الأربعاء، 22 يوليوز 2026

حين تتدخل المحكمة الدستورية لإنقاذ الصحافة المغربية من نفسها

قرار دستوري حاسم أعاد تشكيل قانون المجلس الوطني للصحافة بعدما كشف اختلالا في التوازن بين الصحافيين والناشرين، لينتهي بعد أشهر من الفراغ المؤسساتي إلى نص جديد نُشر أخيرا في الجريدة الرسمية.

قاعة مؤسساتية مغربية فارغة برموز رسمية توحي بمداولات قانونية حول تنظيم المجلس الوطني للصحافة

بعد أشهر طويلة من فراغ مؤسساتي أرهق المشهد الإعلامي المغربي، وبعد أن اضطرت الحكومة إلى تمديد ولاية مجلس منتهية الصلاحية ثم تعويضه بلجنة مؤقتة لتسيير الشأن الصحافي، صدر أخيرا في الجريدة الرسمية، بعدد السادس من يوليوز الجاري، القانون الذي طال انتظاره لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. لكن القصة الحقيقية لهذا النص ليست في تاريخ نشره، بل فيما سبقه من معركة قانونية دستورية حادة كشفت هشاشة صياغة أولى كادت أن تحول التنظيم الذاتي للمهنة إلى مجرد واجهة تخدم توازنات اقتصادية بدل توازنات مهنية حقيقية.

قصة إحالة برلمانية غيرت مسار النص بأكمله

في السابع من يناير 2026، تقدمت فرق المعارضة بمجلس النواب، مجتمعة بتسعة وتسعين نائبا وستة وتسعين عضوا حسب توثيق المحكمة الدستورية نفسها، بإحالة تطعن في دستورية تسع مواد من مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، قبل أن يصدر الأمر بتنفيذه. هذه الخطوة، المنصوص عليها في الفصل 132 من الدستور، تتيح لخمس أعضاء مجلس النواب على الأقل إحالة أي قانون قبل تنفيذه للتأكد من مطابقته للوثيقة الدستورية، وهي آلية رقابية أساسية غالبا ما تمر دون أن ينتبه إليها الرأي العام، رغم أثرها الحاسم كما سنرى في هذا الملف بالذات.

بعد الاستماع إلى ملاحظات رئيس الحكومة وأعضاء من مجلسي البرلمان، أصدرت المحكمة الدستورية قرارها رقم 261/26 بتاريخ 22 يناير 2026، وهو قرار لم يكتفِ بفحص المواد التسع المطعون فيها، بل استعمل صلاحيته في إثارة مخالفات دستورية إضافية تلقائيا، وهو ما يعكس حرصا واضحا من القضاء الدستوري على ألا يمر أي خلل بنيوي في نص يمس مباشرة حرية الصحافة، المكفولة بموجب الفصل 28 من الدستور.

التوازن العددي الذي كسر النص الأول

المفارقة الكبرى التي كشفها القرار تتعلق بتركيبة المجلس نفسه. فالمشروع الأصلي كان يمنح فئة الناشرين تسعة مقاعد، مقابل سبعة مقاعد فقط للصحافيين المهنيين المنتخبين، وهو ما اعتبرته المحكمة إخلالا واضحا بمبدأ التوازن والتساوي بين الفئتين المهنيتين، دون أي مبرر موضوعي يسوغ ترجيح كفة الناشرين. والأخطر من ذلك أن المشروع كان يخصص الإشراف على إعداد التقرير السنوي، وهو تقرير حساس يرصد وضعية أخلاقيات المهنة ومؤشرات احترام حرية الممارسة الصحافية، لعضوين فقط من فئة “الناشرين الحكماء”، دون إشراك أي ممثل عن الصحافيين أنفسهم، وهو ما اعتبرته المحكمة استمرارا لنفس الخلل في التوازن.

لكن الاكتشاف الأكثر دلالة في هذا القرار يخص المادة 49 من المشروع الأصلي، والتي كانت تنص على أن المنظمة المهنية التي تحصل على أكبر عدد من الحصص التمثيلية تفوز بجميع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين داخل المجلس، بمنطق “الفائز يأخذ كل شيء”. هذه الصيغة كانت، من الناحية العملية، تفتح الباب أمام احتكار منظمة مهنية واحدة لتمثيل كل الناشرين، وهو ما يتعارض مباشرة مع الفصل الثامن من الدستور الذي ينص صراحة على تعدد المنظمات المهنية للمشغلين، وليس على انفراد واحدة منها بالتمثيل.

جدول: أهم ما أسقطته المحكمة وما أبقت عليه

المادةمضمونها في النص الأصليقرار المحكمة الدستورية
المادة 5 (البند ب)تسعة مقاعد للناشرين مقابل سبعة للصحافيينمخالفة للدستور، إخلال بالتوازن
المادة 4 (الفقرة الأخيرة)إشراف حصري لعضوين ناشرين على التقرير السنويمخالفة للدستور، لنفس علة عدم التوازن
المادة 49فوز المنظمة الأكبر بكل مقاعد الناشرينمخالفة للدستور، مساس بمبدأ التعددية
المادة 57 (الفقرة الأولى)إلزام ألا يكون الرئيس ونائبه من نفس الجنسمخالفة للدستور، غياب آلية تضمن التطبيق
المادة 93رئيس لجنة الأخلاقيات عضو في لجنة الاستئناف التأديبيةمخالفة للدستور، مساس بالحياد
المواد 9، 10، 13، 23، 44، 45، 55لائحة الجرائم التأديبية، حق الاطلاع على الملف، أخطاء صياغة، دراسة المجلس لمشاريع القوانينغير مخالفة للدستور

من اللافت أيضا أن المحكمة أبقت على صلاحية المجلس في دراسة مشاريع القوانين المتعلقة بقطاعه قبل اعتمادها من الحكومة، معتبرة أن ذلك لا يمس مبدأ فصل السلط طالما أن الكلمة الفصل تبقى للبرلمان وفق المسطرة التشريعية العادية. كما اعتبرت أن لائحة الجرائم التأديبية الموجبة للعزل، رغم أنها محصورة في أفعال معينة دون أخرى، تبقى دستورية لأنها تستند إلى معيار موضوعي هو ارتباط الفعل بمقومات النزاهة والثقة العامة اللازمة لعضوية المجلس.

كيف استجابت الحكومة لهذا القرار

بعد صدور القرار، لم يكن أمام الحكومة سوى إعادة صياغة النص بما يستجيب لملاحظات القضاء الدستوري. النسخة المعدلة التي أُحيلت لاحقا على مجلس المستشارين، وصادق عليها هذا الأخير في منتصف يونيو الماضي قبل نشرها في الجريدة الرسمية، أعادت تشكيل المجلس ليضم سبعة عشر عضوا بدل تسعة عشر في النسخة السابقة، موزعين بشكل متوازن بين سبعة ممثلين عن الصحافيين المهنيين المنتخبين، مع شرط صريح بأن تضم هذه الفئة ثلاث صحافيات مهنيات على الأقل، وسبعة ممثلين عن الناشرين تنتدبهم منظماتهم المهنية.

هذا التعديل ليس مجرد إعادة توزيع حسابية للمقاعد، بل هو استجابة مباشرة لفلسفة القرار الدستوري نفسه، الذي ربط بشكل واضح بين التوازن العددي وبين استقلالية التنظيم الذاتي للمهنة المكفولة دستوريا. فحين يميل ميزان التمثيل بشكل غير مبرر لصالح الناشرين، فإن ذلك يحول المجلس، حسب تعبير الجهة المحيلة نفسها الذي تبنته المحكمة ضمنيا، إلى بنية أقرب إلى النفوذ الاقتصادي منه إلى هيئة تمثل فعليا كل مكونات المهنة.

يقول أستاذ باحث في القانون الدستوري بإحدى الجامعات المغربية، فضل عدم الكشف عن اسمه نظرا لطبيعة النقاش السياسي المرتبط بالملف، إن “هذا القرار يُعد من أهم القرارات التي أصدرتها المحكمة الدستورية في السنوات الأخيرة بخصوص حرية الصحافة، لأنه لم يكتفِ بفحص شكلي للنص، بل ذهب إلى جوهر السؤال، وهو من يملك فعليا سلطة القرار داخل هيئة يُفترض أن تحمي استقلالية المهنة، وليس أن تخضعها لموازين القوة الاقتصادية بين الناشرين الكبار والصغار.”

لماذا يهم هذا الملف كل من يتابع الشأن العام في المغرب

قد يبدو هذا النقاش تقنيا بحتا لغير المتخصصين، لكن أثره يتجاوز بكثير حدود قاعات المحكمة الدستورية. فالمجلس الوطني للصحافة هو من يمنح بطاقة الصحافة المهنية، ويبت في القضايا التأديبية للناشرين والصحافيين، ويعد تقريرا سنويا يرصد وضعية حرية الصحافة في المملكة، وهي مهام تمس مباشرة كل مواطن يستهلك الإعلام، وليس فقط من يشتغل فيه. حين تكون تركيبة هذا المجلس مختلة لصالح فئة على حساب أخرى، فإن ذلك ينعكس بالضرورة على طبيعة القرارات التأديبية وعلى مصداقية التقارير التي يصدرها، وبالتالي على ثقة الجمهور في المنظومة الإعلامية برمتها.

الملف يكشف أيضا شيئا أعمق عن طبيعة العلاقة بين السلط في المغرب اليوم. فحين يستعمل نواب المعارضة أداة الإحالة الدستورية بفعالية، وحين تستجيب المحكمة الدستورية بقرار مفصل ومحاجج يذهب أبعد من مجرد رفض شكلي، فإن ذلك يعكس نضجا مؤسساتيا يستحق أن يُقرأ بإيجابية، حتى وإن استغرق الأمر أشهرا إضافية من الفراغ الذي أثقل كاهل المهنيين في القطاع.

يبقى السؤال المطروح اليوم بعد نشر النص المعدل هو هل ستكفي إعادة التوازن العددي وحدها لضمان استقلالية فعلية للمجلس الوطني للصحافة، أم أن التحدي الحقيقي سينتقل الآن إلى كيفية ممارسة هذه الصلاحيات على أرض الواقع، بعيدا عن أي حسابات قد تعيد إنتاج نفس التوترات بطرق أخرى غير مكشوفة في النص؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *