يكفي أن يتغير رقم واحد في السجل الاجتماعي الموحد حتى ينتقل مواطن مغربي من الاستفادة المجانية بالتغطية الصحية إلى لائحة المدينين للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، دون أن يستلم أي إشعار مسبق، ودون أن يعرف أصلا أنه أصبح مسجلا. هذه ليست فرضية نظرية، بل واقع يعيشه اليوم آلاف الحرفيين والتجار وأصحاب المهن الحرة عبر المغرب، في ظل تعميم الحماية الاجتماعية الذي وضعته الدولة كأحد أكبر أوراشها منذ سنوات.
القصة تبدأ ببساطة ظاهرية. يقول القانون إن التغطية الصحية إجبارية على كل المغاربة، وهذا صحيح من حيث المبدأ. لكن خلف هذه الجملة القصيرة تختبئ آلية إدارية معقدة تجمع بين نظامين مختلفين تماما في المنطق والتمويل، وتترك هامشا واسعا للالتباس، خصوصا عند فئة العمال غير الأجراء، أي كل من يشتغل لحسابه الخاص من سائقي الطاكسي إلى الصناع التقليديين مرورا بالفلاحين وأصحاب المهن الحرة.
نظامان تحت سقف واحد لا يشتغلان بنفس المنطق
الفكرة الأساسية التي تحكم منظومة التأمين الإجباري عن المرض هي التمييز بين من يستطيع أن يؤدي اشتراكاته ومن لا يستطيع. من كان مؤشره الاجتماعي الاقتصادي بالسجل الاجتماعي الموحد أقل من عتبة معينة، وهي حاليا محددة عند 9,3264284 نقطة، يعتبر في وضعية هشاشة، فتتكفل الدولة بأداء اشتراكه ضمن نظام “أمو تضامن“، الذي خلف نظام الراميد السابق ابتداء من فاتح دجنبر 2022. أما من يتجاوز هذه العتبة، فينتقل تلقائيا إلى خانة القادرين على الأداء، ويصبح ملزما بتسجيل نفسه ضمن “أمو الشامل” وأداء اشتراك شهري يبدأ من حوالي 150 درهم للأسرة، ويمكن أن يرتفع إلى ما يقارب 1000 درهم حسب الدخل المصرح به.
حتى هنا، المنطق مفهوم ومنسجم مع فلسفة العدالة الاجتماعية التي تقوم عليها ورش الحماية الاجتماعية. لكن الإشكال الحقيقي يظهر عند فئة العمال غير الأجراء بالذات، لأن آلية إدماجهم في المنظومة لا تنتظر أي طلب أو موافقة منهم. فبمجرد أن يتوفر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على معطى يثبت ممارسة نشاط مهني أو تجاري أو حرفي، سواء عبر التسجيل الضريبي، أو السجل التجاري، أو غرفة مهنية، أو بطاقة مهنية، أو حتى تعامل مع جمعية أو تعاونية، يتم تسجيل الشخص آليا في “أمو الشامل” كعامل غير أجير، بغض النظر عن معرفته بذلك من عدمها.
هذا التفصيل بالذات هو ما يفسر شهادات متكررة لأشخاص يكتشفون فجأة أن الصندوق قد جمع عليهم أشهرا، بل أحيانا سنوات، من الاشتراكات غير المؤداة، رغم أنهم لم يتسلموا استدعاء ولم يوقعوا على أي التزام مباشر.
عندما يصبح الباب الذي دخلت منه مغلقا خلفك
الفرق الجوهري بين الفئتين لا يقتصر على طريقة التسجيل، بل يمتد إلى إمكانية الخروج من المنظومة. فالعامل غير الأجير الذي هبط مؤشره الاجتماعي الاقتصادي إلى ما دون 32 نقطة يحتفظ بحقه الكامل في الانتقال إلى “أمو تضامن” والاستفادة من التغطية بالمجان، لأن انتماءه الأصلي كان مبنيا على نشاط مهني موثق يمكن معالجته إداريا بوضوح.
الوضعية تختلف جذريا بالنسبة لمن دخل إلى “أمو الشامل” طواعية، أي شخص لم يكن يستوفي شروط النشاط المهني الموجب للتسجيل التلقائي، لكنه تقدم بنفسه طلبا للاستفادة من التغطية الصحية رغم أن مؤشره كان أصلا فوق العتبة. في هذه الحالة، يصبح الباب مغلقا من الداخل بمجرد التسجيل. فالقانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية يمنح صاحب الطلب حرية الاختيار في الدخول، لكنه لا يمنحه بالمقابل حرية الخروج الأحادي بمجرد أن يصبح جزءا من المنظومة، إلى أن تتغير وضعيته المهنية بشكل رسمي، إما عبر التوظيف كأجير فيصبح مشمولا بتغطية جهة عمله، أو عبر ممارسة نشاط حر موثق يمكنه تحويل صفته إليه.
هذا الفارق الدقيق بين من يدخل بحكم القانون ومن يدخل بمحض إرادته، غالبا ما يمر دون أن يفهمه المواطن العادي وقت التسجيل، وهو ما يفسر جزءا كبيرا من حالات الاستغراب والاحتجاج اللاحقة.
| المعيار | أمو تضامن | أمو الشامل للعمال غير الأجراء |
|---|---|---|
| الفئة المستهدفة | مؤشر السجل الاجتماعي الموحد أقل من العتبة | مؤشر السجل الاجتماعي الموحد أعلى من العتبة أو نشاط مهني موثق |
| طريقة التمويل | تتحمله الدولة كاملا | اشتراك شهري يؤديه المعني بالأمر |
| التسجيل | بطلب من المعني أو تلقائيا عبر الراميد سابقا | تلقائي بمجرد توفر معطى مهني، أو بطلب طوعي |
| إمكانية الخروج | لا ينطبق، الاستفادة مجانية | مشروطة بتغيير الوضعية المهنية أو انخفاض المؤشر لحالة التسجيل التلقائي فقط |
عفو 2024 قصة انتهت ولم تعد قائمة
من بين أكثر النقاط التي تسبب لبسا واسعا اليوم، ما يتردد حول وجود عفو حالي بخصوص ديون الضمان الاجتماعي المتراكمة على العمال غير الأجراء. الحقيقة أن هذا الإجراء كان استثنائيا وله تاريخ محدد. ففي بداية سنة 2024، أقر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إعفاء لفائدة العمال غير الأجراء الذين تراكمت عليهم اشتراكات غير مؤداة قبل تلك السنة، شريطة أن يستأنفوا الأداء بانتظام ابتداء من الأشهر الأولى لسنة 2024. من التزم بهذا الشرط استفاد فعليا من محو الدين القديم، ومن لم يستمر في الأداء فقد الاستفادة من الإعفاء تلقائيا.
اليوم، ومع تداول مقاطع فيديو قديمة على منصات التواصل الاجتماعي دون إشارة إلى تاريخها، يعتقد كثيرون خطأ أن هذا العفو ما زال قائما أو أنه إجراء دوري متكرر. لا وجود حاليا لأي إعفاء جديد من هذا النوع، والديون المتراكمة اليوم تخضع لمساطر التحصيل العادية، وهو ما يجعل التحقق من مصدر أي معلومة متداولة وتاريخها خطوة أساسية قبل بناء أي قرار عليها.
ثلاث وضعيات ثلاثة مصائر مختلفة
حين يتلقى شخص إشعارا بدين متراكم لدى الضمان الاجتماعي كعامل غير أجير، فإن الحل يختلف جذريا حسب وضعيته الفعلية، ويمكن حصر ذلك في ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول يخص من سُجل بالخطأ رغم أنه لم يمارس النشاط المهني المعني أصلا، أو أنه لم يعد يمارسه منذ فترة طويلة. في هذه الحالة، الإثبات الشفوي لا قيمة له أمام الصندوق، والمطلوب هو وثيقة رسمية تثبت التشطيب من الجهة المسجل بها، سواء كانت الغرفة المهنية أو المصلحة الضريبية أو السجل التجاري. من يتوفر على هذا الإثبات يحق له مطالبة الصندوق بمحو الدين، وفي حال الرفض، يبقى الطريق القضائي مفتوحا للمطالبة بالتشطيب وحتى بالتعويض عن الضرر.
السيناريو الثاني، وهو الأكثر شيوعا بحسب متابعين لملفات مماثلة، يخص من توقف فعليا عن ممارسة نشاطه لكنه لم يقم بإجراءات التشطيب الرسمية. هذا الخلط بين التوقف الفعلي والتوقف الإداري هو ما يجعل الديون تتواصل في التراكم شهرا بعد شهر، لأن الصندوق لا يتوقف عن الاحتساب إلا بناء على وثيقة رسمية. الحل هنا يمر عبر إتمام إجراءات التشطيب أولا، ثم التفاوض مع الصندوق بخصوص الدين المتراكم قبل تاريخ التشطيب.
أما السيناريو الثالث فيخص من لا يزال يمارس نشاطه فعليا لكنه لم يؤد اشتراكاته. هنا لا مجال للتفاوض حول أصل الالتزام، لأن القانون يفرض الأداء بشكل صريح، لكن هامش التفاوض يبقى متاحا بخصوص طريقة تسوية الدين وليس حول وجوده.
هامش التفاوض موجود لكنه ليس تلقائيا
خلافا لما قد يظن البعض، فإن التعامل مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ليس معادلة صارمة بدون أي مرونة. المعنيون بالأمر يمكنهم التقدم بطلب رسمي لتخفيض غرامات التأخير أو حتى إسقاطها كليا، وتشير تجارب متداولة بين الحرفيين والمهنيين إلى أن نسب تخفيض تصل إلى ما بين خمسين وستين بالمائة من قيمة الغرامات ليست استثناء نادرا، خصوصا حين يبدي المدين استعداده الجاد لتسوية وضعيته والاستمرار في الأداء مستقبلا.
كما يبقى تقسيط المبلغ المتبقي على دفعات شهرية خيارا متاحا، وهو ما يخفف العبء عن أصحاب الدخل المحدود الذين قد يجدون أنفسهم أمام مبالغ تصل إلى ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف درهم دفعة واحدة. لكن هذا الخيار يبقى مرتبطا أساسا بنية المدين في مواصلة الاستفادة من التغطية، إذ يصعب الحصول على تسهيلات مماثلة من شخص ينوي مغادرة المنظومة نهائيا.
يقول أحد أصحاب المهن الحرة الذين خاضوا هذه التجربة في مدينة أكادير: “لم أكن أعرف أن التسجيل تلقائي، اكتشفت الأمر فقط حين تقدمت لطلب استفادة صحية عادية ورُفض طلبي بسبب دين قديم. بعد أن قدمت طلبا للتفاوض، تمكنت من تخفيض الغرامات بشكل كبير والتزمت بتقسيط الباقي.” هذه الشهادة، وإن كانت فردية، تلخص نمطا يتكرر لدى شريحة واسعة من العمال غير الأجراء عبر المغرب.
الثمن الحقيقي لا يقتصر على المال
التأخر في الأداء لا يعني فقط تراكم الغرامات، بل يعني أيضا تعليقا فوريا للحق في التغطية الصحية، حتى لو كان التأخر بشهر واحد فقط. والأخطر من ذلك أن العودة إلى الأداء بعد فترة انقطاع لا تعيد الاستفادة بشكل آني، بل تفرض فترة تربص تمتد عادة بين ثلاثة وأربعة أشهر قبل تفعيل الحق من جديد. هذا يعني عمليا أن المريض الذي يحتاج إلى تغطية صحية فورية قد يجد نفسه بدون حماية في أحرج لحظة، رغم استئنافه للأداء.
بالإضافة إلى ذلك، فإن المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي المباشر يفقدون هذا الدعم بمجرد توقفهم عن أداء اشتراكاتهم، ولا يستعيدونه إلا بعد تسوية كامل المتأخرات المطلوبة، وهي معادلة قاسية تضاعف من هشاشة الأسر التي تعتمد أصلا على هذا الدعم لتغطية احتياجاتها الأساسية.
حين يتحول الدين إلى تحصيل جبري
القانون يمنح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي صلاحية معاملة هذه الديون كديون عمومية، وهو ما يفتح الباب أمام مسطرة التحصيل الجبري في حال استمرار عدم الأداء بعد توصل المعني بإنذار رسمي. عمليا، يعني هذا أن الصندوق يمكنه حجز المبالغ المتوفرة مباشرة من الحساب البنكي للمدين، دون الحاجة إلى إجراءات قضائية طويلة، بما أن الأمر يدخل ضمن آليات التحصيل الإداري المعترف بها قانونا لفائدة المؤسسات العمومية.
هذا المعطى وحده كاف لتوضيح حجم الرهان، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد نزاع إداري بسيط يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى، بل بآلية فعلية قادرة على المساس المباشر بالوضع المالي للمواطن دون سابق إنذار كاف في كثير من الأحيان.
نقطة أخيرة تستحق الانتباه بالنسبة لأصحاب الأنشطة المهنية الموثقة، وهي أن انخفاض المؤشر الاجتماعي الاقتصادي إلى ما دون العتبة لا يعفيهم تلقائيا من أداء اشتراكاتهم المرتبطة بنشاطهم المهني، لأن الحق في “أمو تضامن” يبقى مرتبطا بغياب أي نشاط مهني موجب للتسجيل ضمن “أمو الشامل”، وليس فقط بمستوى الدخل المصرح به بالسجل الاجتماعي الموحد.
بين الرغبة في تعميم حماية اجتماعية عادلة، وواقع منظومة رقمية لا تترك دائما هامشا كافيا للتوضيح والمرافقة، يجد كثير من المغاربة أنفسهم أمام معادلة إدارية معقدة يكتشفون تفاصيلها غالبا بعد فوات الأوان. فهل ما زالت آليات التسجيل التلقائي بحاجة إلى مراجعة تضمن إخبار المواطن بشكل استباقي قبل أن يتحول إلى مدين دون علمه؟

أضف تعليقاً