الأربعاء، 22 يوليوز 2026

تقرير بنك المغرب يكشف فجوة قانونية بين التوجيهات الملكية وتطبيقها الفعلي

كلمة والي بنك المغرب أمام الملك بمناسبة التقرير السنوي لسنة 2025 حملت إشارات ضمنية إلى فجوة تفصل بين توجيهات ملكية استراتيجية صدرت منذ سنوات وبين إطارها القانوني والتنظيمي الذي لا يزال غير مكتمل.

واجهة قصر ملكي مغربي تقليدي عند الغروب ترمز إلى تقديم التقرير السنوي لبنك المغرب أمام الملك

في العادة، يمر تقديم التقرير السنوي لبنك المغرب أمام الملك كطقس مؤسساتي هادئ، أرقام تُعرض، وخطاب رسمي يُقرأ، ثم ينصرف الجميع إلى شؤونهم. لكن قراءة السي عبد اللطيف الجواهري لتقرير سنة 2025 أمام الملك محمد السادس، مرفوقا بولي العهد الأمير مولاي الحسن، يوم الاثنين بالقصر الملكي بتطوان، حملت هذه المرة شيئا مختلفا: إشارات دقيقة إلى فجوة تفصل بين ما توجه به الخطاب الملكي منذ سنوات وما تحقق فعليا على أرض الواقع من نصوص وأطر تنظيمية، وهي فجوة تستحق قراءة قانونية بقدر ما تستحق قراءة اقتصادية.

التزام قانوني قبل أن يكون عرفا ملكيا

قد يظن البعض أن مثول والي بنك المغرب أمام الملك لتقديم التقرير السنوي مجرد عادة بروتوكولية، لكن الحقيقة أن هذا الإجراء يستند إلى أساس قانوني صريح ضمن القانون رقم 40.17 المتعلق بالنظام الأساسي لبنك المغرب. هذا القانون، الذي عزز استقلالية البنك المركزي بشكل واضح، ينص في مادته الثالثة عشرة على أن والي البنك والمدير العام وأعضاء مجلسه لا يمكنهم قبول تعليمات من الحكومة أو من أي جهة أخرى أثناء ممارسة مهامهم، وهي ضمانة قانونية جوهرية تحمي القرار النقدي من أي ضغط سياسي ظرفي.

لكن هذه الاستقلالية ليست مطلقة، إذ يفرض القانون نفسه تشاورا منتظما بين وزير المالية ووالي البنك لضمان انسجام السياسة النقدية مع باقي أدوات السياسة الاقتصادية الكلية. تقديم التقرير السنوي أمام الملك يندرج ضمن هذه المنظومة من التوازنات، فهو ليس مجرد عرض حسابي، بل آلية دستورية ومؤسساتية لضمان أن يبقى البنك المركزي، رغم استقلاليته، جزءا من منظومة محاسبة أعلى، تخضع حساباته لافتحاص سنوي من مدقق خارجي مستقل يشهد على صحة بياناته.

الأرقام التي رافقت هذا الالتزام القانوني

من الناحية الاقتصادية، أكد الجواهري أن الاقتصاد الوطني واصل تحسنه خلال 2025 بنسبة نمو بلغت 4.9 بالمئة، مدعوما بمجهود استثماري كبير، فيما استقر التضخم عند متوسط متدنٍ لم يتجاوز 0.8 بالمئة. وفي إطار سياسته النقدية، واصل البنك نهجه التيسيري بخفض سعر الفائدة الرئيسي إلى 2.25 بالمئة، مع الاستمرار في تلبية طلبات البنوك من السيولة وتسهيل ولوج المقاولات الصغرى إلى التمويل. أما على صعيد المالية العمومية، فقد سجل عجز الميزانية تراجعا ليستقر عند 3.5 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، بفضل تحسن المداخيل الجبائية، فيما بلغت الأصول الاحتياطية لبنك المغرب 443 مليار درهم، أي ما يعادل خمسة أشهر ونصف من الواردات.

هذه الأرقام مهمة بلا شك، لكنها ليست ما يستحق التوقف عنده طويلا في هذا المقال، بقدر ما يستحقه ما جاء بعدها في كلمة الوالي، حين انتقل من سرد الأداء الاقتصادي إلى الإشارة الصريحة لملفين حساسين يكشفان فجوة تشريعية وتنظيمية حقيقية.

خمس سنوات على توجيه ملكي ينتظر إطارا قانونيا

في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية لأكتوبر 2021، دعا الملك محمد السادس صراحة إلى إحداث منظومة وطنية لضمان مخزون استراتيجي من المواد الأساسية، بعدما أظهرت جائحة كورونا كيف تعود قضايا السيادة الصحية والطاقية والصناعية والغذائية إلى صدارة الاهتمام العالمي. المغرب حينها كان من الدول القليلة التي تمكنت من تدبير حاجياتها دون اختلالات كبرى، وهو ما جعل التوجيه الملكي أقرب إلى استثمار استباقي في الأمن القومي، وليس مجرد رد فعل على أزمة عابرة.

المفارقة أن الجواهري نفسه أشار في تقريره لسنة 2025 إلى أن الاضطرابات المتكررة في سلاسل الإمداد العالمية جعلت تطبيق هذا التوجيه الملكي “ضرورة ملحة”، بعد مرور قرابة خمس سنوات كاملة على صدوره. بعبارة أخرى، والي بنك المغرب نفسه، وهو أعلى مسؤول عن السياسة النقدية في المملكة، يُقر ضمنيا بأن توجيها ملكيا واضحا لم يتحول بعد إلى منظومة قانونية وتنظيمية مكتملة تحمي المخزون الاستراتيجي، في وقت تتوالى فيه التوترات الجيوسياسية، من مضيق هرمز إلى أسواق الطاقة العالمية، بشكل يجعل غياب هذا الإطار مسألة لا تحتمل مزيدا من التأجيل.

جدول: من التوجيه الملكي إلى التطبيق الفعلي

العنصرما ورد في التوجيه الملكي (أكتوبر 2021)وضعية التطبيق حسب تقرير 2025
المخزون الاستراتيجي للمواد الأساسيةدعوة لإحداث منظومة وطنية لضمانهلا يزال في طور “الضرورة الملحة”، دون إطار قانوني مكتمل
الانتقال الطاقيجزء من رؤية استباقية لتقليص التبعية للخارجتسريع مطلوب لمواكبة المعايير المناخية المفروضة من الشركاء التجاريين
حكامة الموارد المائيةتنبيه متكرر لضرورة حماية الفرشات المائيةدعوة لإدراج الحكامة المائية ضمن أولويات السياسات العمومية

الفرشة المائية المحصورة: ثروة قانونية بلا حصانة كافية

الملف الثاني الذي أثاره الجواهري، وربما الأخطر على المدى الطويل، يخص الموارد المائية. فقد أشار صراحة إلى أن عواقب التغير المناخي على هذه الموارد أصبحت تستدعي إدراج حكامتها ضمن أولويات السياسات العمومية. هذا التنبيه يكتسب معنى أعمق حين نعرف أن المغرب يعتمد على نوعين من الفرشات المائية الجوفية: الفرشة السطحية القابلة للتجدد، والفرشة المحصورة التي تتشكل عبر آلاف السنين ولا تتجدد إذا استُنزفت أو تعرضت للتلوث.

القانون المغربي المتعلق بالماء يمنح الوكالات المكلفة بالأحواض المائية صلاحية منح أو رفض رخص الحفر، وهي صلاحية تُمارَس اليوم بصرامة متزايدة أمام بعض المقاولات، في مقابل تساهل نسبي أحيانا مع الحفر المنزلي الذي لا يخضع لنفس درجة المراقبة. المشكلة أن الوصول إلى الفرشات المحصورة أصبح اليوم أسهل تقنيا من ذي قبل، بفضل تطور معدات الحفر العميق التي يمكنها الوصول إلى مئات الأمتار تحت سطح الأرض، وهو ما يجعل الإطار القانوني الحالي، رغم صرامته النسبية، في حاجة إلى تحيين مستمر يواكب هذا التطور التقني، حتى لا تتحول ثروة استراتيجية لا تُعوَّض إلى ضحية لتراخ تنظيمي غير مقصود.

يقول خبير في القانون البيئي والموارد الطبيعية، فضل عدم ذكر اسمه نظرا لطبيعة عمله الاستشاري مع بعض المؤسسات العمومية، إن “الإشكال ليس في غياب النصوص القانونية بشكل كامل، فالمغرب يتوفر على ترسانة معقولة في مجال الماء والطاقة، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في سرعة تفعيل هذه النصوص وتحيينها بما يواكب وتيرة التغير المناخي والتطور التقني، وهي وتيرة أسرع بكثير من وتيرة الإصلاح التشريعي التقليدي.”

لماذا يهم هذا الملف كل مغربي وليس فقط صناع القرار

ما يجعل كلمة والي بنك المغرب هذه السنة مختلفة هو أنها لم تكتفِ بعرض الأداء النقدي والمالي، بل تجرأت على الإشارة، ولو بلغة مؤسساتية مهذبة، إلى أن بعض التوجيهات الملكية الاستراتيجية لا تزال تنتظر ترجمتها إلى نصوص قانونية وتنظيمية ملزمة. هذا النوع من الإشارات ليس تفصيلا بروتوكوليا عابرا، بل هو تذكير بأن جوهر الحكامة الجيدة لا يكمن فقط في صدور التوجيهات العليا، بل في قدرة المنظومة التشريعية والتنفيذية على تحويلها إلى قواعد ملزمة قابلة للتطبيق والمراقبة والمحاسبة، في آجال معقولة تتناسب مع طبيعة المخاطر المطروحة.

فحين يمر خمس سنوات على توجيه ملكي بشأن قضية بحجم الأمن الطاقي دون إطار قانوني مكتمل، وحين تبقى حماية ثروة مائية لا تتجدد رهينة بجهود مؤسساتية مهمة لكنها تحتاج تعزيزا مستمرا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على كل متتبع للشأن العام هو: من يتحمل مسؤولية قياس المسافة الزمنية الفاصلة بين صدور التوجيه الملكي وبين اكتمال ترجمته القانونية، وهل حان الوقت لآلية مؤسساتية واضحة تراقب هذه المسافة بدل أن تتركها رهينة لتقدير كل قطاع على حدة؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *