تخيل مجتمعا يستيقظ يوما فيجد أن أكثر من نصف شبابه غير الأسرة، أن رغبة الزواج نفسها. هذا ليس سيناريو خياليا، بل خلاصة بحث وطني رسمي أصدرته المندوبية السامية للتخطيط في أبريل 2026، كشف أن 51.7 في المائة من العزاب المغاربة لا يرغبون في الارتباط، وأن النسبة تقفز عند الرجال إلى ما يقارب 60 في المائة. رقم بهذا الحجم لا يمر مرور الكرام، لأنه لا يتحدث فقط عن خيارات فردية، بل عن تحول بنيوي يطرح على المشرع المغربي أسئلة قانونية لم تعد قابلة للتأجيل، في وقت يعيش فيه نقاش إصلاح مدونة الأسرة على صفيح ساخن منذ سنوات.
أرقام لا يمكن قراءتها بمعزل عن القانون
المعطيات التي كشفتها المندوبية، ضمن “البحث الوطني حول الأسرة المغربية 2025″، ليست مجرد إحصائيات اجتماعية عابرة. فمتوسط سن الزواج الأول ارتفع إلى 33.3 سنة عند الرجال و26.3 سنة عند النساء، مقارنة بأرقام كانت أقل بكثير قبل عقود. هذا التأخر له انعكاس قانوني مباشر، لأنه يصطدم بمنطومة كاملة من الأحكام المرتبطة بسن الزواج، والولاية، والأهلية المدنية، وهي مواد كانت في صلب النقاش الذي رافق التعديلات الأخيرة لمدونة الأسرة.
الأخطر من ذلك أن هذا العزوف ليس اختيارا في أغلب الحالات، بل نتيجة ضغط اقتصادي واجتماعي متراكم. المندوبية نفسها تربط الظاهرة بثلاثة عوامل رئيسية: صعوبة الولوج إلى السكن، غلاء تكاليف الزواج، والبطالة التي لا تزال تراوح مكانها عند نسب مقلقة. وحين يتحول الزواج من حق طبيعي إلى امتياز اقتصادي، يصبح السؤال القانوني مشروعا: هل تكفي مدونة الأسرة وحدها لمعالجة أزمة لا تنبع من النص القانوني بل من الواقع المعيشي؟
الأسرة النووية تكسح المشهد، والقانون لا يزال يفكر بمنطق الأسرة الممتدة
من أكثر المعطيات دلالة في هذا البحث أن الأسرة النووية، أي الزوجين والأبناء فقط، أصبحت تمثل 73 في المائة من الأسر المغربية سنة 2025، مقارنة بـ60.8 في المائة فقط سنة 1995. في المقابل، تراجعت الأسرة الممتدة، تلك التي كانت تجمع الأجداد والأعمام والخالات تحت سقف واحد، من 35.2 في المائة إلى 19.8 في المائة فقط خلال ثلاثة عقود.
هذا التحول الديموغرافي العميق يضع النظام القانوني المغربي أمام تناقض صريح. فكثير من الأحكام المتعلقة بالنفقة، وكفالة كبار السن، والتضامن الأسري، لا تزال مبنية ضمنيا على منطق العائلة الممتدة، حيث يتقاسم الأقارب مسؤولية رعاية المسنين وذوي الاحتياج. لكن الواقع اليوم يقول عكس ذلك تماما. فحسب المعطيات ذاتها، 59 في المائة من كبار السن يعيشون مع أحد أبنائهم، لكن 31 في المائة منهم لا يتوفرون على أي دخل، بينما يضطر 64 في المائة ممن تجاوزوا الستين إلى العمل رغما عنهم، لا اختيارا، بسبب غياب أي مورد مالي ثابت. هذا يعني أن التضامن الأسري الذي يفترضه القانون أصبح أقل قدرة على الصمود أمام واقع اجتماعي واقتصادي متغير.
الطلاق: حين يصبح النص القانوني أسرع من التوازن الاجتماعي
الشق الثاني من هذا التحول يتعلق بالطلاق، والأرقام هنا لا تقل إثارة للقلق. يبلغ المعدل السنوي للطلاق 3.6 لكل ألف على الصعيد الوطني، لكن الخطر الأكبر يتركز في السنتين الأوليين من الزواج، حيث يقفز المعدل إلى 26.8 لكل ألف، أي ما يقارب خمسة أضعاف المعدل العام. بمعنى آخر، أكثر الزيجات هشاشة هي تلك التي لم تكتمل بعد سنتها الثالثة، وهي فترة كانت تقليديا تعتبر مرحلة التأسيس والتكيف.
اللافت أيضا أن 58 في المائة من طلبات الطلاق تأتي بمبادرة من النساء، بينما لا تتجاوز نسبة الطلاق بالاتفاق المشترك 41.5 في المائة من تصريحات الرجال. هذا المعطى وحده يستحق قراءة قانونية متأنية، لأنه يعكس تحولا في موقع المرأة داخل مسطرة الطلاق منذ إقرار مدونة الأسرة سنة 2004، التي منحتها آليات كالطلاق للشقاق لم تكن متاحة بنفس السهولة من قبل. لكن في المقابل، الأسباب الأكثر تكرارا للطلاق تبقى الخلافات المنزلية بنسبة 30.9 في المائة، تليها الصعوبات الاقتصادية بنسبة 12 في المائة، وهو ما يعيد التذكير بأن جزءا كبيرا من هشاشة الروابط الأسرية اليوم مرتبط بالضغط المادي أكثر من ارتباطه بخلل في النص القانوني نفسه.
| المؤشر | النسبة أو القيمة |
| العزاب الراغبون في عدم الزواج | 51.7% (تصل إلى 59.8% عند الرجال) |
| متوسط سن الزواج الأول | 33.3 سنة (رجال) / 26.3 سنة (نساء) |
| الأسر النووية | 73% مقابل 60.8% سنة 1995 |
| الأسر أحادية الوالد | 8.8% (منها 90.7% تقودها نساء) |
| معدل الطلاق الوطني | 3.6 لكل ألف |
| ذروة خطر الطلاق | 26.8 لكل ألف خلال أول سنتين زواج |
أسر أحادية الوالد: ثغرة تحتاج إطارا قانونيا أوضح
من بين المعطيات التي تستحق وقفة قانونية خاصة، أن 8.8 في المائة من الأسر المغربية أصبحت أسرا أحادية الوالد، أي يترأسها أب أو أم واحدة فقط، وأن النساء يقدن 90.7 في المائة من هذه الأسر. هذا الرقم يعكس بشكل مباشر تصاعد حالات الطلاق والترمل، لكنه يكشف أيضا فجوة حقيقية في التطبيق العملي لأحكام النفقة والحضانة.
فحين تتحمل امرأة واحدة مسؤولية أسرة كاملة، دون شبكة الدعم التي كانت توفرها الأسرة الممتدة سابقا، يصبح تفعيل أحكام النفقة بشكل سريع وفعال، وليس فقط بشكل نظري على الورق، مسألة حيوية. المحاكم الأسرية المغربية شهدت في السنوات الأخيرة تراكما ملحوظا في ملفات النفقة والحضانة، وهو ما يجعل السؤال حول نجاعة آليات التنفيذ القضائي في هذا المجال أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، خصوصا أن كثيرا من الأمهات الحاضنات يشتكين من طول أمد التقاضي وصعوبة تحصيل النفقة المحكوم بها فعليا.
بين النص القانوني والقيم: أين تقف الدولة؟
يجمع كثير من المهتمين بالشأن الأسري على أن القانون وحده لا يمكنه إعادة بناء مؤسسة الأسرة إذا انهارت أسبابها الاقتصادية والاجتماعية. كما عبر عنه أحد الباحثين في علم الاجتماع خلال ندوة حول الموضوع، فإن “القانون يضبط السلوك، لكنه لا يصنع الرغبة في الزواج من فراغ حين يكون السكن مستحيلا والشغل غائبا”. هذه الملاحظة تلخص المأزق الحقيقي الذي يواجه صناع القرار اليوم، بين من يرى أن الحل يمر عبر تعديلات تشريعية إضافية لمدونة الأسرة، ومن يعتبر أن المعضلة اقتصادية بالأساس، وأن أي إصلاح قانوني بدون مواكبة اجتماعية حقيقية سيبقى عاجزا عن قلب المعادلة.
ما تكشفه هذه الأرقام في نهاية المطاف هو أن المغرب يعيش لحظة مفصلية في علاقته بمؤسسة الأسرة، لحظة يتقاطع فيها القانون بالاقتصاد بالقيم الاجتماعية في آن واحد. فهل ينجح النقاش الجاري حاليا حول تطوير الإطار القانوني للأسرة في مواكبة هذا التحول العميق، أم أن الأرقام ستستمر في التغير أسرع من قدرة النصوص على ملاحقتها؟

Leave a Reply