حين تهدأ الرياح وتغيب الشمس، لا تهدأ معها حاجة المصانع المغربية إلى الكهرباء ولا تتوقف الأفران الصناعية عن العمل. هذه المعادلة البسيطة هي ما أعاد الغاز الطبيعي إلى صدارة النقاش حول مستقبل الطاقة في المغرب، بعدما أعلن ميناء الناظور غرب المتوسط في يناير 2026 عن احتضانه أول محطة للغاز الطبيعي المسال بالمملكة، بطاقة استيعابية سنوية تصل إلى خمسة مليارات متر مكعب. لكن قبل أن يتحمس أحد لفكرة مشروع جاهز للانطلاق، جاء إعلان لاحق ليضع علامة استفهام كبيرة: وزارة الانتقال الطاقي علقت تلقي ملفات المرشحين وفتح العروض المتعلقة بالمحطة وشبكة الأنابيب، بسبب معطيات وفرضيات جديدة لم تكشف تفاصيلها بعد.
هذا التوقف المؤقت لا يعني بالضرورة تراجعا عن المشروع. لكنه يفتح سؤالا مشروعا يستحق أن يُطرح بصوت عال: هل يعيد المغرب ترتيب أولوياته في ملف الغاز ليضمن السرعة، أم ليضمن الكلفة والسيادة والقدرة على الاستمرار لعقود؟
الغاز ليس نقيضا للطاقة الخضراء
اختزل جزء كبير من النقاش العمومي الانتقال الطاقي في مشاريع الشمس والرياح، وهي فعلا ركيزة أساسية في الاستراتيجية المغربية. لكن أي منظومة كهربائية تعتمد بشكل متزايد على مصادر متجددة تحتاج إلى قدر من المرونة، لأن الإنتاج الشمسي والريحي يتغير حسب الوقت والطقس، بينما يبقى الطلب على الكهرباء في تصاعد مستمر مع توسع المدن والصناعة والخدمات.
هنا يمكن لمحطات الغاز أن تلعب دورا مفيدا، فهي قابلة للتشغيل والتوقف بوتيرة أسرع من محطات الفحم، وتنتج انبعاثات أقل عند توليد الكهرباء. غير أن تقديم الغاز باعتباره طاقة نظيفة سيكون تبسيطا مضللا، فهو يبقى وقودا أحفوريا، ومصدره الخارجي وأسعاره في الأسواق الدولية عاملان حاسمان في تكلفة استعماله. الفكرة الأكثر واقعية إذن هي التعامل معه كوقود انتقالي لا كمسار دائم، وهذا هو الفارق الجوهري بين بنية تحتية تساعد على استقرار الشبكة أثناء التحول الطاقي، وبين خلق اعتماد جديد قد يثقل كاهل الاقتصاد الوطني لاحقا.
وتؤكد وزارة الانتقال الطاقي أن تطوير البنيات الغازية يشمل تغذية محطات المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب الحالية والمستقبلية، إضافة إلى المناطق الصناعية وصولا إلى القنيطرة والمحمدية، وهو ما يعني أن الغاز لا يخص محطة معزولة، بل يدخل في تصور أشمل يربط الطاقة بالتصنيع واللوجستيك.
من إغلاق الأنبوب إلى بحث جديد عن المرونة
منذ توقف تدفقات الغاز الجزائري عبر أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي في خريف 2021، واجه المغرب واقعا طاقيا مختلفا تماما. الأنبوب الذي كان ينقل الغاز من الجزائر نحو إسبانيا عبر التراب المغربي فقد وظيفته الأصلية، قبل أن يُستعمل لاحقا في الاتجاه المعاكس لاستقبال الغاز المستورد على شكل غاز طبيعي مسال يعاد تغويزه في إسبانيا.
هذا الترتيب ساعد المغرب على تأمين احتياجات عاجلة، لكنه ظل مرتبطا ببنيات تقع خارج التراب الوطني وبشروط السوق لدى طرف آخر. الأمر لا يتعلق بالتشكيك في الشراكة مع إسبانيا، بل بمنطق معروف في أمن الطاقة: كل دولة تحاول امتلاك أكثر من مسار للاستيراد والتخزين والتوزيع، لأن الاعتماد على منفذ واحد يرفع المخاطر عند الأزمات. من هنا تبرز أهمية الناظور غرب المتوسط، إذ تتحدث الخطة الرسمية عن شبكة أنابيب تربط البنيات المينائية بأنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، ثم تمتد نحو المناطق الصناعية في القنيطرة والمحمدية، بما يسمح باستغلال أصل قائم عوض البدء من الصفر.
لكن هذه الرؤية تحتاج إلى تدقيق مهم: امتلاك محطة للتغويز لا يجعل المغرب مكتفيا ذاتيا من الغاز، لأن البلاد ستظل بحاجة إلى شراء شحنات الغاز الطبيعي المسال من المنتجين والأسواق العالمية. ما يتغير هو مستوى التحكم في المسار اللوجستي، وفي التخزين والتغويز وضخ الغاز داخل الشبكة الوطنية.
الناظور غرب المتوسط: مشروع جهة أم رهان وطني؟
يقع ميناء الناظور غرب المتوسط على واجهة المتوسط، لكنه يتجاوز منطق المشروع الجهوي الضيق. فالميناء يندرج في تصور يجمع بين الحاويات واللوجستيك والأنشطة الصناعية والطاقة، بقدرة مستهدفة عند الانطلاق تصل إلى خمسة ملايين حاوية و35 مليون طن من البضائع سنويا، باستثمارات تناهز 51 مليار درهم حسب معطيات متداولة حول المشروع.
بالنسبة إلى جهة الشرق، التي ظلت لسنوات بعيدة نسبيا عن الثقل الاقتصادي لمحور طنجة والقنيطرة والدار البيضاء، يمثل المشروع فرصة لإعادة توزيع جزء من النشاط الصناعي واللوجستي. لكن الميناء وحده لا يصنع تنمية. المعيار الحقيقي سيكون في نوع الاستثمارات التي تستقر قربه، ومدى اندماج المقاولات المحلية فيها، وفرص التكوين والشغل التي تفتحها للشباب. فالمناطق الصناعية لا تنجح فقط بفضل الرصيف والمخزن والطريق، بل تحتاج إلى تكوين مهني ملائم، وماء صناعي، وربط كهربائي جيد، وعقار منظم، وإدارة سريعة، ومقاولات محلية قادرة على تقديم خدمات النقل والصيانة والهندسة. إذا اكتفى المشروع بمرور البضائع والغاز، سيبقى أثره محدودا، أما إذا تحول إلى منصة إنتاج وتحويل صناعي، فقد يمنح جهة الشرق دورا اقتصاديا جديدا بالكامل.
لماذا تم تعليق المنافسة؟
أطلقت وزارة الانتقال الطاقي في 2025 مسار إبداء الاهتمام لتطوير البنيات الغازية الوطنية، قبل أن ينتقل المسار إلى منافسة دولية على مرحلتين، تشمل التأهيل المسبق ثم طلب العروض من أجل تصميم وبناء وتمويل واستغلال شبكة الأنابيب. وشملت الإجراءات أيضا اختيار وحدة عائمة للتخزين وإعادة التغويز، المعروفة اختصارا بـ FSRU، والتي كان من المرتقب أن ترسو بالميناء لتستقبل الغاز المسال من الناقلات وتعيده إلى حالته الغازية القابلة للضخ في الأنابيب. وبحسب بيانات مهنية متخصصة في قطاع الطاقة، كان من المتوقع فتح باب تقديم عروض هذه الوحدة العائمة في مطلع فبراير 2026، مع الكشف عن المرشحين المؤهلين مسبقا لخطوط الأنابيب في الفترة نفسها تقريبا، قبل أن تعلن الوزارة تعليق المسار بسبب معطيات وفرضيات جديدة ذات صلة بالمشروع، دون تفصيل طبيعتها.
اقتصاديا، يمكن فهم حساسية هذا القرار. مشاريع الغاز لا تتعلق بالبناء فقط، فهناك أسئلة ثقيلة حول من يتحمل مخاطر التمويل، ومن يلتزم بحجز السعات، ومن يشتري الغاز، وكيف تحدد تعرفة استعمال الشبكة، وما حجم الطلب الصناعي الفعلي، وما الذي سيحدث إذا انخفضت أسعار البدائل أو تسارعت مشاريع الهيدروجين والطاقة المتجددة. أي خطأ في هذه الحسابات قد يحول بنية استراتيجية إلى عبء مالي طويل الأمد، لذلك قد يكون التريث في مشروع بهذا الحجم أفضل من توقيع عقد يضع الخزينة العمومية أمام التزامات يصعب تعديلها لاحقا.
الصناعة تحتاج الطاقة بسعر يمكن توقعه
لا تستهلك الصناعة الطاقة فقط، بل تحتاج إلى وضوح في كلفتها. المصنع الذي يخطط للاستثمار في الزجاج أو السيراميك أو الصناعات الغذائية لا يكتفي بمعرفة سعر الطاقة هذا الشهر، بل يريد تصورا مستقرا للسنوات المقبلة، لأن قرارات الاستثمار والتصدير ترتبط بعقود طويلة وكلفة إنتاج دقيقة. الغاز قد يكون مفيدا لبعض الصناعات التي تحتاج حرارة مرتفعة أو إمدادا مستقرا، لكن توفره لا يعني تلقائيا انخفاض الكلفة، لأن السعر النهائي يتأثر بسعر الشحنات العالمية، ورسوم الموانئ، وكلفة التغويز، واستثمارات الأنابيب، وشروط التمويل. لهذا لا يصح الوعد بأن محطة الناظور ستخفض فاتورة الكهرباء أو أسعار الإنتاج بشكل آلي. الأثر المحتمل هو تقليص المخاطر اللوجستية وتوسيع خيارات الإمداد، وهذا مكسب مهم، لكن تحويله إلى تنافسية صناعية حقيقية يتطلب إدارة جيدة للعقود وتعرفة عادلة للمستخدمين.
