الأربعاء، 22 يوليوز 2026

المغرب يُنهي عهد “الفوضى الكهربائية”: ماذا يعني مرسوم التروتينيت الجديد لآلاف المتنقلين يومياً؟

مرسوم جديد يقنن التروتينيت بالمغرب: سرعة قصوى 25 كلم/س، خوذة إجبارية، منع السماعات وغرامات جديدة. كل التفاصيل وما يجب فعله قبل الشراء.

سائق تروتينيت كهربائية بالخوذة والسترة العاكسة يسير على يمين الطريق في مدينة مغربية وفق قانون التروتينيت الجديد

انتهى زمن كان فيه سائق التروتينيت كائناً غير معرَّف في القانون المغربي، لا هو راجل ولا هو سائق مركبة. فيوم الخميس 9 يوليوز 2026، صادق مجلس الحكومة على مرسوم ينظم لأول مرة استعمال “مركبات التنقل الشخصي بمحرك”، ليضع حداً لسنوات من الفراغ القانوني الذي تحولت خلاله شوارع الدار البيضاء والرباط ومراكش إلى مسرح يومي لمشاهد تتراوح بين الطريف والمأساوي: تروتينيت تخترق الأرصفة بين المارة، وأخرى معدَّلة تنطلق بسرعة 60 كيلومتراً في الساعة وسط الطريق، وسائق بسماعات في أذنيه لا يسمع لا منبهاً ولا صراخاً.

اللافت أن هذا التنظيم لم يأت لمحاربة وسيلة نقل، بل جاء لأن هذه الوسيلة انتصرت. فالتروتينيت والدراجة الكهربائية لم تعودا لعبة مراهقين، بل تحولتا إلى حل يومي لموظفين وطلبة وعمال التوصيل، هرباً من الاكتظاظ وأثمنة المحروقات وانتظار الحافلات. ومع الانتشار جاءت الحوادث، وبعضها مميت، فصار التدخل التشريعي مسألة وقت.

من “راجل” إلى “سائق”: التحول القانوني الأهم

قبل هذا المرسوم، كان مستعمل التروتينيت في وضعية قانونية غريبة: عند وقوع حادثة، كان يُعامل في الغالب معاملة الراجل، أي الطرف الأضعف الذي تميل الموازين لصالحه. المرسوم الجديد يقلب المعادلة بإدخال صنف جديد إلى منظومة السير هو “مركبات التنقل الشخصي بمحرك”. وبهذا التصنيف، يصبح السائق طرفاً كاملاً في الطريق: له حقوق، نعم، لكنه يتحمل بالمقابل التزامات مضبوطة، وتسري عليه قواعد المرور التي ظن كثيرون طويلاً أنها “ديال الطوموبيلات وصافي”.

ما الذي يفرضه المرسوم بالضبط؟

تتمحور المقتضيات الجديدة، كما وردت في بلاغات المصادقة والتغطيات الصحفية، حول ثلاث دوائر: السرعة، والتجهيزات، وسلوك السياقة.

المحورالمقتضى الجديد
السرعة القصوى25 كلم في الساعة كحد أقصى
الخوذةإلزامية، ويجب أن تكون مصادقاً عليها
السماعاتممنوعة نهائياً أثناء السياقة
التجهيزاتضوء أو عاكس أبيض أمامي، عاكس أحمر خلفي، منبه صوتي يُسمع من 50 متراً، مكابح مطابقة للمواصفات
السنمنع استعمالها على الطريق العمومية لمن يقل عمرهم عن 8 سنوات
المخالفاتغرامات على تجاوز الضوء الأحمر وعلامة قف واستعمال الهاتف والسياقة دون خوذة

النقطة التي ستحدث الصداع الأكبر هي سقف السرعة. فسوق التروتينيت المغربية غارقة في الأجهزة المعدَّلة: برمجيات تُفك قيودها لترفع السرعة إلى 40 و50 كيلومتراً في الساعة وأكثر. مع المرسوم الجديد، الجهاز الذي يتجاوز 25 كلم/س يصبح غير مطابق للمواصفات القانونية، وصاحبه معرض للمساءلة عند أي نقطة مراقبة، بغض النظر عن السرعة التي كان يسير بها لحظة توقيفه.

يقول بائع دراجات كهربائية بأحد أسواق الدار البيضاء، فضل عدم ذكر اسمه: “أغلب الزبناء أول سؤال كيطرحوه هو واش يمكن نزيد فالسرعة. من دابا غادي نضطرو نقولو ليهم راه هادشي ولى مخالفة. اللي غادي يتضرر هو اللي شرى تروتينيت مجهولة العلامة وما عارفش أصلاً شحال من كيلومتر كتمشي”.

