هناك ملف ظل كل رؤساء الحكومات المتعاقبة يتحاشونه كما يتحاشى المرء لمس سلك كهربائي عارٍ. اسمه إصلاح التقاعد. لسنوات، كان الجميع يعرف أن الصناديق تسير نحو الجدار، ومع ذلك كان كل فريق حكومي يفضل تأجيل القرار المؤلم إلى من سيأتي بعده. لكن في سنة 2026، لم يعد التأجيل ممكنا. فالأرقام صارت أقوى من أي حسابات سياسية، والدولة اليوم أمام لحظة الحسم التي طالما هربت منها.
المسألة تبدو تقنية وباردة، لكنها في العمق تمس جيب كل أجير وموظف مغربي، وتطرح سؤالا وجوديا بسيطا: بعد عمر من الشغل والاقتطاعات، هل سيجد المغربي معاشا محترما ينتظره، أم مجرد صندوق فارغ؟ لنفكك هذا الإصلاح بهدوء، بعيدا عن التهويل، وقريبا من الحقيقة العارية.
قنبلة ديموغرافية تدق تحت أقدام الصناديق
لفهم لماذا صار الإصلاح إجباريا لا اختياريا، يكفي النظر إلى معادلة واحدة. في الأنظمة التوزيعية، اشتراكات النشيطين اليوم هي التي تمول معاشات المتقاعدين اليوم. أي أن الأجراء الحاليين يدفعون فعليا لآبائهم لا لأنفسهم. وهذا النظام يعمل ما دام عدد المشتغلين كبيرا مقارنة بعدد المتقاعدين. لكن هذه النسبة تنهار بسرعة مقلقة.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن نسبة المشتركين إلى المتقاعدين كانت في حدود خمسة مشتركين لكل متقاعد سنة 2010، ثم تراجعت إلى ما يقارب ثلاثة اليوم، ويُتوقع أن تنزل إلى ما دون ثلاثة بكثير خلال العقد المقبل. بعبارة أوضح: عدد أقل من الأكتاف تحمل عددا أكبر من المعاشات.
يضاف إلى ذلك سببان يزيدان الطين بلة. أولهما أن المغاربة صاروا يعيشون أطول، والحمد لله، إذ ارتفع أمل الحياة بشكل ملحوظ، وهذا يعني سنوات إضافية من صرف المعاشات. وثانيهما أن كثيرا من الأجراء يغادرون سوق الشغل مبكرا بمدة اشتراك قصيرة نسبيا. النتيجة الحسابية قاسية: الصناديق تدفع أكثر مما تجمع.
والوضع الأخطر يهم الصندوق المغربي للتقاعد، الخاص بموظفي الدولة. فتقاريره وتقارير المجلس الأعلى للحسابات تضع أفق سنة 2028 كموعد محتمل لنفاد احتياطاته إذا بقي الحال على ما هو عليه. حين تسمع كلمة نفاد الاحتياطي، فالمعنى بسيط ومخيف: صندوق قد يعجز عن أداء معاشات في تاريخ قريب جدا.
نظام القطبين: الفكرة المركزية للإصلاح
جوهر التصور الذي تشتغل عليه الحكومة واللجنة الوطنية المكلفة بالإصلاح يقوم على ما يسمى نظام القطبين. الفكرة أن تُجمّع الصناديق المتعددة الحالية تدريجيا في قطبين كبيرين: قطب عمومي يضم أنظمة الموظفين، وقطب خاص يضم أجراء القطاع الخاص. وهذا التوجه ليس وليد اللحظة، بل سبق أن أوصى به المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي منذ سنوات.
الهدف المعلن من هذا الدمج هو إنهاء التشتت الذي جعل بعض الصناديق غنية وأخرى على حافة الإفلاس، وتوحيد القواعد بدل الأنظمة المتعددة السرعات. ومن أبرز ما يُنتظر من هذا التوحيد مبدأ يهم ملايين الأجراء: قابلية نقل الحقوق بين القطاعين. فمن ينتقل من وظيفة عمومية إلى شركة خاصة، أو العكس، كان يخسر جزءا من حقوقه في التقاعد. المنطق الجديد يريد أن تتبع الحقوق صاحبها أينما ذهب.
الإجراءات المؤلمة: السن والاقتطاعات
هنا يدخل الإصلاح منطقته الحساسة، تلك التي تفسر رفض النقابات وقلق الأجراء. فأي إصلاح لصندوق يعاني العجز يمر حتما عبر ثلاثة أبواب لا رابع لها: إما رفع سن التقاعد، أو الزيادة في الاقتطاعات، أو خفض المعاشات. وغالبا يكون الحل مزيجا من الثلاثة.
