تخيل أنك تمر في زنقتك المعتادة، فتجد جروا صغيرا يرتجف من الجوع، فتقرر أن تضع له بقايا خبز. حركة عفوية كان يقوم بها المغاربة منذ أجيال دون أن يفكروا فيها مرتين. لكن منذ نهاية يوليوز 2026، صارت هذه اللفتة نفسها قد تعرضك لغرامة مالية. القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة ورعايتها والوقاية من أخطارها دخل حيز التنفيذ، وهو يعيد رسم علاقة المغربي بالكلب والقط في الفضاء العام بشكل جذري، ويثير في الوقت نفسه نقاشا أخلاقيا وقانونيا لم يهدأ منذ لحظة الإعلان عنه.
نص وُلد تحت الأضواء الدولية
لفهم هذا القانون، يجب أولا وضعه في سياقه الحقيقي. فهو لم يصدر في فراغ. جاء وسط حملة دولية شرسة اتهمت المغرب بإبادة كلاب الشوارع استعدادا لاستضافة كأس العالم 2030 التي سينظمها إلى جانب إسبانيا والبرتغال. منظمات حقوق الحيوان تحدثت عن ثلاثة ملايين كلب ضال مهددين بالقتل، ووجهت رسائل إلى الفيفا، بل إن أسماء عالمية مثل عالمة الرئيسيات جين غودال والممثل مارك رافالو دخلت على الخط. الرباط نفت بشكل قاطع وجود أي حملة إبادة، وتحدثت عن التزامها بمقاربة إنسانية قائمة على التعقيم والتلقيح وإعادة الإطلاق.
في خضم هذا الجدل، صدر الظهير الشريف رقم 1.26.55 بتاريخ 28 يوليوز 2026، ونُشر القانون في العدد 7533 من الجريدة الرسمية. النص إذن يحمل بصمة هذه المعادلة الصعبة: كيف تحمي الحيوان وترضي الرأي العام الدولي، وفي الوقت نفسه تطمئن مواطنا يخاف على أبنائه من عضة كلب مسعور؟
المفارقة التي أثارت غضب الحقوقيين
هنا يكمن أكثر ما يلفت الانتباه في القانون. فالنص من جهة يجرم العنف ضد الحيوان، ومن جهة أخرى يجرم الرأفة به في الفضاء العام. تناقض ظاهري صادم دفع فاعلين حقوقيين إلى وصف بعض مواده بأنها غير إنسانية.
المادة الخامسة تنص بوضوح على أنه لا يجوز لأي شخص أن يقوم برعاية حيوان ضال، سواء بإيوائه أو إطعامه أو علاجه. وتأتي المادة 44 لتترجم هذا المنع إلى عقوبة ملموسة: غرامة تتراوح بين 500 و2000 درهم لكل من يخالف أحكام المادة الخامسة، فيؤوي حيوانا ضالا أو يطعمه أو يعالجه في الفضاءات العامة، وعلى رأسها الشارع العام والمباني السكنية المشتركة والأماكن المفتوحة للعموم.
منطق المشرع هنا واضح، حتى وإن بدا قاسيا. فالإطعام العشوائي في الشارع، من وجهة نظر القانون، يشجع على تجمع الحيوانات الضالة وتكاثرها في نقاط محددة، ويحولها إلى بؤر قد تنقل داء الكلب. لكن الجمعيات الحقوقية ترى في الأمر تجريما للتعاطف الإنساني، ومعاقبة لمن يحاول أن يخفف معاناة كائن حي بدل أن تتكفل به الدولة.
الوجه الآخر للقانون، حماية حقيقية للحيوان
في المقابل، سيكون من الإجحاف اختزال القانون في منع الإطعام. فالنص يحمل عقوبات مشددة ضد كل أشكال العنف والقسوة، وهذا في حد ذاته تحول تشريعي مهم في بلد لم يكن يجرم صراحة تعذيب حيوانات الشارع.
المادة 36 تعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر وبغرامة من 5000 إلى 20000 درهم، أو بإحدى العقوبتين، كل من تعمد قتل حيوان ضال أو تعذيبه أو إيذائه بأي شكل. مع استثناء واحد صريح: القتل الرحيم المنجز وفق أحكام القانون، أي حين يكون الحيوان مصابا بمرض خطير أو يشكل خطرا داهما، وبطريقة تحترم كرامته.
الجدول التالي يوضح أبرز العقوبات التي جاء بها القانون:
| المخالفة | العقوبة |
|---|---|
| إطعام أو إيواء أو علاج حيوان ضال في الفضاء العام | غرامة من 500 إلى 2000 درهم |
| قتل أو تعذيب أو إيذاء حيوان ضال عمدا | حبس من شهرين إلى 6 أشهر وغرامة من 5000 إلى 20000 درهم |
| عرقلة عمل لجان المراقبة أو مراكز الرعاية | حبس من شهر إلى 3 أشهر وغرامة من 10000 إلى 35000 درهم |
| إحداث أو تدبير مركز رعاية دون ترخيص | غرامة من 50000 إلى 300000 درهم |
القفزة في قيمة الغرامات بين مخالفة وأخرى ليست اعتباطية. فهي تعكس فلسفة القانون: العقوبة الأخف تخص المواطن العادي الذي يطعم كلبا، بينما تُضرب الغرامات الأثقل على من يدير مراكز غير مرخصة، أي الفاعل المنظم الذي يفترض فيه معرفة القانون وموارد الالتزام به.
منصة إلكترونية وترقيم إجباري
البعد الثالث في القانون، والأقل تداولا إعلاميا، هو تحويل ملكية الحيوانات الأليفة إلى علاقة موثقة رسميا. فالنص يلزم مالكي الحيوانات بالتصريح بها وتسجيلها في منصة إلكترونية، والحصول على رقم تعريفي دائم يرافق الحيوان طوال حياته. المالك مطالب بتحديث البيانات فور أي تغيير، وبالتبليغ عن فقدان حيوانه داخل أجل محدد.
هذا التوجه يقترب مما هو معمول به في عدد من الدول الأوروبية، حيث يصبح كل كلب أو قط أليف كيانا معروف الهوية، لا يتحول بسهولة إلى حيوان ضال حين يتخلى عنه صاحبه. الفكرة ذكية على الورق: إذا كان لكل حيوان مالك مسجل، فإن التخلي عنه في الشارع يصبح مخالفة يمكن تتبعها، لا فعلا يمر دون حساب.
لكن نجاح هذا الجانب رهين بقدرة الإدارة على إخراج المنصة إلى الوجود فعليا، وعلى إقناع ملايين المغاربة بتسجيل حيواناتهم. وهنا يظهر الفارق المعتاد بين النص القانوني وواقع التطبيق، وهو فارق عرفه المغرب في قوانين كثيرة سبقت هذا القانون.
الرهان الحقيقي، بين الردع والتطبيق
يبقى السؤال الأصعب معلقا: هل ستُطبق هذه العقوبات فعلا؟ من الصعب تخيل شرطي يحرر محضرا في حق سيدة مسنة تطعم قطة أمام بيتها. الأرجح أن روح القانون تستهدف الظواهر المنظمة أكثر من الأفراد المعزولين، لكن النص كما هو مكتوب يترك الباب مفتوحا أمام تأويلات واسعة.
المعطيات الرسمية تكشف حجم التحدي. فالمغرب يسجل سنويا نحو 100 ألف حالة عض من طرف كلاب ضالة، وتوفي في سنة 2024 وحدها 33 شخصا بسبب داء الكلب، وهو مرض ينتقل غالبا عبر حيوانات غير ملقحة. هذه الأرقام هي الحجة الأقوى في يد الدولة حين تدافع عن مقاربتها الأمنية، وهي أيضا ما يجعل النقاش أعقد من مجرد ثنائية القسوة والرأفة.
المقاربة التي يراهن عليها القانون تقوم على التعقيم والتلقيم والترقيم، أي جمع الحيوانات ومعالجتها في مراكز مرخصة بدل تركها للإطعام العشوائي في الشارع أو للقتل العشوائي. المشكلة أن هذه المنظومة تتطلب بنية تحتية ضخمة من المراكز والأطر البيطرية والميزانيات، وهي بنية لم تكتمل بعد. وبين لحظة دخول القانون حيز التنفيذ ولحظة توفر هذه البنية، يجد المواطن نفسه أمام منع قانوني للإطعام دون بديل مؤسساتي جاهز يستقبل هذه الحيوانات.
هذا التوقيت هو بالضبط ما يقلق المدافعين عن الحيوان. فحين تمنع الناس من إطعام الكلاب قبل أن تبني ما يكفي من المراكز لإيوائها، فأنت لا تحل المشكلة، بل قد تدفع الحيوانات نحو مصير أسوأ. القانون في جوهره سليم النية، لكن نجاحه لن يقاس بعدد الغرامات المحصلة، بل بعدد المراكز التي ستُفتح، وعدد الحيوانات التي ستُعقم وتُلقح فعلا، وبمدى قدرة الدولة على تحويل نص زجري إلى منظومة رعاية حقيقية.
الأكيد أن المغرب وضع أخيرا إطارا قانونيا لعلاقة ظلت لعقود متروكة للأعراف والاجتهادات المحلية. لكن بين نص يعاقب على القسوة وآخر يعاقب على الرأفة، يبقى الخيط رفيعا بين حماية المواطن وحماية الكائن الذي يشاركه المدينة. فهل ينجح المغرب في بناء المراكز والمنظومة التي تجعل من هذا القانون أداة رعاية حقيقية، أم سيبقى مجرد لائحة غرامات تعاقب البسطاء قبل أن تحل المشكل من جذوره؟

أضف تعليقاً