الرصيف خط أحمر

القاعدة الثانية التي ستغير المشهد اليومي هي مكان السير. المنطق الجديد واضح: مكان هذه المركبات هو المسارات المخصصة للدراجات حيثما وُجدت، وإلا فأقصى يمين الطريق العمومية. أما الرصيف فمجال محفوظ للراجلين، ومن يخترقه بمركبته يرتكب مخالفة. وهنا يلمس المرسوم عصباً حساساً في المدن المغربية، لأن مسارات الدراجات شبه منعدمة في أغلبها، مما يضع السائقين أمام خيارين أحلاهما مر: مزاحمة السيارات في طرق غير مهيأة، أو مخالفة القانون فوق الرصيف. نجاح التنظيم سيبقى إذن رهيناً بسياسة موازية للتهيئة الحضرية، وإلا تحول القانون إلى معاقبة الضحية على غياب البنية التحتية.

التأمين والترقيم: المنطقة الرمادية التي أثارت الجدل

هنا يجب التدقيق، لأن المتداول في مواقع التواصل يخلط بين الموجود والمرتقب. المرسوم المصادق عليه ركز على قواعد الاستعمال والتجهيزات والسلامة، لكنه لم يحسم بشكل نهائي مسألتي التأمين الإجباري والترقيم بلوحات معدنية، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً وصل حد اعتبار بعض المهنيين أن “التقنين جاء ناقصاً” ما دام الضرر الذي قد يلحقه سائق تروتينيت بالغير لا تغطيه بوليصة إلزامية واضحة كما هو الشأن بالنسبة للدراجات النارية.

عملياً، هذا يعني أمرين. أولهما أن سائق التروتينيت الذي يتسبب في حادثة يُتلف فيها ممتلكات الغير أو يصيب شخصاً قد يجد نفسه يؤدي التعويضات من جيبه الخاص، مع ما قد يترتب عن الأضرار الجسدية من متابعات قضائية. وثانيهما أن شركات التأمين المغربية بدأت فعلاً تتحرك في هذا السوق الناشئ بعروض اختيارية للمسؤولية المدنية، تحسباً لإلزامية يرجح كثير من المتتبعين أنها قادمة في التعديلات المقبلة لمدونة السير، خصوصاً بالنسبة للمركبات ذات القدرة المحركية الأعلى. من يقتني اليوم تروتينيت للاستعمال اليومي المكثف، وخاصة عمال التوصيل، سيكون من الحكمة ألا ينتظر الإلزام ليؤمّن مسؤوليته.

نصائح عملية قبل الشراء وبعده

لمن يفكر في اقتناء تروتينيت أو دراجة كهربائية في ظل القواعد الجديدة، تفرض الواقعية أربع قواعد ذهبية. اقتنِ علامة معروفة تتوفر على قطع الغيار وتحترم المواصفات، وابتعد عن الأجهزة مجهولة المصدر التي لا تعرف حتى سرعتها الحقيقية. انسَ نهائياً فكرة فك محدد السرعة، فالربح دقائق معدودة والخسارة قد تكون غرامة أو حجزاً أو ما هو أسوأ. اجعل الخوذة المصادق عليها أول ما تشتريه قبل الجهاز نفسه، مع سترة عاكسة للسير الليلي. واحترم الطريق: الأسبقيات، الضوء الأحمر، عدم التسلل بين الشاحنات، فالقانون الجديد جعلك سائقاً كامل الأهلية، والسائق يُحاسَب.

أبعد من الغرامات: معركة ثقافة مرورية

سيكون من التبسيط اختزال هذا المرسوم في منطق “الدولة باغا الفلوس” كما يروج البعض. فالأرقام التي دفعت نحو التنظيم أرقام حوادث بالأساس، والمغرب يخوض منذ سنوات معركة شاقة لخفض قتلى الطرقات ضمن استراتيجية وطنية تمتد إلى 2026. إدماج وسائل التنقل الجديدة في مدونة السير خطوة تسير في اتجاه ما فعلته فرنسا سنة 2019 وإسبانيا سنة 2021 حين قننتا هذه المركبات بسقف سرعة مماثل تقريباً. التحدي المغربي الحقيقي ليس في النص، بل في التطبيق المتوازن: صرامة مع المعدِّلين والمتهورين، ومرافقة للفئات التي جعلت من التروتينيت وسيلة رزق، وبنية تحتية تمنح هذه المركبات مكاناً آمناً في المدينة بدل تركها عالقة بين رصيف ممنوع وطريق قاتلة.

يبقى أن أي قانون جديد يُقاس عند أول تقاطع طرق: هل سيقف سائق التروتينيت عند الضوء الأحمر لأنه اقتنع أنه سائق، أم فقط لأنه لمح دورية شرطة؟

فما رأيكم: هل جاء تقنين التروتينيت في وقته لحماية الأرواح، أم أن فرض القواعد قبل توفير مسارات آمنة للدراجات هو وضع للعربة قبل الحصان؟ شاركونا تجاربكم مع هذه المركبات في التعليقات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *