في أبريل 2026، حين عيّن الملك أول مديري المجموعات الصحية الترابية، لم يكن الأمر مجرد تعيينات إدارية عابرة، بل إعلانا رسميا عن انطلاق أعمق تحول في تاريخ المنظومة الصحية المغربية منذ الاستقلال. فمن الآن فصاعدا، لن تُدار صحة المغاربة من مكتب مركزي في الرباط، بل من مؤسسات جهوية مستقلة ماليا وإداريا. لكن خلف هذا الوعد الكبير بالقرب والنجاعة، تختبئ عملية قانونية دقيقة ومعقدة، كشفت عنها مؤخرا عرض رسمي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، حول تدبير “المرحلة الانتقالية والمنازعات”. فما الذي يعنيه هذا التحول قانونيا، ولماذا يهم كل مواطن يلج مستشفى عموميا؟
قانونان يعيدان رسم خريطة الصحة
لفهم حجم ما يجري، لا بد من العودة إلى النصين المؤسسين لهذه الثورة. الأول هو القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية، وهو بمثابة الخيط الناظم للإصلاح الصحي كله. هذا القانون لا يتعامل مع الإصلاح كنقل إداري بسيط للاختصاصات، بل كانتقال جوهري نحو حكامة صحية ترابية تقوم على القرب والنجاعة والإنصاف وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أما النص الثاني، وهو الأكثر حسما، فهو القانون رقم 08.22 المتعلق بإحداث المجموعات الصحية الترابية، الصادر بالظهير الشريف رقم 1.23.50 بتاريخ 28 يونيو 2023. هذا القانون هو الذي حوّل الخيار الإصلاحي إلى واقع مؤسساتي ملموس، إذ نص على إحداث مجموعة صحية ترابية في كل جهة من جهات المملكة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، وتخضع لوصاية الدولة ومراقبتها المالية.
الفكرة الجوهرية هنا، كما لخصها العرض الرسمي، أن هذا التحول يقوم على تراتبية قانونية واضحة: رؤية إصلاحية أولا، ثم إحداث مؤسساتي، ثم تنزيل مرحلي، ثم مواكبة قانونية وقضائية. أي أن نجاح الإصلاح لا يُقاس بصدور النصوص، بل بحسن تدبير الانتقال من نظام إلى آخر دون أن يقع فراغ أو تعثر.
المجموعة الصحية الترابية: ليست فرعا، بل دولة صغيرة للصحة
من أهم ما يجب أن يفهمه المواطن أن المجموعة الصحية الترابية ليست مجرد مصلحة خارجية تابعة للوزارة، بل مؤسسة عمومية جهوية مسؤولة، تتصرف في حدود اختصاصاتها. وهذا التمييز جوهري من الناحية القانونية.
فبموجب المواد الأولى من القانون 08.22، تتولى هذه المجموعة، في حدود مجالها الترابي، تنفيذ سياسة الدولة في مجال الصحة عبر مجالات متكاملة: عرض العلاجات، والصحة العامة، والتكوين والبحث، والإدارة والتدبير. وتقوم حكامتها على فصل وظيفي واضح بين سلطة التوجيه والمداولة داخل مجلس الإدارة، وسلطة التسيير والتنفيذ المخولة للمدير العام.
| العنصر | قبل الإصلاح | بعد المجموعات الصحية الترابية |
|---|---|---|
| مركز القرار | إدارة مركزية بالرباط | مؤسسة جهوية مستقلة |
| الشخصية القانونية | مصلحة تابعة للدولة | شخصية اعتبارية واستقلال مالي |
| التخطيط الصحي | توجيهات مركزية | خريطة صحية جهوية |
| المساءلة | مسؤولية مركزية موزعة | ربط المسؤولية بالمحاسبة جهويا |
هذا الجدول يكشف جوهر التحول: من إدارة صحية مركزية مباشرة، إلى نموذج تتكامل فيه القيادة الوطنية مع التنفيذ الجهوي، مع الحفاظ على وحدة السياسة الصحية للدولة.
البعد الأخطر: من يتحمل مسؤولية النزاعات في مرحلة الانتقال؟
هنا يكمن جوهر العرض الرسمي الذي قدمه مدير التنظيم والمنازعات بالوزارة، الدكتور إبراهيم وخزان، بتاريخ 20 يوليوز 2026. فالانتقال من نظام قديم إلى مؤسسات جديدة يخلق سؤالا قانونيا شائكا: من يكون مسؤولا حين ينشأ نزاع خلال هذه المرحلة الرمادية؟
المادة 23 من القانون 08.22 هي مفتاح فهم هذا الإشكال. فهي تميز بدقة بين تاريخين: تاريخ دخول القانون حيز التنفيذ، وتاريخ آخر يُحدد بمرسوم تبدأ فيه كل مجموعة ممارسة اختصاصاتها فعليا. وبين التاريخين، تبقى الاختصاصات تُمارَس من طرف الإدارة المختصة سابقا أو المركز الاستشفائي الجامعي، كل فيما يخصه، إلى حين صدور المرسوم.
هذا التمييز ليس تفصيلا تقنيا، بل هو صمام أمان قانوني. فكل ملف نزاع، كما يشدد العرض، يجب أن يبدأ بسؤال الاختصاص الزمني والمؤسساتي: من كان مختصا عند نشوء الالتزام، ومن أصبح مسؤولا عند التبليغ أو التنفيذ؟ الخطأ في تحديد الجهة المسؤولة قد يعني توجيه الدفاع أو التنفيذ ضد جهة غير مختصة، وهو ما يُضعف موقف المرفق العمومي أمام القضاء.
انتقال الحقوق والالتزامات: الأرشيف الذي قد يربح أو يخسر قضية
من أكثر النقاط حساسية في المرحلة الانتقالية مسألة انتقال العقود والالتزامات والأملاك والأرشيف. فبموجب المادة 19 من القانون، تحل المجموعات الصحية الترابية محل الدولة والمراكز الاستشفائية الجامعية في حقوقها والتزاماتها المتعلقة بصفقات الدراسات والأشغال والتوريدات والخدمات المبرمة قبل التاريخ المحدد بمرسوم، والتي لم تُسوَّ نهائيا.
أما المادة 20، فتنص على انتقال الأموال المنقولة والعقارية مجانا إلى المجموعة المعنية، إلى جانب نقل الأرشيف والملفات الممسوكة من طرف المصالح اللاممركزة والمراكز الاستشفائية. وهنا يقدم العرض ملاحظة قانونية بالغة الأهمية: الأرشيف ليس مجرد وثائق، بل وسيلة إثبات وحماية للمرفق ولمسؤوليه. فغياب محاضر التسليم أو نقص الوثائق قد يُضعف الدفاع أمام القضاء أو يؤخر تنفيذ الأحكام.
بعبارة أوضح، قد تجد مجموعة صحية ترابية نفسها مطالبة أمام المحكمة بالتزام ورثته عن الدولة، دون أن تملك الوثائق التي تثبت حقها أو تدفع عنها المسؤولية، لمجرد أن عملية نقل الأرشيف لم تتم بشكل موثق. لذلك يوصي العرض بإعداد لوائح جرد ومحاضر تسليم وبطاقات تتبع للملفات ذات المخاطر العالية.
من “وظيفة دفاعية” إلى “أداة حكامة”
الفلسفة العميقة التي يحملها هذا العرض تتجاوز مجرد التدبير التقني للنزاعات. فهو يدعو إلى تغيير جذري في النظرة إلى المنازعة نفسها. المنازعة، حسب هذا التصور، ليست مجرد ملف قضائي يصل بعد التوصل بالمقال، بل هي مؤشر على جودة القرار الإداري وسلامة المسطرة واحترام الآجال.
هذا يعني الانتقال من “التدبير التفاعلي”، الذي ينتظر التبليغ ويبحث متأخرا عن الوثائق فيقدم جوابا ناقصا، إلى “التدبير الوقائي”، الذي يؤمّن القرار منذ بدايته، ويحفظ الوثائق، ويتتبع الآجال، وينسق مبكرا مع الوكالة القضائية للمملكة. باختصار، تتحول القدرة على إدارة النزاع من خط دفاع أخير إلى أداة حكامة استباقية.
يقول باحث مغربي في القانون الإداري والصحي، فضّل عدم الكشف عن اسمه نظرا لمواكبته لأوراش الإصلاح، إن “أخطر ما في أي إصلاح مؤسساتي كبير هو المرحلة الانتقالية، لأنها المنطقة التي يسهل فيها ضياع الحقوق والتنصل من المسؤوليات. عبقرية هذا التوجه أنه لا ينتظر وقوع النزاعات ليعالجها، بل يبني القدرة القانونية داخل كل مجموعة صحية منذ اليوم الأول. فالمواطن الذي يتضرر من خطأ طبي أو تأخر في العلاج، يهمه أن يعرف بوضوح من الجهة المسؤولة قانونا، لا أن يضيع بين إدارة قديمة ومؤسسة جديدة”.
لماذا يهم هذا كل مغربي وليس فقط رجال القانون
قد يبدو الحديث عن الاختصاص الزمني والأرشيف ومحاضر التسليم موضوعا تقنيا جافا، لكن أثره يمس مباشرة تجربة كل مواطن مع المستشفى العمومي. فحين تكون المسؤولية القانونية واضحة، يعرف المريض إلى أي جهة يتوجه للمطالبة بحقه، وتُدار الصفقات والعقود بشفافية، وتُنفَّذ الأحكام القضائية دون تعطيل.
الأعمق من ذلك أن هذا الإصلاح يختبر قدرة الدولة على تحقيق التوازن الدقيق الذي يقوم عليه مفهوم الجهوية المتقدمة: منح الجهات استقلالية حقيقية في التدبير، دون أن يتحول ذلك إلى تفتيت للمسؤولية أو ازدواجية في الاختصاص. فاللامركزية الصحية، إن لم تُؤطَّر بدقة قانونية، قد تنقلب من أداة قرب إلى مصدر فوضى إدارية وقضائية.
هذا الورش يندرج أيضا ضمن سياق أوسع لإصلاح المنظومة الصحية، يشمل تعميم الحماية الاجتماعية، وتوحيد أنظمة التأمين الإجباري عن المرض، وتثمين الموارد البشرية الصحية. أي أن المجموعات الصحية الترابية ليست إصلاحا معزولا، بل حلقة في سلسلة إصلاحات مترابطة يُراد لها أن تعيد بناء ثقة المغاربة في صحتهم العمومية.
في نهاية المطاف، يكشف هذا التحول أن الإصلاحات الكبرى لا تُقاس بجرأة نصوصها القانونية فحسب، بل بدقة تدبير مراحلها الانتقالية، وهي المنطقة التي تُختبر فيها جدية الدولة الحقيقية. فالانتقال من إدارة مركزية عمّرت عقودا إلى مؤسسات جهوية وليدة، رهان معقد يمكن أن ينجح فيصبح نموذجا للجهوية المتقدمة، أو يتعثر فيتحول إلى فراغ قانوني يدفع ثمنه المريض قبل غيره. والسؤال الذي سيحدد مصير هذا الورش: هل تملك المجموعات الصحية الترابية فعلا القدرة القانونية والبشرية لتحمل هذا الانتقال بسلاسة، أم أننا مقبلون على سنوات من التنازع حول الاختصاص والمسؤولية، بينما ينتظر المواطن أن يجد ببساطة طبيبا يعالجه في مستشفى قريب منه؟

أضف تعليقاً