في لفتة أثارت آلاف التفاعلات في ساعات معدودة، قرر المغرب إطلاق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطريق السيار الرابط بين تيزنيت والداخلة، فرد الرئيس عبر منصته الرقمية بعبارة “شكرا لصاحب الجلالة الملك محمد السادس على هذا التكريم الكبير، إنه لشرف عظيم”. لكن بعيدا عن الحمولة الدبلوماسية والسياسية التي تصدرت النقاش، يطرح هذا القرار سؤالا قانونيا وإداريا نادرا ما يُلتفت إليه: كيف تُسمّى مرافق الملك العام بالمغرب، ومن يملك سلطة ذلك، وهل يجوز أصلا إطلاق اسم شخصية أجنبية حية على منشأة عمومية؟

المشروع أولا: ما الذي يحمل اسم ترامب فعلا
قبل الخوض في الجانب القانوني، لا بد من إدراك حجم ما يتم الحديث عنه. فالطريق السيار تيزنيت الداخلة ليس طريقا عاديا، بل هو أحد أضخم المشاريع البنيوية في تاريخ المغرب الحديث، يمتد على طول 1055 كيلومترا بتكلفة تناهز 10 مليارات درهم. المشروع يندرج ضمن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي أعطى انطلاقته الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، ويتكون من ثلاثة أجزاء تشمل الطريق السيار تيزنيت العيون، وتوسعة الطريق الوطنية رقم 1 بين العيون والداخلة، وإنشاء 16 منشأة فنية.
هذا الطريق يُقدَّم باعتباره رافعة استراتيجية لتعزيز الربط داخل الأقاليم الجنوبية، ودعم المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى الواجهة الأطلسية. أي أن الاسم الجديد لا يُطلق على مجرد شريط إسفلتي، بل على بوابة جيواستراتيجية تربط المغرب بعمقه الإفريقي والأسواق الدولية.
الجانب القانوني: من يملك سلطة تسمية الملك العام
هنا يبدأ النقاش الذي يهمنا. فالطرق والساحات والمرافق العمومية تدخل في إطار ما يسمى قانونا “الملك العمومي للدولة”، وتسميتها ليست فعلا عشوائيا، بل تخضع في الأصل لمساطر إدارية محددة. ففي الحالة العادية، تتولى الجماعات الترابية، عبر مجالسها المنتخبة، اقتراح تسمية الشوارع والأزقة والساحات داخل نفوذها الترابي، وذلك في إطار اختصاصاتها المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات. ثم تخضع هذه التسميات لمصادقة السلطات المختصة.
لكن الحالة التي نحن بصددها استثنائية بكل المقاييس. فالأمر لا يتعلق بشارع داخل مدينة، بل بطريق سيار وطني ذي بعد استراتيجي وسيادي، والتسمية جاءت بقرار من أعلى سلطة في البلاد. وهذا يضعنا أمام تمييز قانوني مهم: فكلما ارتفعت الأهمية الاستراتيجية والسيادية للمرفق، انتقلت سلطة تسميته من المستوى المحلي المنتخب إلى المستوى المركزي السيادي. تسمية طريق بهذا الحجم باسم رئيس دولة أجنبية ليست قرارا إداريا محليا، بل هي فعل دبلوماسي سيادي بامتياز، يدخل في صميم توجيه السياسة الخارجية للدولة.
المسألة التي أثارها بعض المتتبعين: تسمية باسم شخصية حية
من بين النقاط اللافتة التي أثارها بعض القراء في تفاعلهم مع الخبر، ملاحظة قانونية وجيهة تستحق التوقف. فقد أشار أحدهم إلى أن عددا من الدول الأوروبية، مثل فرنسا، تمنع من حيث المبدأ إطلاق اسم شخصية لا تزال على قيد الحياة على مكان عام أو ملك للدولة، سواء كان شارعا أو ساحة أو مطارا أو متحفا، وتشترط في الغالب مرور مدة زمنية بعد وفاة الشخصية قبل تخليد اسمها.
هذه الملاحظة تكشف اختلافا فلسفيا في مقاربة التسمية. ففي التقليد الفرنسي مثلا، يُنظر إلى التسمية باسم شخص كتكريم نهائي لا يُمنح إلا بعد اكتمال مساره وحكم التاريخ عليه، تفاديا لأي إحراج قد ينتج عن تصرفات لاحقة للشخصية المُكرَّمة. أما في المغرب، فلا يوجد نص قانوني عام يمنع صراحة التسمية باسم شخصية حية، مما يترك المجال مفتوحا أمام السلطة التقديرية، خصوصا حين يتعلق الأمر بقرار سيادي ذي طابع دبلوماسي.
من الناحية القانونية البحتة، غياب المنع لا يعني وجود إلزام، والعكس صحيح. فالدولة، في ممارستها لسيادتها، تملك حرية تقدير ما تراه مناسبا في هذا الباب، طالما لم يخالف نصا قانونيا صريحا. وهذا بالضبط ما يجعل القرار ممكنا قانونيا، وإن كان يشكل سابقة نادرة في الممارسة المغربية.
جدول: مقارنة في مقاربات تسمية الملك العام
| المعيار | التقليد الأوروبي (نموذج فرنسا) | الممارسة المغربية في هذه الحالة |
|---|---|---|
| التسمية باسم شخصية حية | ممنوعة مبدئيا في الغالب | لا يوجد منع قانوني صريح |
| الجهة صاحبة القرار | غالبا المجالس المنتخبة | قرار سيادي مركزي في هذه الحالة |
| الطبيعة الغالبة للتسمية | تكريم بعد الوفاة وحكم التاريخ | فعل دبلوماسي وسيادي آني |
| البعد الوظيفي | تخليد رمزي محلي | رسالة استراتيجية دولية |
البعد الرمزي: حين تصبح التسمية أداة دبلوماسية
ما يجعل هذا القرار مثيرا للاهتمام هو أنه يحول التسمية من مجرد إجراء إداري إلى أداة في السياسة الخارجية. فالكثير من المتفاعلين ربطوا مباشرة بين هذا التكريم وموقف ترامب من قضية الصحراء، باعتباره أول رئيس أمريكي يعترف صراحة بمغربية الصحراء. من هذه الزاوية، تبدو التسمية رسالة سياسية مزدوجة: تقدير لموقف داعم من جهة، وتثبيت رمزي لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية من جهة أخرى، خصوصا أن الطريق نفسه يمر عبر هذه الأقاليم.
في المقابل، عبّر بعض المتتبعين عن تحفظات، بعضها ذو طابع مبدئي يتعلق بمدى ملاءمة تخليد اسم رئيس أجنبي لا يزال في الحكم على مرفق وطني بُني بأموال دافعي الضرائب المغاربة، وبعضها الآخر يتساءل عن الأولوية بين تكريم شخصيات أجنبية وتخليد أسماء وطنية، من ملوك ومقاومين وعسكريين ساهموا في بناء الدولة وحماية وحدتها الترابية. هذه التحفظات، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، تعكس نقاشا مشروعا حول فلسفة التسمية ومعاييرها، وهو نقاش تعرفه أغلب الدول حين يتعلق الأمر بالذاكرة الجماعية والرمزية الوطنية.
لماذا يهم هذا النقاش أبعد من مجرد اسم
قد يبدو الحديث عن تسمية طريق مسألة ثانوية، لكنه في الحقيقة يفتح بابا على موضوع قانوني وسياسي أعمق: كيف تدير الدولة رمزية ملكها العمومي، وما هي المعايير التي تحكم هذا التدبير. فالفضاء العام ليس محايدا، بل هو حامل للذاكرة والهوية والرسائل السياسية. وحين تُطلق أسماء على الطرق والساحات، فإن الدولة تكتب، بشكل غير مباشر، سردية معينة عن نفسها وعن علاقاتها وأولوياتها.
من هنا تنبع أهمية أن يكون هناك، على المدى البعيد، إطار مرجعي واضح لتسمية المرافق العمومية الكبرى، يوازن بين البعد الدبلوماسي الظرفي والبعد الرمزي الوطني الدائم. فالقرارات السيادية تبقى من صلاحيات الدولة، لكن وجود معايير واضحة وشفافة من شأنه أن يحصّن هذه القرارات من الجدل، ويجعلها أكثر قابلية للفهم والقبول لدى الرأي العام، بمختلف حساسياته.
يبقى السؤال المطروح للنقاش الهادئ: هل آن الأوان لأن يتوفر المغرب على إطار قانوني واضح ينظم تسمية المرافق العمومية الكبرى ويحدد معاييرها، أم أن ترك المجال للسلطة التقديرية السيادية، خصوصا في الملفات ذات البعد الدبلوماسي، يبقى الخيار الأنسب في عالم تتحرك فيه المصالح والتحالفات بسرعة لا تنتظر النصوص؟

أضف تعليقاً