في المقابل، تنظر مجموعات صناعية كبرى إلى مسار مواز مختلف. فمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط تخطط لتطوير الأمونيا الخضراء، وتستهدف طاقة إنتاجية تبلغ مليون طن بحلول 2027 وثلاثة ملايين طن بحلول 2032، ضمن توجه أوسع لخفض الانبعاثات. وهذا يوضح أن الغاز قد يخدم مرحلة انتقالية أو استعمالات محددة، بينما يتجه جزء من الصناعة إلى بدائل أكثر خضرة على المدى المتوسط، خصوصا في ظل استراتيجية وطنية تستهدف رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 52 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة بحلول 2030، مقارنة بنحو 45 في المائة حاليا.
قانون الغاز لا يقل أهمية عن المحطة
في مشاريع البنية الطاقية، قد تبدو الخزانات والأنابيب العنصر الأكثر وضوحا، لكنها ليست دائما العنصر الحاسم. لا يمكن جذب التمويل والاستثمار دون قواعد دقيقة تحدد من يستورد الغاز، ومن يشغل المحطة، ومن يملك حق ولوج الشبكة، وكيف تراقب الأسعار والجودة والسلامة. لهذا تكتسب مراجعة الإطار المنظم للقطاع أهمية كبرى، فمشروع القانون رقم 94.17 المتعلق بقطاع الغاز الطبيعي يهدف إلى تأطير أنشطة الاستيراد والتخزين والنقل والتوزيع والتسويق، وقد مر بمراحل نقاش طويلة شملت رأي مجلس المنافسة قبل إحالته على مسطرة التشريع.
السؤال بالنسبة للمغرب ليس فقط كيف يبني محطة، بل كيف يمنع احتكار البنية بعد إنشائها، وكيف يضمن سلامتها، وكيف يحمي المستهلك الصناعي من كلفة غير شفافة، وكيف يوازن بين فتح المجال أمام القطاع الخاص وحماية المصلحة الاستراتيجية للدولة. فإذا كان الإطار التنظيمي قويا وواضحا، يمكن لمحطة الناظور أن تجذب مستثمرين ومستخدمين صناعيين بثقة أكبر، أما إذا بقيت القواعد ضبابية، فقد تتحول البنية إلى مشروع كبير يصعب قياس مردوديته أو توسيع استعماله لاحقا.
أمن الطاقة لا يعني الاكتفاء الذاتي
تستعمل عبارة السيادة الطاقية كثيرا في الخطاب العمومي، لكنها تحتاج إلى تعريف عملي أكثر دقة. المغرب لا يملك حاليا إنتاجا محليا من الغاز يكفي لتغطية حاجاته، ويستورد جانبا كبيرا من احتياجاته الطاقية، وبالتالي فإن مشروع الغاز في الناظور لا يعني أن البلاد ستتوقف عن التأثر بأسعار الأسواق الدولية أو أزمات الإمداد. السيادة هنا تعني شيئا أدق: تنويع الموردين، وتنويع طرق الوصول إلى الغاز، والتحكم الوطني في منشآت الاستقبال والتخزين والربط، وامتلاك القدرة على التدبير عند الطوارئ. إنها تقليص للهشاشة، وليست إلغاء للمخاطر.
يملك المغرب في الوقت ذاته أوراقا أخرى لتقوية موقعه: الطاقة الشمسية والريحية، الربط الكهربائي مع أوروبا، تطوير التخزين، كفاءة الاستهلاك، وتنمية مشاريع الهيدروجين الأخضر. وكلما تقدمت هذه المسارات، تقلصت الحاجة إلى الاعتماد الطويل على الوقود الأحفوري. محطة الناظور، إن نُفذت بشروط مالية وتنظيمية سليمة، يمكن أن تكون جسرا بين واقع الطاقة الحالي وطموح الصناعة الخضراء، أما إذا قُدمت كحل شامل لكل مشكلات الطاقة والتصنيع، فستكون التوقعات أكبر من قدرة أي مشروع منفرد على تلبيتها.
في النهاية، لا يقاس نجاح المشروع بعدد الناقلات التي سترسو في الميناء ولا بحجم الأنابيب الممتدة نحو المدن الصناعية، بل بقدرته على تأمين إمدادات مرنة، وحماية المال العام، ورفع تنافسية الصناعة، ومنح جهة الشرق نصيبا ملموسا من فرص التنمية، مع الحفاظ على مسار المغرب نحو اقتصاد أقل انبعاثا. فهل يتحول مشروع الغاز في الناظور إلى أداة انتقال محسوبة بعناية، أم إلى تبعية جديدة بواجهة مختلفة؟

أضف تعليقاً