الأحد، 20 شتنبر 2026

هل ينتهي الرهن العرفي للعقارات مع قانون العقار الجديد 2026؟

منذ 16 يوليوز 2026، لم يعد الرهن العرفي للديار ولا بيع الأراضي السلالية أو العشوائية ممكنا خارج مكتب العدل أو الموثق. إليكم ما تغير ولماذا.

يد موثق مغربي توقع عقدا عقاريا رسميا فوق طاولة خشبية في رواق تقليدي مزين بالزليج، في إشارة إلى تحرير العقود العقارية لدى العدول والموثقين بعد قانون 2026

قبل سنوات قليلة، كان يكفي أن يجلس جارك معك على كأس شاي، ويسلّمك عشرة ملايين سنتيم مقابل أن تسكن في داره بكراء رمزي لخمس سنوات، حتى تجد نفسك طرفا في واحدة من أخطر العمليات العقارية التي يمكن أن يُقدم عليها مغربي دون أن يدري. هذا بالضبط ما كان يحدث يوميا في عشرات الأحياء المغربية، تحت مسمى “الرهن” أو “الرهينة”، وهو تقليد اجتماعي عريق تحول مع الوقت إلى منجم ألغام قانوني. اليوم، ومنذ منتصف يوليوز 2026، لم يعد هذا الطريق مفتوحا كما كان بالأمس.

ما الذي تغير فعلا في 16 يوليوز

نُشر في الجريدة الرسمية عدد 7526، بتاريخ 16 يوليوز 2026، القانون رقم 041.25، القاضي بتغيير وتتميم أربعة نصوص قانونية شكّلت لعقود طويلة العمود الفقري للمنظومة العقارية المغربية: مدونة الحقوق العينية رقم 39.08، وظهير الالتزامات والعقود، والقانون 18.00 المتعلق بالملكية المشتركة، والقانون 51.00 الخاص بالإيجار المفضي إلى التملك. جوهر التعديل يتركز في المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية، التي كانت تتيح، إلى جانب المحرر الرسمي الذي ينجزه العدول أو الموثقون، إمكانية اللجوء إلى “المحرر ثابت التاريخ” الذي يحرره محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض.

هذا الباب الثاني أُغلق نهائيا. من الآن فصاعدا، كل تصرف يتعلق بنقل الملكية العقارية، أو بإنشاء حق عيني آخر أو نقله أو تعديله أو إسقاطه، بما في ذلك الوعد بالبيع والوكالات الخاصة به، يجب أن يُحرر حصرا لدى عدل أو موثق، تحت طائلة البطلان المطلق. والبطلان هنا ليس مجرد عيب شكلي يمكن تداركه لاحقا، بل جزاء يجرد العقد من أي قيمة قانونية أمام القضاء، حتى لو وقّع عليه الطرفان بكامل إرادتهما وحسن نيتهما.

والأهم من ذلك أن مفهوم “التصرف العقاري” في نص القانون واسع بما يكفي ليشمل صورا لم يكن كثيرون يتخيلون أنها معنية بالأمر، وعلى رأسها الرهن بجميع أنواعه، باعتباره حقا عينيا عقاريا بامتياز.

الرهن العرفي للعقارات… “كراء” لا يشبه الكراء

لفهم حجم المشكلة، يجب العودة إلى الصيغة التقليدية التي كان يتم بها هذا النوع من الرهن في المغرب. صاحب الدار يعرض شقته أو منزله على شخص يبحث عن سكن، لكن بدل عقد كراء عادي، يقترح عليه صيغة مختلفة: يدفع المستفيد مبلغا كبيرا دفعة واحدة، عشرة ملايين سنتيم أو خمسة عشر مثلا، ويقيم في الدار طيلة مدة متفق عليها، غالبا خمس سنوات، مقابل واجب كراء شهري زهيد لا يتجاوز أحيانا سُدس القيمة الحقيقية للسكن في المنطقة. عند نهاية المدة، يسترجع صاحب الدار مسكنه، ويرد للمستفيد كامل المبلغ الذي تسلمه منه في البداية.

هذه الصيغة، التي يراها كثيرون أداة عملية للحصول على سيولة سريعة دون المرور بالبنوك وفوائدها، تُوثَّق عادة بورقة واحدة عند كاتب عمومي، أو بعقدين منفصلين لا يربط بينهما أي رابط قانوني حقيقي: عقد كراء بمبلغ رمزي، ووثيقة إقرار بدين منفصلة تخص المبلغ الكبير. وهنا بالتحديد يكمن الفخ.

فحين ينتهي الاتفاق ولا يبادر صاحب الدار إلى رد المبلغ في الموعد، يجد نفسه المستفيد أمام معضلة مركبة. فورقة الدين لا تربطه بحقه في البقاء داخل العقار، وقانون الكراء من جهته يمنحه حماية واسعة كمُكترٍ، بحيث لا يمكن إخراجه إلا لثلاثة أسباب حصرية هي التماطل عن أداء الكراء، أو حاجة المالك الشخصية للسكن، أو رغبته في الهدم وإعادة البناء. أما إذا اختار صاحب الدار بيع العقار لطرف ثالث بعقد رسمي موثق لدى عدل أو موثق، بينما يملك الساكن ورقة عرفية فقط، فإن المواجهة أمام القضاء تكون محسومة سلفا لصالح صاحب المحرر الرسمي، والورقة العرفية تصبح عمليا عديمة القيمة الإثباتية.

لماذا تحرك المشرع بهذه الحدة

القرار لم يأتِ من فراغ. فخلال اجتماع للجنة العدل والتشريع بمجلس المستشارين، كشف وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن أرقام تصف بالخطيرة أكثر منها بالمقلقة. نحو سبعين ملفا معروضا أمام النيابة العامة، وقرابة ستين محاميا يتابعون قضائيا في قضايا مرتبطة بتحرير عقود عقارية، من بينهم ثلاثون رهن الاعتقال، فضلا عن موظفين بكتابة الضبط يقبعون هم أيضا خلف القضبان على خلفية ملفات مماثلة.

من بين الحالات التي استحضرها الوزير، عمليات بيع لأراضٍ تصل مساحتها إلى نحو مئتي هكتار، اعتمادا على وثائق تعود إلى عشرينيات القرن الماضي لا تصمد أمام أي تدقيق جدي. وأشار أيضا إلى أشخاص انتحلوا صفة محامين وحرروا عقودا مقابل مبالغ لا تتجاوز ثلاثمائة درهم، وهو ما فتح الباب أمام موجة من النزاعات العقارية المعقدة أمام المحاكم.

المفارقة أن جزءا كبيرا من هذه الملفات كان يمس بالتحديد الأراضي السلالية وأراضي الجموع، وهي أملاك جماعية لا يحق لأي فرد التصرف فيها بمفرده مهما بلغت صفته أو نفوذه. وزارة الداخلية، من جهتها، كانت قد رفعت شكايات متكررة إلى وزارة العدل حول هذا النزيف المستمر، ما دفع الوزير إلى القول صراحة إن الهدف من التعديل هو حماية أملاك الدولة والجماعات من عمليات تفويت مشبوهة تكررت لسنوات دون رادع فعلي.

الداخلية تُقفل الباب من الجهة الأخرى

الأمر لم يتوقف عند وزارة العدل. فقبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، كانت وزارة الداخلية قد وجّهت بدورها، بتاريخ الثاني والثاني عشر من يونيو 2026، دوريتين متتاليتين إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، تمنعان بشكل مطلق قيام الجماعات الترابية والمقاطعات بتصحيح الإمضاء على أي وثيقة أو محرر عرفي يهدف، بشكل صريح أو ضمني، إلى نقل أو ترتيب أو الإقرار بحق عيني عقاري خارج الأشكال القانونية المعتمدة.

استندت الدورية إلى المادة التاسعة من المرسوم رقم 2.22.047، الذي يُلزم مصالح الإشهاد بالامتناع عن التصديق على أي وثيقة تخالف النظام العام. والرسالة كانت واضحة لكل من كان يعتقد أن تصحيح الإمضاء في المقاطعة أو الجماعة يمنح ورقته العرفية شرعية ما: هذا الباب أيضا أُغلق، وأي موظف يخالف التعليمات يعرّض نفسه للمساءلة الإدارية والتأديبية.

بمعنى آخر، القانون الجديد لم يترك للممارسات العرفية أي منفذ جانبي، لا من طرف المحامين، ولا من طرف الجماعات، ولا من طرف كتّاب عموميين اعتادوا تحرير عقود لا تحمل أي قيمة قانونية حقيقية أمام القضاء.

من العشوائي إلى السلالي، نفس المرض بأسماء مختلفة

المنطق نفسه ينطبق على فئات أخرى من العقارات كانت ولا تزال محط تداول واسع خارج الأطر القانونية. العقارات العشوائية، أي المباني المشيدة دون رخصة أو خارج مناطق البناء المسموح بها، لا تسقط مخالفتها بالتقادم مهما طال الزمن، حتى وإن كانت الغرامة المرتبطة بها تتقادم بعد أربع سنوات. من يشتري عقارا من هذا النوع يرث المخالفة كاملة، وقد يجد نفسه مُجبرا على إصلاح الوضعية أو أداء غرامات إضافية.

الأراضي السلالية بدورها تبقى خارج دائرة البيع بشكل قاطع. فهي ملك جماعي لذوي الحقوق داخل الجماعة السلالية، ولا يمكن لأي فرد منهم، مهما كانت صفته، أن يفوّتها لشخص خارج الجماعة. أقصى ما يمكن التصرف فيه أحيانا هو حق الانتفاع أو الاستغلال، وليس الملكية بمفهومها الكامل. أما أراضي الجموع، وأملاك الدولة، والأراضي الموجودة في طور التحفيظ التي لم تُحسم بعد وضعيتها القانونية، فكلها عقارات تتطلب حذرا مضاعفا، لأن أي تفويت غير قانوني بشأنها يعرّض المشتري لخسارة ماله دون أي تعويض مضمون.

ماذا يعني هذا لمن يفكر في الرهن أو الشراء اليوم

الرسالة العملية بسيطة، وإن كانت تتطلب تغييرا في العادات المتجذرة. أي شخص يفكر في رهن داره أو اقتناء مبلغ كبير مقابل السكن فيها، أو أي شخص يعرض على غيره الاستفادة من عقاره بهذه الصيغة، مطالب اليوم بالمرور عبر عدل أو موثق، وتحرير عقد رهن حيازي رسمي، يوضح المبلغ المُسلَّم، ومدة الرهن، وشروط استرجاع العقار، ويُسجَّل رسميا لدى المحكمة. هذا الإجراء وحده كفيل بتحويل العلاقة من مغامرة قائمة على الثقة الشخصية إلى التزام قانوني قابل للتنفيذ الجبري عند الحاجة.

الجدول التالي يلخص الفرق بين ما كان معمولا به قبل 16 يوليوز 2026 وما أصبح ساريا اليوم:

الجهةقبل 16 يوليوز 2026بعد 16 يوليوز 2026
المحامي المقبول لدى محكمة النقضيحق له تحرير محرر ثابت التاريخلم يعد له أي اختصاص في تحرير عقود العقار
الكاتب العموميعقوده تُصحَّح لدى الجماعة أحياناممنوع تصحيح إمضاء أي وثيقة عقارية عرفية لديه
موظف الجماعة أو المقاطعةكان يصحح الإمضاء دون تدقيق معمقمُلزَم بالامتناع المطلق تحت طائلة المساءلة
العدل والموثقشريكان في الاختصاص مع المحاميالجهتان الوحيدتان المخوّلتان قانونا

وبالنسبة لمن يمتلك اليوم عقدا عرفيا قديما، سواء تعلق الأمر برهن أو ببيع أو بتنازل، فإن العقود المبرمة قبل تاريخ 16 يوليوز 2026 من طرف محامين مستوفين للشروط تبقى صحيحة، لأن القانون لا يسري بأثر رجعي. لكن أي عقد جديد يُبرم اليوم خارج هذا الإطار يُعتبر باطلا بطلانا مطلقا، ولا يرتب أي أثر قانوني، مهما كانت حسن نية أطرافه.

هذا التحول لا يخدم فقط من يمتلك المال ليقرضه، بل يحمي بالدرجة نفسها صاحب الدار الذي كان يخاطر بسقف رأسه دون أن يدري، ويحمي أيضا من يفكر في اقتناء عقار ظنا منه أن ورقة موقّعة من الطرفين كافية لضمان حقه. فالثقة وحدها لم تعد تكفي في سوق عقاري تحوّل، خلال سنوات قليلة، إلى ساحة نزاعات معقدة أمام المحاكم.

فهل ستنجح هذه الصرامة القانونية في تجفيف منابع التلاعب العقاري فعلا، أم أن السوق العرفي سيبتكر، كعادته، طرقا جديدة للالتفاف على النص قبل أن يستوعب الجميع حجم المخاطرة؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *