الأحد، 20 شتنبر 2026

حين تُجبر المحكمة الدولة على علاج مواطنة: قرار قد يغيّر علاقتك بالمستشفى العمومي

قرار قضائي مغربي ألزم الدولة بتوفير العلاج لمواطنة عاجزة عن أداء تكاليف عملية في الدماغ، استنادا إلى الفصل 31 من الدستور. مقال يشرح كيف تحول الحق في الصحة إلى التزام قابل للتنفيذ أمام القضاء الإداري.

ممر مستشفى عمومي مغربي مع مطرقة قضاء، رمز للحق الدستوري في العلاج ومسؤولية الدولة

امرأة مغربية بسيطة، لا تملك ثمن عملية جراحية في الدماغ قد تنقذ حياتها، قررت أن تفعل ما يبدو مستحيلا: أن تقاضي الدولة نفسها. لم تطرق باب الإحسان ولا انتظرت مساعدة موسمية، بل ذهبت مباشرة إلى القضاء تطالب بإلزام الدولة بعلاجها على نفقة المرفق الصحي العمومي. والأغرب من الدعوى ذاتها هو ما انتهت إليه: المحكمة أنصفتها، والدولة خسرت، وتحملت الصائر كاملة. هذا القرار، الصادر عن أعلى هيئة قضائية في المملكة، ليس مجرد ملف فردي، بل هو منعطف يهم كل مغربي عجز يوما عن تأمين علاجه.

القصة تبدو للوهلة الأولى كحكاية إنسانية عابرة، لكنها في العمق درس دستوري وقانوني من العيار الثقيل. فهي تجيب عن سؤال ظل معلقا لسنوات: هل الحق في الصحة مجرد شعار جميل في الدستور، أم التزام حقيقي يمكن أن يفرضه القاضي على الدولة بقوة القانون؟

من ملف مواطنة إلى مبدأ قضائي

الوقائع في جوهرها واضحة. مواطنة أجرت فحوصات طبية أثبتت حاجتها إلى تدخل جراحي دقيق في الدماغ. وبالنظر إلى وضعها المادي الهش، راسلت وزير الصحة والجهات المعنية طلبا للمساعدة، لكن مراسلاتها ظلت بلا جدوى. هنا فقط، وبعد أن استُنفدت كل الأبواب، لجأت إلى المحكمة الإدارية تطالب بإلزام الدولة بتوفير العلاج اللازم لها.

المحكمة الإدارية استجابت وألزمت الدولة بتوفير العلاج على نفقتها. لكن الدولة لم تستسلم، فاستأنفت الحكم. وأيدت محكمة الاستئناف الإدارية القرار الابتدائي. ومن هناك دخل الملف في دوامة قضائية طويلة من الطعن بالنقض والإحالة، ذهابا وإيابا، إلى أن استقر الأمر أخيرا على تأييد الحكم القاضي بتوفير العلاج. ثلاث درجات من التقاضي، وسنوات من المساطر، لتنتصر في النهاية قاعدة واحدة بسيطة: للمواطن حق في العلاج تضمنه الدولة.

الفصل 31: النص الذي حسم المعركة

مربط الفرس في هذا القرار كله هو الفصل 31 من الدستور. فمنذ دستور 2011، لم يعد الحق في الصحة مجرد تطلع أخلاقي، بل صار حقا مدسترا صريحا. ينص هذا الفصل على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنين، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية.

عبارة “على قدم المساواة” هي بالضبط ما استندت إليه المحكمة. فالمساواة في الولوج إلى العلاج تعني أن الفقير والغني سواء أمام حقه في الحياة والصحة. وحين تعجز مواطنة عن أداء تكاليف عملية متوفرة أصلا في المستشفيات الوطنية، فإن ترك حالتها للإهمال يخرق هذا المبدأ الدستوري في الصميم. لهذا اعتبرت المحكمة أن الدولة مجبرة على توفير العلاج تطبيقا للفصل 31، لا تفضلا ولا إحسانا.

كيف دافعت الدولة عن نفسها، ولماذا سقطت دفوعها؟

الجانب الأكثر إثارة في هذا الملف هو الحجج التي تقدمت بها الدولة للتملص من الحكم، وكيف فنّدتها محكمة النقض واحدة تلو الأخرى (أنظر القرار عدد 3/1550 المؤرخ في 2019/10/17، ملف إداري عدد 2018/3/4/1583).

