في وقت يشتكي فيه المغرب من ضعف الاستثمار المنتج، يضخّ أبناؤه في المهجر عشرات المليارات كل سنة في شرايين الاقتصاد الوطني، لتبلغ تحويلاتهم مستوى قياسيا جديدا. لكن خلف هذا الرقم الذي يُحتفى به في كل نشرة اقتصادية، تختبئ حقيقة أقل بريقا: الجزء الأكبر من هذه الأموال لا يبني مصانع ولا يخلق مناصب شغل، بل يذوب في نفقات الاستهلاك اليومي للأسر. فهل تحويلات الجالية نعمة اقتصادية حقيقية، أم مسكّن يخفي هشاشة بنيوية أعمق؟
الأرقام أولا: قفزة قياسية بلغة الأرقام
المعطيات الصادرة عن مكتب الصرف لا تترك مجالا للشك في حجم الظاهرة. فقد بلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 61.48 مليار درهم مع نهاية يونيو 2026، مقابل 55.95 مليار درهم في الفترة نفسها من 2025، أي بنمو يقارب 9.9 بالمئة. رقم يعادل تقريبا ميزانية قطاعات وزارية بأكملها.
هذا الصعود لم يكن طفرة معزولة، بل مسارا تصاعديا منتظما على مدار السنة. فخلال الربع الأول، تجاوزت التحويلات 29.7 مليار درهم مع متم مارس، ثم بلغت أزيد من 50 مليار درهم مع نهاية ماي، قبل أن تصل إلى رقمها القياسي في يونيو.
| الفترة (2026) | حجم التحويلات | مقارنة بـ2025 |
|---|---|---|
| نهاية مارس | 29.7 مليار درهم | 26.6 مليار درهم |
| نهاية ماي | 50.2 مليار درهم | 46.16 مليار درهم |
| نهاية يونيو | 61.48 مليار درهم | 55.95 مليار درهم |
هذه الأموال ليست مجرد أرقام، بل ركيزة حقيقية للتوازنات المالية للمملكة. فهي تعزز احتياطي النقد الأجنبي، وتساهم في تمويل عجز الميزان التجاري المزمن، إلى جانب مداخيل السياحة التي حققت هي الأخرى فائضا قياسيا. باختصار، الجالية تظل أحد أعمدة الاستقرار المالي للمغرب.
السؤال المحرج: أين تذهب هذه المليارات فعلا؟
هنا يبدأ الجزء الأقل بريقا من القصة. فالاحتفاء بالرقم الإجمالي يخفي سؤالا جوهريا: ما الذي تموّله هذه التحويلات؟ الجواب، كما كشفه مسؤولون في بنك المغرب، صادم في وضوحه: نحو 87 بالمئة من تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج توجَّه نحو الاستهلاك الجاري للأسر.
بعبارة أوضح، الجزء الأكبر من هذه الأموال يذهب لتغطية مصاريف الحياة اليومية: قوت الأسر، فواتير الماء والكهرباء، مصاريف الدراسة والعلاج، وأحيانا سداد ديون. أما الجزء المتبقي، فيتجه غالبا نحو الاستثمار العقاري، أي شراء دار أو أرض. وهذا في حد ذاته ليس عيبا، لكنه يكشف مفارقة: هذه الثروة الضخمة نادرا ما تُعبّأ نحو تمويل المقاولات، أو الابتكار، أو الصناعات ذات القيمة المضافة، أو الاقتصاد الأخضر، أي القطاعات التي تخلق فعلا مناصب الشغل والثروة المستدامة.
لماذا لا تتحول التحويلات إلى استثمار منتج
من الإنصاف أن نفهم أن المسؤولية ليست على عاتق المهاجر وحده. فالمغربي الذي يعمل في أوروبا أو أمريكا ويرسل أمواله لعائلته يتصرف بمنطق عقلاني: أولوياته الأولى هي إعالة أسرته وتأمين مستقبلها، لا المخاطرة برأس ماله في مشروع بعيد يصعب عليه متابعته من الخارج.
المشكلة الحقيقية بنيوية. فالمستثمر من الجالية يواجه عقبات معروفة: صعوبة متابعة المشروع عن بعد، والخوف من التعقيدات الإدارية، والحذر من النصب، وأحيانا غياب المواكبة والإرشاد. لهذا، أوصى بنك المغرب صراحة بضرورة توفير مواكبة أفضل للمستثمرين من مغاربة العالم، سواء عبر تسهيل الولوج إلى التمويل أو من خلال خدمات التأطير والإرشاد.
يقول خبير مغربي في الاقتصاد والمالية، فضّل عدم الكشف عن اسمه نظرا لطبيعة عمله الاستشاري، إن “الخطأ هو أن ننظر إلى تحويلات الجالية كإنجاز في حد ذاتها. الرقم القياسي جميل، لكنه يخفي أن هذه الأموال تعمل كمسكّن يغطي هشاشة القدرة الشرائية للأسر المستفيدة، لا كمحرك للتنمية. التحدي ليس في جذب المزيد من التحويلات، بل في تحويل جزء منها من الاستهلاك إلى الاستثمار المنتج. وهذا لن يحدث بالخطب، بل بإطار قانوني وضمانات حقيقية تجعل المهاجر يثق في أن ماله سيُصان وينمو”.
البعد القانوني: الثقة قبل الأرقام
هنا يكمن الرابط مع الجانب القانوني والتنظيمي. فتعبئة التحويلات نحو الاستثمار ليست مسألة تحفيز مالي فقط، بل مسألة أمن قانوني. فالمهاجر الذي عاش قصص نصب عقاري، أو تعقيدات إدارية طويلة، أو نزاعات قضائية تمتد سنوات، يفضّل إبقاء أمواله في الاستهلاك الآمن أو في عقار يراه بعينيه، بدل مغامرة استثمارية محفوفة بالمخاطر.
لذلك، فإن الأدوات القانونية الموجودة، مثل حساب الدرهم القابل للتحويل الذي يتيح للمهاجر إرسال أمواله واسترجاعها بحرية، تبقى ناقصة إن لم تُرافق بمنظومة حماية شاملة: تبسيط المساطر، وتأمين المعاملات العقارية، وتسريع البت في النزاعات، ومحاربة النصب. فالثقة في القانون هي، في نهاية المطاف، أهم محفز للاستثمار، أكثر من أي إعفاء ضريبي.
لماذا يهم هذا كل مغربي وليس فقط الجالية
قد يظن من يعيش داخل المغرب أن هذا النقاش يخص المهاجرين فقط، لكن الحقيقة أن الأمر يمس الاقتصاد الوطني برمته. فهذه المليارات، حين تذهب أساسا للاستهلاك، تنعش الطلب وتحرك التجارة على المدى القصير، لكنها لا تبني قاعدة إنتاجية دائمة. والاقتصاد الذي يعتمد على تحويلات موجهة للاستهلاك يبقى هشا، لأنه رهين بظروف الجالية في بلدان الإقامة، وبأي أزمة اقتصادية قد تضرب أوروبا أو أمريكا.
الأعمق من ذلك أن هذا الملف يكشف تحديا مزدوجا. فمن جهة، هناك ثروة ضخمة متاحة، تنمو سنة بعد سنة، ويحسدنا عليها كثير من الدول. ومن جهة أخرى، هناك عجز في تحويل هذه الثروة إلى محرك تنموي حقيقي. والفرق بين النجاح والفشل لا يكمن في حجم التحويلات، بل في قدرة الدولة على بناء بيئة قانونية واستثمارية تُقنع المهاجر بأن استثمار درهمه في بلده أكثر أمانا وربحية من إبقائه في الاستهلاك أو تحويله للخارج.
في نهاية المطاف، تكشف تحويلات مغاربة العالم أن الأرقام القياسية قد تكون مضللة إن لم نقرأها بعمق. فالمهاجر يواصل الوفاء لبلده بأمواله وعرقه، لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس “كم يرسلون؟”، بل “كيف نجعل ما يرسلونه يبني مستقبلا لا يغطي فقط حاجيات الحاضر؟”. والسؤال الذي يستحق النقاش: هل التحدي الحقيقي هو إقناع الجالية بالاستثمار، أم أن المطلوب أولا هو إصلاح المنظومة القانونية والإدارية التي تجعل الاستثمار في المغرب مغامرة يتجنبها حتى المواطن المقيم قبل المهاجر؟

أضف تعليقاً