أكثر النقاط إثارة للجدل هي رفع سن الإحالة على التقاعد. تتداول سيناريوهات مختلفة، بعضها يتحدث عن رفع تدريجي للسن، وبعضها يذهب أبعد نحو خمسة وستين سنة في أنظمة معينة. المنطق الذي يُساق لتبرير ذلك بسيط: ما دمنا نعيش أطول ونقبض المعاش لسنوات أكثر، فمن الطبيعي أن نشتغل قليلا أكثر. لكن هذا المنطق المحاسبي يصطدم بواقع إنساني، إذ ليست كل المهن متساوية. فمن يشتغل في مكتب مكيف ليس كمن يشتغل في منجم أو في ورش بناء تحت الشمس.
الباب الثاني هو الزيادة في نسب الاشتراك، أي اقتطاع أكبر من الأجر الشهري لصالح الصندoق. وهذا يمس القدرة الشرائية مباشرة في زمن يشتكي فيه المغاربة أصلا من غلاء المعيشة. أما الباب الثالث، خفض المعاشات أو تعديل طريقة احتسابها، فهو الأكثر حساسية سياسيا، ولهذا تحاول الحكومة تجنبه أو تلطيفه قدر الإمكان.
ما الذي يتغير فعلا، وما الذي ما زال مجرد سيناريو؟
من المهم جدا أن نميز بين ما صار شبه محسوم وما لا يزال قيد التفاوض، لأن كثيرا مما يُتداول على المنصات ووسائل التواصل يُقدَّم وكأنه قانون نافذ، بينما هو في الحقيقة اقتراح قابل للتغيير تحت قبة البرلمان.
| المحور | وضعه الحالي |
|---|---|
| نظام القطبين (عمومي وخاص) | التوجه الأساسي المعتمد للإصلاح |
| قابلية نقل الحقوق بين الأنظمة | مبدأ متوافق عليه إلى حد كبير |
| رفع سن التقاعد | مطروح بقوة، لكن نسبته وجدوله قيد النقاش |
| الزيادة في الاقتطاعات | مرجح، بنسب لم تُحسم نهائيا |
| الجدول الزمني | عرض على البرلمان خلال 2026 |
الخلاصة أن الاتجاه العام واضح، لكن الأرقام الدقيقة، من سن محدد إلى نسبة زيادة بعينها، تبقى رهينة المصادقة البرلمانية والمراسيم التطبيقية. من الحكمة أن يتابع كل معني التفاصيل من مصادرها الرسمية بدل الاعتماد على ما يُشاع.
لماذا يجب أن يهتم الشباب قبل غيرهم؟
قد يظن شاب في الثلاثين أن التقاعد قضية تخص والده لا تخصه. وهذا أكبر خطأ. فالمفارقة أن الأجيال الشابة هي الأكثر تأثرا بهذا الإصلاح على المدى الطويل. فهم من سيشتغلون سنوات إضافية، وهم من سيدفعون اقتطاعات أكبر لسنوات أطول، وهم أيضا من قد يستفيدون من قواعد احتساب جديدة قد تكون أفضل أو أسوأ حسب مسارهم المهني.
الدرس العملي الذي يفرض نفسه هو أن الاعتماد على المعاش الأساسي وحده لم يعد كافيا لضمان تقاعد مريح، خصوصا لأصحاب الدخل المتوسط والمرتفع الذين تُحتسب معاشاتهم في حدود سقف معين. ومن هنا تتزايد أهمية الادخار التكميلي والتفكير المبكر في التقاعد، بدل ترك كل شيء للصندوق العمومي. من يبدأ التخطيط في الثلاثين ليس كمن يستيقظ على الحقيقة في الخامسة والخمسين.
معادلة بلا حل سهل
في نهاية المطاف، يضع إصلاح التقاعد المغرب أمام معادلة لا تملك حلا مريحا لأي طرف. فالدولة مطالبة بإنقاذ صناديق تسير نحو العجز، والأجراء مطالبون بتقديم تضحيات في السن والاقتطاعات، والنقابات ترفض أن يتحمل الموظف وحده كلفة اختلالات لم يصنعها هو. الجميع يعرف أن الدواء مر، لكن الجميع يعرف أيضا أن تركه دون علاج يعني انهيارا أشد إيلاما بعد سنوات قليلة.
القرار الحقيقي إذن ليس بين إصلاح مؤلم وآخر غير مؤلم، بل بين ألم اليوم المحسوب وألم الغد الذي قد يكون كارثيا. وهنا يبقى السؤال الجوهري معلقا فوق رؤوس الجميع: هل سيكون هذا الإصلاح عادلا فيوزع الكلفة بإنصاف بين الدولة والمشغلين والأجراء، أم سيتحول مرة أخرى إلى فاتورة يؤديها الموظف البسيط وحده؟ أنت، كيف ترى العدل في هذا الإصلاح؟

أضف تعليقاً