الدفع الأول كان تقنيا محضا. زعمت الدولة أن القضاء الإداري غير مختص أصلا بالبت في طلب توفير العلاج، وأنه تجاوز صلاحياته. لكن محكمة النقض ردت هذا الدفع بأنه سبق البت فيه واستبعاده في مرحلة سابقة من نفس النزاع، فلم يعد قائما ولا مقبولا إثارته من جديد.

الدفع الثاني كان أكثر عمقا. قالت الدولة إن الحكم اعتمد على مواثيق دولية دون التأكد من استيفائها لشروط التطبيق، ومنها المصادقة عليها ونشرها في الجريدة الرسمية. وأضافت أنه لا يوجد التزام يجعل التطبيب مجانيا بالكامل لكل الحالات، وأن تحميلها مسؤولية عن خطأ مفترض غير مبرر.

هنا جاء رد محكمة النقض حاسما وذكيا. فقد أوضحت أن الحكم لم يبنِ أساسه فقط على المواثيق الدولية، بل ارتكز أولا على الخبرة الطبية التي أثبتت أن المرض قابل للعلاج داخل المستشفيات الوطنية وبعض المستشفيات الجهوية، وثانيا على الفصل 31 من الدستور مباشرة. وبما أن الدستور هو القانون الأسمى في الدولة، فإن عدم التذكير بإجراءات نشر المعاهدات لا يعيب القرار ولا ينال من صحته. بعبارة أخرى، حتى لو تجاوزنا الجدل حول المواثيق الدولية، يبقى النص الدستوري وحده كافيا لإلزام الدولة.

رحلة الملف عبر درجات القضاء

لتوضيح المسار المعقد الذي قطعه هذا النزاع قبل أن يستقر، يمكن تلخيص محطاته الكبرى على هذا النحو.

المرحلةما جرى فيها
المحكمة الإداريةحكم بإلزام الدولة بتوفير العلاج على نفقتها
محكمة الاستئناف الإداريةتأييد الحكم الابتدائي
الطعن بالنقض والإحالةجولات متعددة من النقض وإعادة النظر
القرار النهائي لمحكمة النقضرفض طعن الدولة وتحميلها كافة الصائر

هذا المسار الطويل يكشف حقيقتين. الأولى أن انتزاع الحق من الدولة عبر القضاء ممكن، لكنه يتطلب نفسا طويلا وصبرا على المساطر. والثانية أن القضاء الإداري المغربي، حين تتوفر لديه القناعة والسند الدستوري، لا يتردد في الوقوف إلى جانب المواطن ولو كان خصمه هو الدولة نفسها.

لماذا يهمك هذا القرار حتى لو كنت بصحة جيدة؟

قد يظن قارئ أن هذه القضية تخص مريضة واحدة في ظرف خاص. لكن قوة الأحكام القضائية تكمن في أنها ترسي مبادئ تتجاوز أصحابها. فهذا القرار يرسل رسالة مزدوجة. إلى المواطن، يقول له إن حقه في العلاج ليس منّة، وإن أبواب القضاء مفتوحة أمامه إذا تخلت الإدارة عن واجبها. وإلى الدولة، يقول لها إن الالتزامات الدستورية ليست حبرا على ورق، وإن القاضي قد يحاسبها على التقصير في تعبئة الوسائل المتاحة.

طبعا، يبقى الطريق القضائي شاقا وطويلا، وليس كل مريض قادرا على خوض معركة تمتد سنوات وهو يصارع المرض في الوقت ذاته. وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: أن ينتصر المبدأ في المحاكم بينما يظل تفعيله على أرض الواقع رهين إمكانيات محدودة وبنية صحية تعاني الخصاص. لكن وجود هذا السند القضائي، في حد ذاته، سلاح لم يكن متوفرا للأجيال السابقة.

في نهاية المطاف، يعيد هذا القرار تعريف العلاقة بين المواطن والدولة في واحد من أكثر المجالات حساسية، وهو الصحة والحياة. لقد تحول الفصل 31 من مجرد وعد دستوري إلى أداة قانونية قابلة للتنفيذ أمام القضاء. يبقى السؤال الأعمق مطروحا: هل يكفي أن ننتزع حقنا في العلاج بأحكام قضائية فردية بعد سنوات من التقاضي، أم أن العدالة الصحية الحقيقية تقتضي أن يحصل كل مغربي على العلاج دون أن يضطر أصلا إلى مقاضاة دولته؟ ما رأيك أنت، أين يكمن الحل الحقيقي؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *