تخيل امرأة قضت عشرين سنة من عمرها تطبخ وتغسل وتربي وتسهر على بيت زوجها، بينما كان راتبها الخاص يذوب يوما بعد يوم في شراء الجبن والدقيق والزيت، فيما كان راتب الزوج يتحول إلى عقار وشقة وحساب بنكي باسمه هو فقط. حين يقع الطلاق بعد كل تلك السنوات، تكتشف هذه المرأة أن القانون يطلب منها إثبات أنها ساهمت “مباشرة” في اقتناء تلك الأملاك، وكأن الطبخ والتربية والسهر لا قيمة قانونية لها. هذا السيناريو ليس افتراضا نظريا، بل هو أحد أكثر الملفات تكرارا أمام المحاكم المغربية، وهو بالضبط ما يحاول الإصلاح الجاري لمدونة الأسرة معالجته اليوم.
المادة 49: النص الذي بدا عادلا لكنه ترك ثغرة كبيرة
منذ صدور مدونة الأسرة سنة 2004، نصت المادة 49 على أن لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، لكنها فتحت في الوقت نفسه إمكانية أن يتفق الزوجان على تدبير الأموال التي ستُكتسب أثناء قيام العلاقة الزوجية، سواء عبر عقد مستقل أو باتفاق لاحق. على الورق، الفكرة جيدة، لأنها تحترم استقلالية كل طرف ماليا وتترك الباب مفتوحا للتراضي.
لكن الإشكال العملي ظهر بسرعة: قلة قليلة جدا من الأزواج المغاربة يوقعون فعليا على هذا النوع من الاتفاقات عند الزواج، إما جهلا بوجودها، أو حرجا من طرحها في لحظة عاطفية لا تحتمل الحديث عن المال. والنتيجة أن أغلب النساء اللواتي يمررن سنوات طويلة في بيت الزوجية دون عقد صريح، يجدن أنفسهن أمام قضاء يشترط إثباتا ماديا مباشرا لأي مساهمة في اقتناء الأملاك، أي فاتورة أو تحويلا بنكيا أو شيكا موقعا. أما المساهمة غير المباشرة، كالعمل المنزلي وتربية الأطفال وتدبير مصاريف البيت اليومية من راتبها الخاص، فكانت غالبا لا تُحتسب قانونيا كأساس كافٍ للمطالبة بحصة من الثروة المشتركة.
الكد والسعاية: مفهوم قديم يعود من الباب الكبير
المثير في هذا النقاش أن الحل ليس مستوردا من الخارج، بل هو مفهوم مغربي أصيل يُعرف باسم “الكد والسعاية”، وهو عرف قديم كان معمولا به تاريخيا في بعض المناطق، خصوصا في جهة سوس ومناطق أخرى ذات امتداد أمازيغي، حيث كانت المحاكم العرفية تعترف بحق المرأة في حصة من الثروة التي ساهمت في بنائها مع زوجها، حتى وإن لم تكن مساهمتها نقدية مباشرة. هذا العرف ظل لعقود حبيس نطاق جغرافي واجتماعي محدود، قبل أن يبدأ القضاء المغربي الحديث، وبعده المشرع، في الالتفات إليه كأداة لسد الثغرة التي تركتها المادة 49.
اليوم، ووفق ما تكشفه أعمال إصلاح مدونة الأسرة الجارية، أصبح القضاء المغربي يتجه نحو الاعتداد بالعمل المنزلي للمرأة كحصة فعلية في تنمية ثروة الأسرة، وليس مجرد واجب زوجي عابر بلا قيمة مادية. بمعنى آخر، السنوات التي تقضيها المرأة في تدبير شؤون البيت وتربية الأبناء يمكن أن تُترجم قانونيا، عند النزاع، إلى نصيب عادل من الأملاك المكتسبة أثناء الزواج، حتى لو لم تحمل اسمها في أي عقد ملكية.
جدول: الفرق بين المقاربتين القديمة والجديدة
| المعيار | المقاربة السابقة (تطبيق حرفي للمادة 49) | التوجه الجديد (دمج الكد والسعاية) |
|---|---|---|
| نوع المساهمة المعتد بها | مالية مباشرة وموثقة فقط | مالية ومنزلية غير مباشرة معا |
| عبء الإثبات | على الزوجة وحدها، وغالبا مستحيل | يمكن الاستناد إلى قرائن وشهادات وسياق الحياة الزوجية |
| النتيجة الشائعة عمليا | خروج الزوجة دون أي نصيب رغم سنوات طويلة | إمكانية الحصول على حصة تعكس المجهود الفعلي |
| الأساس القانوني | المادة 49 فقط | المادة 49 مقترنة بمقاربة الكد والسعاية |
لماذا تعثر التطبيق الفعلي لسنوات طويلة
المفارقة أن هذا النقاش ليس جديدا كليا، فقد سبق للموثقين أنفسهم أن قدموا مقترحات لتعديل مدونة الأسرة تدعو صراحة إلى تعزيز الأمن القانوني في مسألة اقتسام الأموال المكتسبة، انطلاقا من تجربتهم اليومية مع ملفات الطلاق التي يكتشفون فيها حجم الظلم الذي تتعرض له نساء قضين عقودا من حياتهن دون أي ضمانة قانونية واضحة. لكن الطريق نحو تعديل فعلي لم يكن سهلا، إذ عبرت بعض الهيئات، من بينها حركة التوحيد والإصلاح، عن تحفظات على عدد من نقاط الإصلاح المرتبطة بتدبير الأموال المكتسبة، معتبرة أن بعض الصيغ المقترحة تحتاج إلى مزيد من الدقة حتى لا تخلق نزاعات جديدة بدل حلها.
هذا التجاذب بين مطلب الإنصاف ومطلب الدقة القانونية هو بالضبط ما جعل النقاش يستغرق سنوات، لأن أي تعديل في هذا الباب يمس توازنا حساسا بين الذمة المالية المستقلة لكل زوج، وهو مبدأ يحرص عليه الفقه الإسلامي والقانون المغربي معا، وبين ضرورة عدم ترك الطرف الأضعف اقتصاديا، وغالبا ما تكون المرأة، بلا أي حماية بعد انتهاء علاقة زوجية طويلة.
يقول أستاذ قانون خاص بإحدى الكليات المغربية، فضل عدم الكشف عن اسمه نظرا لطبيعة الملف الحساسة اجتماعيا، إن “المشكلة الحقيقية لم تكن يوما في نص المادة 49 بحد ذاته، بل في الفراغ الذي تركه حول كيفية إثبات المساهمة غير النقدية، وهذا الفراغ بالذات هو ما استغلته بعض الأطراف لحرمان الزوجات من أي حق، رغم أن الفقه القضائي في بعض المحاكم كان قد بدأ يعترف بمنطق الكد والسعاية حتى قبل أي تعديل تشريعي رسمي”.
أثر هذا التوجه على الأسر المغربية اليوم
هذا التطور القانوني لا يهم فقط النساء المقبلات على الطلاق، بل يعيد أيضا تشكيل الطريقة التي يفكر بها الأزواج في تدبير أموالهم منذ اليوم الأول للزواج. فحين يعلم الزوج أن العمل المنزلي لزوجته قد يُترجم قانونيا إلى حصة في الأملاك المشتركة، فإن ذلك يشجع، من الناحية العملية، على مزيد من الشفافية في تدبير الشأن المالي للأسرة، بدل الاعتماد على افتراض أن كل ما يُكتسب باسم الزوج فقط يبقى ملكا خالصا له.
كما أن هذا التحول ينسجم مع واقع اجتماعي تغير فعلا خلال العقدين الأخيرين، حيث أصبحت نسبة مهمة من النساء المغربيات يعملن ويساهمن ماليا في بيوتهن، لكن كثيرات منهن ما زلن يقمن، إلى جانب عملهن، بالجزء الأكبر من العبء المنزلي غير المدفوع الأجر، وهو عبء ظل لعقود خارج أي حساب قانوني عند تصفية الذمة المالية بعد الطلاق.
من المفيد أيضا التذكير بأن هذا الإصلاح يأتي في سياق أوسع لمراجعة مدونة الأسرة برمتها، التي انطلقت أعمالها منذ توجيهات ملكية صريحة دعت إلى تحيين المدونة بما يواكب التحولات المجتمعية، مع الحرص على عدم الخروج عن الثوابت الدينية للمملكة، وهو توازن دقيق يفسر لماذا استغرقت هذه الورشة وقتا أطول مما كان متوقعا في البداية.
يبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل هذا الإصلاح هو مدى قدرة المحاكم المغربية على تطبيق هذا المنطق الجديد بشكل موحد وعادل عبر مختلف الجهات، بعيدا عن التفاوت القضائي الذي قد يجعل حظوظ امرأة في الحصول على إنصاف تختلف بشكل كبير حسب المحكمة التي يُطرح أمامها ملفها. فهل سيكفي تحيين النصوص وحده لضمان عدالة فعلية على أرض الواقع، أم أن الأمر يتطلب أيضا تكوينا متخصصا للقضاة وتوحيدا للاجتهاد القضائي في هذا الملف الحساس؟

Leave a Reply