في مشهد يبدو للوهلة الأولى غير منطقي، يقف المغرب سنة 2026 أمام معادلة تكسر كل المنطق الاقتصادي التقليدي: نسبة بطالة رسمية تناهز 13 بالمئة، وفي المقابل مقاولون في البناء والفلاحة يرفعون أصواتهم شاكين من عجز حقيقي عن إيجاد يد عاملة، حتى حين يعرضون أجورا يومية تصل إلى 300 درهم. كيف يعقل أن يبقى مئات الآلاف بلا شغل، بينما تصرخ قطاعات بأكملها من الخصاص؟ الجواب، كما تكشفه المعطيات، أعقد بكثير من مجرد “شباب لا يريد العمل”، وهو يحمل في طياته بعدا قانونيا واجتماعيا يستحق التوقف عنده بجدية.
ما تقوله الأرقام فعلا بعيدا عن العناوين
قبل أي تحليل، لا بد من قراءة دقيقة للأرقام، لأن كثيرا من النقاش العمومي يتوقف عند العنوان دون قراءة التفاصيل. تقرير بنك المغرب لسنة 2025 يكشف أن معدل البطالة الإجمالي استقر عند 13 بالمئة، لكن معدل البطالة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة واصل ارتفاعه ليصل إلى 37.2 بالمئة على المستوى الوطني، فيما لامس هذا المعدل داخل المدن عتبة 48 بالمئة. والأخطر من ذلك أن نحو ثلاثة ملايين شاب مغربي يوجدون خارج الدراسة والتكوين والعمل في آن واحد.
هنا يجب الانتباه إلى نقطة منهجية مهمة: الفئة العمرية بين 15 و24 سنة ليست في جوهرها فئة عاملة، بل هي في الغالب في مرحلة التعليم والتكوين والتأطير. من الطبيعي أن يكون شاب في الخامسة عشرة على مقاعد الدراسة، لا في ورش بناء. لذلك فإن قراءة أزمة سوق الشغل تصبح أوضح حين نركز على من تجاوزوا الخامسة والعشرين، وهم الفئة التي يفترض أنها أنهت مسارها الدراسي وأصبحت فعلا في قلب المعادلة الاقتصادية.
الخصاص في اليد العاملة: أزمة تضرب قطاعات بأكملها
بموازاة أرقام البطالة، تتصاعد شكاوى المهنيين من ظاهرة معاكسة تماما. المنعشون العقاريون يؤكدون أن العثور على عمال مغاربة في قطاع البناء أصبح أشبه بالمستحيل، حتى مع أجر يومي يقارب 300 درهم. القطاع شهد ما وصفه بعضهم بـ”هروب جماعي” للعمال، خصوصا مع موسم الحصاد الذي يستقطب كثيرين للعودة إلى مناطقهم الأصلية والاشتغال في الفلاحة. ومن مدينة كرسيف إلى شيشاوة والشاوية، تتكرر نفس الشكوى: قلة اليد العاملة الفلاحية تتفاقم في موسم الحصاد، بشكل ينذر بتداعيات مباشرة على استقرار الإنتاج الزراعي وأسعاره.
المفارقة أن الأزمة لا تعني بالضرورة أن العمال اختفوا، بل أن معادلة الأجر مقابل الجهد لم تعد مقنعة بالنسبة لجيل جديد بدأ يعيد حساباته. عامل يشتغل خمس سنوات في ورش البناء تحت حرارة تتجاوز 45 درجة، ثم يجد نفسه في نهاية المطاف دون منزل ولا ادخار يذكر، بينما المقاول الذي يشغله قد يحقق أرباحا تُقاس بعشرات الملايين من السنتيمات في المشروع الواحد. هذه المقارنة، ولو بدت قاسية، هي بالضبط ما بدأ يحرك وعي شريحة واسعة من الشباب.
البعد القانوني الغائب: حين يصبح العامل الأجنبي حلا مؤقتا بأثمان قانونية
أمام هذا الخصاص، بدأ بعض المشغلين، خصوصا في جهة سوس ماسة وفي قطاعات البناء والفندقة والفلاحة، يلجؤون إلى توظيف مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء. وهنا بالضبط يظهر البعد القانوني الذي يغيب عن كثير من النقاشات العاطفية حول الموضوع. فالقانون المغربي، ومدونة الشغل تحديدا، لا يترك تشغيل الأجانب مفتوحا على مصراعيه.
كل مشغل يرغب في تشغيل أجير أجنبي ملزم قانونا بالحصول على رخصة من السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، تُسلّم على شكل تأشيرة تُوضع على عقد الشغل. والأهم أن هذه التأشيرة تُضفي على العقد طابع المدة المحددة، إذ تُحدد مدته في سنة قابلة للتجديد، ويُعتبر تاريخ التأشيرة هو تاريخ بداية العلاقة الشغلية. بعبارة أوضح، لا يمكن قانونا تشغيل عامل أجنبي بشكل عشوائي أو غير مصرح به دون تعريض المشغل لمساءلة قانونية.
المشكلة العملية أن جزءا كبيرا من هذا التشغيل يتم خارج هذا الإطار، أي في وضعية غير نظامية، وهو ما يفتح الباب أمام تحديات قانونية واجتماعية جدية: عمال بلا تغطية اجتماعية، بلا عقود موثقة، وبلا أي حماية في حال النزاع أو الحادث. وهذا يضع المشغلين أنفسهم في منطقة رمادية قد تتحول إلى مساءلة قانونية في أي لحظة، خصوصا مع تشديد المراقبة على سوق الشغل.
جدول: قراءة مقارنة لمعادلة سوق الشغل المغربي 2025
| المؤشر | المعطى الرسمي | الدلالة العميقة |
|---|---|---|
| معدل البطالة الإجمالي | 13% | استقرار ظاهري يخفي تفاوتات كبيرة |
| بطالة الشباب (15-24) وطنيا | 37.2% | ارتفاع متواصل منذ جائحة كورونا |
| بطالة الشباب في المدن | 48% | أزمة حضرية حادة بشكل خاص |
| مناصب الشغل المحدثة 2025 | 193 ألف | الخدمات ثم البناء ثم الصناعة |
| الشباب خارج الدراسة والعمل | 3 ملايين | خزان اجتماعي قابل للانفجار |
لماذا يهم هذا كل مغربي وليس فقط أرباب العمل
قد يظن البعض أن هذا النقاش يخص فقط المقاولين والفلاحين، لكن الحقيقة أن نتائجه تمس الجميع. فحين يعجز قطاع الفلاحة عن تأمين اليد العاملة في موسم الحصاد، ترتفع تكاليف الإنتاج، وتنعكس تلقائيا على أسعار الخضر والفواكه التي يشتريها المواطن العادي. وحين يلجأ القطاع إلى عمالة غير نظامية، تتحمل الدولة والمجتمع لاحقا كلفة اجتماعية وقانونية مؤجلة.
الأعمق من ذلك أن ما يحدث يكشف تحولا في العقلية. الجيل السابق، جيل الثمانينات والتسعينات، كان محكوما بهاجس “لا يفوتني القطار” والخوف من الجوع، فكان يقبل بأي عمل مهما كانت شروطه. أما الجيل الجديد فبدأ يطرح سؤالا مختلفا: لماذا أضحي بصحتي وأحلامي مقابل أجر لا يسمح لي حتى ببناء حياة كريمة؟ هذا التحول في الوعي، وإن بدا للبعض تمردا أو كسلا، هو في جوهره إعادة تقييم عقلانية لمعادلة الجهد مقابل العائد، تماما كما يفعل أي فاعل اقتصادي رشيد.
من الناحية القانونية والاجتماعية، يطرح هذا الوضع سؤالا حقيقيا حول مستقبل علاقات الشغل في المغرب. فالحل لا يمكن أن يكون فقط في استيراد يد عاملة أجنبية، لأن ذلك يعالج العرض دون معالجة جوهر المشكل، وقد يخلق توترات اجتماعية جديدة. كما أن ترك الأمر لمنطق السوب وحده، حيث يحقق طرف أرباحا ضخمة بينما يبقى الطرف المنتِج للثروة على هامش الكرامة الاقتصادية، وصفة لأزمة أعمق على المدى الطويل.
يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يكمن الحل في إطار قانوني أكثر عدالة يعيد التوازن بين الربح والأجر ويشجع الشباب على الانخراط في هذه المهن بكرامة، أم أن المغرب مقبل لا محالة على اقتصاد يعتمد بشكل متزايد على اليد العاملة الأجنبية، بكل ما يحمله ذلك من تحديات قانونية واجتماعية لم نستعد لها بعد؟

أضف تعليقاً