في بلد يكفل دستوره صراحة الحق في التعليم، صدمت الأرقام التي كشفتها هسبريس آلاف الموظفين الطامحين لمواصلة دراستهم العليا: خمسة آلاف درهم للإجازة، ثمانية عشر ألفا للباشلور، خمسة عشر ألفا للماستر، وعشرون ألف درهم سنويا للدكتوراه على مدى أربع سنوات، أي ما مجموعه ثمانون ألف درهم، ثمانية ملايين سنتيم بالحسبة الشعبية، لنيل أعلى شهادة أكاديمية. فهل نحن أمام مجرد تنظيم إداري كما تصفه الحكومة، أم أمام تحول أعمق يمس جوهر مبدأ دستوري ظل لعقود من ثوابت المدرسة العمومية المغربية؟
ما الذي تقوله الأرقام الجديدة بالضبط
بحسب المعطيات التي كشفتها هسبريس نقلا عن مصادرها، فإن كافة الجامعات المغربية ستعتمد رسميا رسوما موحدة للتكوين في نظام التوقيت الميسر ابتداء من الموسم الجامعي المقبل 2026-2027، بعد أن حددت قيمتها “ندوة رؤساء الجامعات”. الرسوم التي أعلنتها جامعة شعيب الدكالي بالجديدة مؤخرا هي نفسها التي ستُعتمد في باقي الجامعات، في انتظار مصادقة مجالسها عليها.
للتوضيح، لا يتعلق الأمر بالتعليم الجامعي العادي المجاني، بل بنظام “التوقيت الميسر”، وهو صيغة موجهة أساسا للموظفين والعاملين في القطاع الخاص الذين يرغبون في متابعة دراستهم خارج أوقات العمل الاعتيادية. أي أن الفئة المستهدفة هنا هي فئة نشيطة اقتصاديا، لها دخل قار، وهو ما تستند إليه الحكومة لتبرير الرسوم.
| السلك الدراسي | الرسم السنوي | ملاحظة |
|---|---|---|
| الإجازة | 5.000 درهم | سنويا |
| الباشلور | 18.000 درهم | سنويا |
| الماستر | 15.000 درهم | سنويا |
| الدكتوراه | 20.000 درهم | سنويا خلال أربع سنوات، أي 80.000 درهم إجمالا |
حجة الحكومة: تنظيم إداري لا مساس بالمجانية
الموقف الرسمي، كما عبر عنه حسين أزدوك، رئيس ندوة رؤساء الجامعات ورئيس جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، واضح: المغرب سيعمل انطلاقا من الدخول الجامعي المقبل برسوم موحدة تماما للتوقيت الميسر. وأكد أن الجامعات اشتغلت على توحيد قيم الرسوم وقدمتها للمجالس، ولم يبق سوى تمريرها.
الحجة الحكومية تقوم على تمييز قانوني دقيق: التعليم الجامعي العادي، بتوقيته النظامي، يبقى مجانيا ومكفولا دستوريا للجميع. أما التوقيت الميسر فهو صيغة إضافية اختيارية، تتطلب تعبئة موارد بيداغوجية خاصة، من بينها تأطير أساتذة يشتغلون خارج توقيت عملهم الرسمي. من هذا المنطلق، تعتبر الحكومة أن الأمر لا يعدو كونه تنظيما إداريا وبيداغوجيا يهدف إلى تيسير متابعة الدراسة للموظفين والأجراء، دون الإخلال بالمجانية المضمونة دستوريا.
وقد لاقت هذه المقاربة تأييدا من بعض الأساتذة الجامعيين أنفسهم. ففي التعليقات على الخبر، كتب أحدهم معرّفا نفسه بـ”أستاذ مؤهل” أن “الإنسان إذا أراد أن يطور مداركه العلمية يجب أن يحك جيبه”، مضيفا أن الأساتذة يبذلون جهدا كبيرا في تأطير القادمين من الوظيفة، وأن أغلبهم يكون مستواهم في البحث العلمي ضعيفا. هذا الرأي يعكس وجهة نظر جزء من الأكاديميين الذين يرون في الرسوم وسيلة لتنقية مسلك الدكتوراه وضمان جدية المترشحين.
الحجة المضادة: ضرب مقنّع لحق دستوري
في المقابل، يرى معارضو القرار أن التمييز بين “توقيت عادي مجاني” و”توقيت ميسر مؤدى عنه” هو تمييز شكلي يخفي مسا حقيقيا بمبدأ المجانية. فالنقابات ووصفت فرض هذه الرسوم بأنه “ضرب في المجانية”، مؤكدة أن مجانية التعليم حق دستوري مكفول لجميع المغاربة، وأنه لا يجب أن يتحول التوقيت الميسر إلى إلزام مؤدى عنه على الموظفين.
المفارقة القانونية هنا عميقة. فالفصل المتعلق بالحق في التعليم في الدستور المغربي لا يميز بين توقيت وآخر، بل يكفل الحق في التعليم والتكوين المستمر. وحين يصبح السبيل الوحيد أمام موظف لمتابعة دراسته العليا هو أداء رسوم قد تصل إلى ثمانين ألف درهم للدكتوراه، فإن السؤال المشروع هو: هل يبقى هذا الحق فعليا في متناول الجميع، أم يتحول إلى امتياز لمن يملك القدرة المالية؟
نبرة الغضب كانت حاضرة بقوة في تفاعل القراء. أحدهم كتب بمرارة أن “الطبقة الفقيرة مسكينة لا وجود لها”، وآخر تساءل ساخرا “جوج د المليون، واش مبغيتوناش نقراو؟”، فيما ذهب ثالث إلى أبعد من ذلك معتبرا أن الأمر أشبه بـ”خوصصة الجامعة المغربية” تحت مسمى التوقيت الميسر، حيث “أصبح ابن الفقراء لا مكان له، وكل شيء بالفلوس”. هذه الأصوات، وإن كانت مجرد تعليقات، تعكس إحساسا شعبيا حقيقيا بأن باب الترقي الاجتماعي عبر التعليم بدأ يضيق.
النقطة الغائبة: وعد الإعفاء المعلق
هنا تظهر نقطة قانونية واجتماعية جوهرية غالبا ما تغيب عن النقاش المتشنج. فندوة رؤساء الجامعات المنعقدة في دجنبر 2025 كانت قد أوصت أيضا بإعفاء الطلبة ذوي الحد الأدنى من الأجور من أداء هذه الرسوم. أي أن هناك وعيا، ولو نظريا، بضرورة حماية الفئات الهشة داخل هذه المنظومة الجديدة.
لكن المشكلة أن هذا الإعفاء لا يزال في طور الدراسة، ولم يتحول بعد إلى إجراء ملزم ومطبق. مصادر جامعية أكدت أن الرسوم الموحدة دخلت حيز التطبيق فعلا، بينما يُرتقب أن تتم دراسة إعفاء ذوي الحد الأدنى للأجر لاحقا، مع بداية الدخول الاجتماعي المقبل. جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس مثلا قررت تشكيل لجنة تتولى تدبير هذا الملف حسب التكوينات التي ستُفتح وعدد الطلبات، مع البت في الطلبات حالة بحالة.
هذا التفاوت في التوقيت بين تطبيق الرسوم فورا وتأجيل الإعفاء يطرح إشكالا قانونيا حقيقيا: فمن الناحية العملية، سيؤدي موظفون ذوو دخل محدود رسوما كاملة في الموسم المقبل، بينما تبقى آلية حمايتهم مجرد وعد قيد الدراسة، دون ضمانة زمنية واضحة لتفعيلها. وهذا بالضبط ما يحول مبدأ الإنصاف المعلن إلى مجرد نية حسنة غير قابلة للتنفيذ الفوري.
لماذا يهم هذا النقاش كل مغربي يفكر في التعلم مدى الحياة
قد يبدو الموضوع خاصا بفئة الموظفين الراغبين في الدراسة، لكن أثره أوسع من ذلك بكثير. فنحن نعيش سنة 2026 في عالم يفرض فيه التطور التكنولوجي المتسارع، خصوصا مع صعود الذكاء الاصطناعي، ضرورة التكوين المستمر وتحديث المهارات باستمرار. وحين يصبح باب التعليم العالي المستمر مشروطا بأداء رسوم مرتفعة، فإن ذلك يمس مباشرة قدرة المجتمع المغربي على تجديد كفاءاته ومواكبة تحولات سوق الشغل.
الأعمق من ذلك أن النقاش يكشف توترا بنيويا في السياسة العمومية: من جهة، تواجه الجامعات إكراهات تمويلية حقيقية، وتحتاج موارد لتطوير إمكانياتها وتعويض الأساتذة المؤطرين. ومن جهة أخرى، هناك التزام دستوري وأخلاقي بعدم تحويل التعليم إلى سلعة تُباع لمن يستطيع الدفع. التوفيق بين هذين المطلبين هو التحدي الحقيقي، وهو ما لا يمكن حله بقرار إداري متسرع، بل يحتاج إلى إطار قانوني واضح يحدد بدقة معايير الإعفاء ويضمن ألا يتحول التوقيت الميسر إلى آلية إقصاء اجتماعي مقنعة.
بعض الأصوات ذهبت أبعد من ذلك، مثيرة تساؤلات حول جدوى الرسوم في ظل ما وصفوه بضعف جودة البحث العلمي أصلا، وانتشار أدوات الذكاء الاصطناعي في إنجاز الأطروحات. وهذا يفتح ملفا موازيا حول مصداقية الشهادات العليا نفسها، بعيدا عن مسألة الرسوم.
يبقى السؤال المعلق الذي سيحدد شرعية هذا القرار في نظر المغاربة: هل ستنجح الجامعات في تفعيل آلية إعفاء عادلة وشفافة لذوي الدخل المحدود قبل أن تتحول ثمانية ملايين سنتيم إلى سور جديد يفصل بين المغاربة وحقهم في التعلم، أم أن مبدأ المجانية الدستوري سيبقى مجرد شعار يُستدعى في الخطب ويُنسى عند التطبيق؟

أضف تعليقاً