الخميس، 23 يوليوز 2026

قانون مر بهدوء لكن سيغير سلوك آلاف الأسر المغربية تجاه العمل المصرح به

تعديل تشريعي جديد يحمي الأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي المباشر من فقدان الإعانات فجأة عند تصريح أحد أفرادها بالضمان الاجتماعي، في خطوة تهدف إلى تشجيع الاندماج في سوق الشغل الرسمي.

أب مغربي في بيت قروي بسيط يراجع وثيقة رسمية متعلقة بالدعم الاجتماعي بينما تدرس ابنته بجانبه

تخيل أسرة مغربية تستفيد من الدعم الاجتماعي المباشر منذ أشهر، وفجأة يجد الأب فرصة عمل قارة في القطاع الخاص، فيتردد طويلا قبل أن يقبلها، ليس لأنه لا يريد العمل، بل لأنه يخشى أن يفقد بين عشية وضحاها الدعم الذي يعيل به أطفاله. هذا السيناريو، الذي كان يتكرر بصمت في بيوت كثيرة، هو بالضبط ما حاول المشرع المغربي معالجته في نص قانوني صادق عليه مجلس النواب مؤخرا، وهو نص يستحق وقفة متأنية لأنه يمس بشكل مباشر العلاقة الحساسة بين الدعم الاجتماعي والاندماج في سوق الشغل الرسمي.

متن القانون: ما الذي تغير فعليا في نظام الدعم الاجتماعي المباشر

صادق مجلس النواب، في جلسة تشريعية يوم الإثنين 15 يونيو، بالأغلبية، على مشروع القانون رقم 041.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر. وجاء هذا التعديل بعد أشهر من الجدل حول أثر برنامج الدعم على سلوك الأسر إزاء العمل المصرح به، خصوصا بعد أن كشف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، في جواب كتابي موجه إلى النائبة البرلمانية عزيزة بوجريدة عن الفريق الحركي، أن الحكومة تشتغل على رؤية جديدة لتطوير المنظومة.

الفكرة المركزية التي دافع عنها لقجع بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في أثرها: الدعم الاجتماعي المباشر ليس غاية في حد ذاته، بل آلية انتقالية الهدف منها توفير شروط الاندماج المستدام للأسر في الدورة الاقتصادية. بمعنى آخر، الدعم لا يُصمم ليبقى الأسرة معتمدة عليه إلى الأبد، بل ليرافقها إلى حين تجد موطئ قدم في سوق الشغل الرسمي، وبعدها تخرج من دائرة الدعم بكرامة، حسب تعبير المسؤولين الحكوميين أنفسهم.

الإشكال القانوني الذي كان يخيف الأسر: التصريح بالضمان الاجتماعي

قبل هذا التعديل، كانت القاعدة صارمة إلى حد ما: بمجرد أن يُصرح رب الأسرة أو أحد الزوجين بتسجيله لدى نظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص، تُسحب منه الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر بشكل شبه فوري. وهذا بالضبط ما كان يدفع كثيرا من العمال إلى تفضيل البقاء في اقتصاد الظل، أي العمل دون تصريح، حتى لا يخسروا دعما شهريا يعتبرونه ضمانة أكيدة مقابل عمل قد يفقدونه في أي وقت.

المشرع انتبه إلى هذه المفارقة، وأرسى بموجب القانون الجديد منحة استثنائية لفائدة الأسر التي تفقد حقها في الدعم نتيجة تصريح أحد الزوجين أو رب الأسرة بتسجيله لدى الضمان الاجتماعي، على أن تكون قيمة هذه المنحة الانتقالية مساوية لقيمة الإعانات التي كانت الأسرة تستفيد منها سابقا. بعبارة أخرى، لن يجد المستفيد نفسه أمام قرار حاسم بين البقاء في الدعم أو المخاطرة بعمل جديد، بل ستُمنح له فترة انتقالية يحتفظ خلالها بنفس القيمة المالية تقريبا، ريثما يستقر وضعه المهني.

هذا التوجه ليس تفصيلا تقنيا بسيطا، بل هو تحول في فلسفة التشريع الاجتماعي المغربي بأكمله، لأنه يقر ضمنيا بأن الدعم والتشغيل الرسمي لا ينبغي أن يكونا خصمين، بل حليفين. ومن الناحية القانونية البحتة، فإن إدراج هذه المنحة الانتقالية داخل نص قانوني، وليس مجرد قرار إداري أو دورية وزارية، يمنحها قوة إلزامية وضمانة استقرار للمستفيدين، بعيدا عن تقلبات القرارات الترتيبية التي يمكن تعديلها بسهولة.

جدول توضيحي: كيف تطورت قيمة الدعم المرتبط بالتمدرس

السنةالدعم الشهري للطفل المتمدرسالدعم الشهري للطفل غير المتمدرس
نهاية 2023200 درهمغير محدد بعد
2024200 درهم150 درهم
2025250 درهم150 درهم
2026300 درهم150 درهم

هذا التدرج يكشف منطقا تصاعديا متعمدا في السياسة العمومية، حيث تُقرن الزيادة في قيمة الدعم بشرط استمرار التمدرس، وهو ما يجرنا مباشرة إلى المحور الثاني من هذا الملف.

مبادرة “الكل إلى المدرسة”: حين يتحول الدعم إلى أداة لمحاربة الهدر المدرسي

بموازاة هذا التعديل التشريعي، تشتغل الحكومة على مبادرة تحمل اسم “الكل إلى المدرسة”، وهي موجهة تحديدا لفئتين تعتبرهما الدراسات الرسمية الأكثر عرضة لخطر الانقطاع عن الدراسة: الفتيات في السنة السادسة ابتدائي، والفتيان في السنة الأولى إعدادي، خاصة في العالم القروي. فالإحصائيات تشير باستمرار إلى أن هذه المرحلة بالذات، أي الانتقال من الابتدائي إلى الإعدادي، تشكل نقطة تحول حرجة تدفع كثيرا من الأسر القروية إلى إخراج بناتها من المدرسة، إما بسبب بعد المؤسسات الإعدادية عن السكن، أو بسبب ضغوط اجتماعية واقتصادية.

المبادرة تعتمد على منحة شهرية إضافية بقيمة 100 درهم لكل طفل معني، تُصرف طيلة فترة استمراره في الدراسة. ولنأخذ مثالا واقعيا يقرب الصورة: أسرة قروية لديها ثلاثة أطفال، الأول لا يزال في سن ما قبل التمدرس، والثانية في السادسة ابتدائي، والثالث في الأولى إعدادي. هذه الأسرة، وفق الحسابات التراكمية للدعم الأساسي زائد المنحة الإضافية، يمكن أن ترى دخلها الشهري المرتبط بالدعم يرتفع بشكل ملموس، بفضل تراكم دعم التمدرس العادي مع منحة “الكل إلى المدرسة” الخاصة بالبنت والولد معا.

بدأت الحكومة بتجربة محدودة شملت ما يقارب 2500 إلى 2800 طفل، بهدف دراسة ملفاتهم وتحديد ما نجح وما لم ينجح، قبل تعميم البرنامج على نطاق أوسع. وهذا الأسلوب التدريجي في التجريب قبل التعميم يعكس حذرا مقصودا من صناع القرار، ربما استخلصوه من تجارب سابقة لبرامج دعم لم تُقيّم أثرها بشكل كافٍ قبل تعميمها على الصعيد الوطني.

منحة الولادة: تحول من مبلغ مقطوع إلى دعم مشروط بالمتابعة الصحية

من بين المستجدات التي تتردد في أوساط المعنيين بالملف، وجود نقاش حول تطوير منحة الولادة الحالية، والتي تبلغ اليوم 2000 درهم عن الولادة الأولى و1000 درهم عن الولادة الثانية، تُصرف كمبلغ واحد بعد الولادة. الفكرة المطروحة من طرف بعض المسؤولين الحكوميين تتجه نحو تقسيم هذا الدعم إلى مرحلتين مرتبطتين بمتابعة صحية فعلية: جزء يُصرف خلال فترة الحمل، مشروط بمتابعة الحامل لزياراتها الطبية الدورية، وجزء آخر يُصرف بعد الولادة، مع إمكانية استمرار دعم شهري إضافي حتى بلوغ الطفل سنتين من عمره، بهدف مواكبة التلقيح والتغذية.

هذا التوجه، إن تأكد فعليا في نص تنظيمي لاحق، سيحول منحة الولادة من مجرد إعانة مالية آنية إلى أداة لتحفيز المتابعة الطبية، وهو نموذج معتمد في عدة برامج التحويلات النقدية المشروطة حول العالم. لكن من الناحية القانونية، يبقى هذا التوجه في مرحلة النقاش والتصريحات الرسمية، ولم يتحول بعد، على حد علمنا، إلى نص تشريعي أو تنظيمي نافذ، وهو ما يستدعي من المتتبعين الحذر قبل التعامل معه كأمر واقع.

لماذا يهم هذا التعديل أبعد من الأرقام

القيمة الحقيقية لهذا التعديل التشريعي لا تكمن فقط في المبالغ المرصودة، بل في الرسالة التي يوجهها للمواطن المغربي البسيط: أن الدولة تحاول، ولو بخطى حذرة، كسر حلقة الخوف التي كانت تربط الدعم الاجتماعي بالبقاء خارج الاقتصاد الرسمي. فحين يشعر رب الأسرة أنه يستطيع قبول عمل مصرح به دون أن يخسر فجأة مصدر دخل كان يعتمد عليه، فإن ذلك يشجع على توسيع قاعدة المصرح بهم لدى الضمان الاجتماعي، وهو هدف تسعى إليه الحكومة منذ سنوات ضمن استراتيجيتها لتعميم الحماية الاجتماعية.

لكن يبقى السؤال الجوهري معلقا: هل ستكفي منحة انتقالية مؤقتة، مهما كانت قيمتها، لإقناع أسر عاشت لسنوات في اقتصاد غير مهيكل بالانتقال فعليا نحو التصريح والشفافية، أم أن الأمر يتطلب أيضا تفكيك مخاوف أعمق مرتبطة بالثقة في استمرارية الإدارة وسرعة معالجة الملفات؟ هذا ما ستكشفه الأشهر المقبلة، حين يبدأ التطبيق الفعلي لهذا القانون على أرض الواقع، بعيدا عن النقاش النظري الذي رافق المصادقة عليه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *