في السادس من يوليوز 2026، وبقرار لم يأخذ حقه من النقاش العمومي، وقّع بنك المغرب على واحدة من أهم الخطوات في مسار طويل عنوانه الحد من هيمنة “الكاش” على الاقتصاد الوطني. القرار رقم 265/W/2026 يخفض سقف العمولات المقتطعة من التجار عند كل عملية أداء بالبطاقة البنكية، ويمنح تجار القرب والخدمات الحكومية الرقمية تسعيرة تفضيلية غير مسبوقة. لكن خلف لغة الأرقام والنسب، يختبئ سؤال أعمق: هل يكفي تخفيض بضعة دراهم في كل معاملة لإقناع “مول الحانوت” بالتصالح مع الجهاز البنكي؟
لماذا يقلق الكاش الدولة إلى هذا الحد؟
الأرقام المتداولة منذ سنوات تكشف حجم المفارقة. المغرب من بين الدول التي تسجل أعلى نسب تداول النقد خارج الدائرة البنكية في محيطها الإقليمي، إذ تخرج الأوراق النقدية من الشبابيك ولا تعود إليها إلا جزئياً، لتظل تدور بين أيدي الناس في القطاع غير المهيكل. والنتيجة معروفة: مداخيل ضريبية ضائعة، وصعوبة في تتبع المعاملات، وكتلة نقدية يصعب على السياسة النقدية التحكم فيها.
منذ 2024، اختارت الدولة مقاربة الترغيب بدل الترهيب. في أكتوبر من تلك السنة، حدد بنك المغرب سقف عمولة التبادل البيني في 0.65 في المائة، أي ما يعادل 13 ريالاً على كل 100 درهم يتقاضاها التاجر عبر البطاقة. ثم جاء مجلس المنافسة في ماي 2025 ليضع حداً لشبه احتكار مركز النقديات البيبنكي (CMI) الذي ظل لعقود المتحكم الوحيد في سوق قبول الأداء بالبطاقات، فاتحاً الباب أمام فاعلين جدد مثل مؤسسات الأداء التابعة للأبناك وشركات ناشئة في التكنولوجيا المالية. القرار الأخير ليس إذن حدثاً معزولاً، بل الحلقة الثالثة في سلسلة إصلاح متكامل.
ما الجديد بالأرقام؟
ابتداءً من فاتح أكتوبر 2026، تنخفض العمولات القصوى على الشكل التالي:
| الفئة | السقف القديم (2024) | السقف الجديد (أكتوبر 2026) |
|---|---|---|
| عموم التجار | 0.65% (13 ريالاً لكل 100 درهم) | 0.50% (10 ريالات لكل 100 درهم) |
| تجار القرب | 0.65% | 0.15% (3 ريالات لكل 100 درهم) |
| الخدمات الحكومية الرقمية | 0.65% | 0.15% |
ولتقريب الصورة، تاجر قرب يحقق رواجاً شهرياً بالبطاقة يبلغ 50 ألف درهم، كان يؤدي في أقصى الحالات 325 درهماً شهرياً كعمولات. مع السقف الجديد، لن يتجاوز المبلغ 75 درهماً. فرق يصل إلى 250 درهماً شهرياً، أي ثلاثة آلاف درهم في السنة، وهو رقم له وزنه الحقيقي في ميزانية دكان صغير هامش ربحه محسوب بالسنتيم.
نقطة تستحق التوضيح هنا: هذه النسب هي حدود قصوى وليست تسعيرة موحدة. المحطات الكبرى وسلاسل التوزيع التي تتفاوض بقوة موقعها التجاري كانت تحصل أصلاً على نسب أقل بكثير. الإصلاح موجه بالأساس لمن لا يملك قوة التفاوض، أي التاجر الصغير.
المستهلك خارج المعادلة المالية
من الأسئلة التي تتكرر في نقاشات المقاهي والأسواق: هل سيكلفني الأداء بالبطاقة شيئاً إضافياً؟ الجواب ببساطة: لا. المواطن الذي يمرر بطاقته في جهاز الأداء لا يؤدي أي عمولة على العملية، فالمصاريف التي يتحملها تظل هي نفسها المرتبطة بحسابه البنكي وبطاقته، سواء أدى بها أو لم يؤد. العمولة موضوع الإصلاح تقتطع من التاجر وحده، وهنا بالضبط كان مكمن العزوف: تاجر يرى أن كل عملية بالبطاقة “تنقص له من الربح”، سيفضل الكاش ولو كان جهاز الأداء فوق طاولته.
ومن المفيد التذكير بقاعدة قانونية يجهلها كثيرون: التاجر الذي يتوفر على جهاز أداء إلكتروني اشتغال لا يحق له تعاقدياً رفض الأداء بالبطاقة أو فرض حد أدنى للمشتريات، من قبيل “اللي تحت 100 درهم خلص كاش”. هذه الممارسة، رغم انتشارها، مخالفة لالتزامات التاجر تجاه مؤسسة الأداء المتعاقد معها.
والكاش؟ لن يختفي، لكنه سيصبح مكلفاً في الصفقات الكبرى
لنكن واضحين حتى لا ننساق وراء النقاش الشعبوي: لا توجد أي دولة في العالم ألغت النقد نهائياً، ولا نية للمغرب في إجبار مواطن على أداء ثمن خبزتين بالبطاقة. حرية الاختيار بين الكاش والبطاقة تظل قائمة في المعاملات اليومية.
التضييق الحقيقي يستهدف المبالغ الكبيرة. فمنذ فاتح يوليوز 2026، دخل حيز التنفيذ مقتضى من قانون المالية يفرض رسم تسجيل إضافياً بنسبة 2 في المائة على الجزء المؤدى نقداً في تفويتات العقارات والأصول التجارية التي تتجاوز قيمتها 300 ألف درهم. والتفصيل المهم أن الرسم لا يطبق على كامل الثمن بل على الحصة النقدية وحدها: من اشترى شقة بثمن 800 ألف درهم وأدى منها 100 ألف كاش، سيتحمل 2000 درهم إضافية فقط، تحتسب على المائة ألف غير المتتبعة. الرسالة واضحة: من أراد “النوار” فليؤد ثمنه.
يقول سمسار عقاري من الدار البيضاء، فضل عدم ذكر اسمه، إن أثر الإجراء بدأ يظهر قبل تطبيقه: “من شهر ماي والزبناء كيسولوا على التحويل البنكي والشيك المضمون. حتى اللي كان متعود يجيب الفلوس في ساك ولى كيخاف من الزيادة”.
الحلقة الأضعف: تاجر القرب بين التشجيع والتكلفة الخفية
خفض العمولة إلى 0.15 في المائة خطوة ذكية، لكنها تعالج جزءاً واحداً من معادلة أكبر. فالتاجر الصغير لا يخشى العمولة وحدها، بل يخشى ثلاثة أشياء أخرى لا يتحدث عنها القرار: ثمن جهاز الأداء الذي قد يتراوح بين 3000 و6000 درهم شراءً أو مبلغاً شهرياً كراءً، ومصاريف الصيانة والأوراق الحرارية والاتصال بالإنترنت، ثم الهاجس الأكبر على الإطلاق: الضريبة. كثير من التجار يرون في كل درهم يمر عبر الحساب البنكي أثراً محاسبياً قد تستند إليه إدارة الضرائب لاحقاً، فيفضلون الظل على الضوء.
بعبارة أخرى، نجاح الإصلاح لن يقاس بعدد أجهزة الأداء الموزعة، بل بقدرة الحكومة على تقديم صفقة متكاملة تُشعر التاجر الصغير أن الشفافية لن تتحول إلى عقوبة. تجارب دول قريبة تقدم دروساً في هذا الباب: تركيا ومصر ربطتا التحول الرقمي للتجار الصغار بتحفيزات جبائية صريحة، وليس فقط بتخفيض تكلفة المعاملة.
ما بعد أكتوبر: سوق مفتوحة ومنافسة منتظرة
البعد الذي قد يغير قواعد اللعبة فعلاً على المدى المتوسط هو تحرير سوق قبول الأداء. فبعد إنهاء وضعية الاحتكار التي كانت قائمة، أصبح بإمكان الأبناك ومؤسسات الأداء الجديدة التنافس على استقطاب التجار، بالأسعار وبجودة الخدمة وبسرعة تحويل الأموال إلى الحسابات. ومع دخول السقوف الجديدة حيز التنفيذ، سيجد الفاعلون أنفسهم مضطرين للتنافس تحت سقف أدنى، وهو ما يعني عملياً أن النسب الحقيقية المطبقة قد تنزل دون الحدود القصوى المعلنة، تماماً كما حدث في السوق الأوروبية بعد تقنين عمولات التبادل البيني سنة 2015.
يبقى أن التحول الثقافي أبطأ دائماً من التحول التنظيمي. فالثقة في الكاش ليست مجرد عادة اقتصادية بل سلوك اجتماعي متجذر، والمسافة بين قرار يصدر في الرباط وحانوت في دوار بعيد لا تقاس بالكيلومترات وحدها. القرارات الثلاثة الأخيرة وضعت الأرضية، لكن البناء الحقيقي سيحتاج سنوات من التراكم، ومن الوفاء بوعد بسيط للتاجر الصغير: أن يربح من الشفافية أكثر مما كان يربح من الظل.
فهل تعتقدون أن تخفيض العمولات وحده كافٍ لإقناع تجار القرب بقبول الأداء الإلكتروني، أم أن المدخل الحقيقي هو الإعفاء الضريبي على الرواج الرقمي؟ شاركونا رأيكم في التعليقات.

Leave a Reply