كفالة بنكية أو تأميناً، تصون أموال المشتري إذا توقف المشروع. مراجع هذه الضمانة يجب أن يُدرجها الموثق في العقد، ومن حقك الاطلاع عليها والتأكد من وجودها لدى البنك أو شركة التأمين المعنية. بوجود هذه الضمانة، حتى لو هرب المنعش أو أفلس أو تعثّر، تسترجع أموالك من الجهة الضامنة. وبدونها، تصبح في مواجهة العدم. لذلك، إن لم توجد ضمانة، فالقاعدة واحدة لا استثناء لها: خذ مالك وانصرف.

نصيحة خاصة لمغاربة العالم

الفئة الأكثر عرضة لهذا الفخ هي الجالية المغربية بالخارج. فالغياب الطويل، وصعوبة المتابعة الميدانية، والثقة المفرطة في الوسطاء، كلها عوامل تجعل من أموال المهاجرين صيداً سهلاً. من يشتري وهو بعيد آلاف الكيلومترات قد يكتشف بعد سنوات أن وحدته بيعت فوق رأسه مرات، وأن أمواله استُغلت لبناء مشروع لن يستفيد منه. النصيحة الذهبية لهذه الفئة: كلما أمكن، اشترِ ما هو موجود وجاهز، بأوراق تُنقل باسمك فوراً ومفتاح تدخل به فعلياً، بدل الرهان على وعود تُسلّم بعد عامين بشروط صعبة التحقق عن بُعد. ومن أراد الشراء على التصميم رغم ذلك، فليوكّل محامياً أو شخصاً موثوقاً للتحقق الميداني والقانوني قبل أي أداء.

حين تصبح اليقظة جزءاً من ثمن الدار

في العمق، ما تكشفه هذه القصص المتكررة ليس فقط جشع فئة من المحتالين، بل ثقافة شراء ما زالت تقوم على الثقة الشفهية و”الكلمة” في معاملة تتطلب صرامة قانونية باردة. العقار في المغرب حلم عمر، والحلم حين يُبنى على ورقة عرفية أو وعد شفهي يتحول بسهولة إلى كابوس يمتد سنوات في أروقة المحاكم. الدولة شدّدت القوانين بعد كل فضيحة، لكن أقوى حماية تبقى في يد المشتري نفسه: أن يقرأ قبل أن يوقّع، ويتحقق قبل أن يدفع، ويقبل أن يخسر صفقة بدل أن يخسر مدخرات العمر. اليقظة، في سوق كهذا، ليست تشاؤماً، بل جزء من ثمن الدار.

فهل تعتقدون أن تشديد القوانين وحده كفيل بحماية المغاربة من النصب العقاري، أم أن المدخل الحقيقي هو نشر الثقافة القانونية بين المشترين قبل أن يفتحوا محافظهم؟ شاركونا تجاربكم ورأيكم في التعليقات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *