يحمل يوم السبت 3 أكتوبر 2026 في طياته جواباً عن سؤال يشغل الرباط منذ أسبوع: هل ستُبنى حكومة فاطمة الزهراء المنصوري على أغلبية مريحة، أم على توازنات هشة؟ ففي اليوم نفسه، وفي مدينتين متجاورتين، يجتمع برلمانا حزبين يملكان معاً 131 مقعداً، ومن قرارهما ستتضح خريطة التحالفات الحكومية: المجلس الوطني لحزب الاستقلال في سلا، والمجلس الوطني للتجمع الوطني للأحرار في الرباط.
في المقابل، حسم حزب ثالث أمره مبكراً. فقد أكد عبد الإله بنكيران أن العدالة والتنمية سيبقى في المعارضة، وأن أي لقاء مع رئيسة الحكومة المعيّنة لن يغيّر هذا القرار.
بين من حسم ومن ينتظر، تتشكل الآن ملامح المشهد السياسي للسنوات الخمس المقبلة.
العدالة والتنمية: معارضة بالإجماع وبشروط بروتوكولية
لم يترك حزب “المصباح” مجالاً للتأويل. فقد صوّت مجلسه الوطني الاستثنائي في بوزنيقة بالإجماع على الاصطفاف في المعارضة، بعد اقتراع أعاده بقوة إلى البرلمان بـ54 مقعداً، مقابل 13 فقط سنة 2021.
ومع ذلك، تحوّل اتصال هاتفي عادي إلى حدث سياسي. فحين اقترحت المنصوري لقاءً في إطار المشاورات، رحّب بنكيران بالمبدأ، لكنه رفض أن يتم اللقاء بمقر الأصالة والمعاصرة. وقد لخّص موقفه بعبارته الدارجة الشهيرة: «نتي اللي تجي عندي، أنا منجيش عندك». ثم عاد لاحقاً لينفي وجود أي لقاء مبرمج، ملمّحاً إلى إمكانية لقاء تواصلي بعد تنصيب الحكومة.
قد يبدو الأمر تفصيلاً شكلياً. لكنه في الحقيقة رسالة سياسية واضحة: الحزب لا يريد أن يظهر كطرف يطرق باب “الجرار”، حتى في لقاء مجاملة. وفي الوقت نفسه، يعد بنكيران بمعارضة “معقولة وقوية” لا شعبوية، وهي عبارة تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً بأن الحزب يستعد لدور طويل، لا لمواجهة عابرة.
المفارقة التاريخية لافتة. ففي 2016، كان بنكيران رئيساً مكلّفاً عاجزاً عن جمع أغلبيته لخمسة أشهر. واليوم، يجلس خارج اللعبة الحكومية باختياره، ويراقب غيره وهو يفاوض.
الاستقلال: الحزب الذي يملك مفتاح الأغلبية
إذا كان هناك حزب يُفاوض اليوم من موقع قوة، فهو حزب الاستقلال. فقد خرج من الانتخابات بـ65 مقعداً، وبفارق مقعد واحد فقط عن الأحرار، بل يقدّم نفسه ثانياً من حيث عدد الأصوات.
نزار بركة كان حذراً بعد لقائه المنصوري. هنّأها على صفتها التاريخية كأول امرأة تقود الحكومة، لكنه أحال القرار النهائي على المجلس الوطني. وهذا ليس مجرد احترام للمساطر الداخلية، بل ورقة تفاوضية أيضاً: حين يكون القرار بيد “برلمان الحزب”، يصبح سقف المطالب أعلى.
ولمجلس الاستقلال الوطني سوابق تستحق التذكير. ففي 2013، كان هذا المجلس نفسه هو من قرر الانسحاب من حكومة بنكيران، في خطوة هزّت التحالف آنذاك. لذلك، لا أحد في الرباط يتعامل مع اجتماع السبت كإجراء شكلي.
الملفت أيضاً أن بلاغ اللجنة التنفيذية لم يكتفِ بالأرقام. فقد اعتبر أن نسبة مشاركة في حدود 38 في المائة تعكس استمرار ضعف الثقة في المؤسسات، ودعا إلى حوار وطني. بعبارة أخرى، الاستقلال يريد دخول الحكومة، إن دخلها، حاملاً خطاب القدرة الشرائية والطبقة الوسطى، لا مجرد حقائب.
الأحرار: من قيادة الحكومة إلى البحث عن مقعد فيها
التحول الأكثر دراماتيكية يعيشه التجمع الوطني للأحرار. فالحزب الذي قاد الحكومة بـ102 مقعد سنة 2021، خسر 36 مقعداً، ويجد نفسه اليوم أمام سؤال صعب: هل يقبل دور الشريك الثاني في حكومة يقودها حليف الأمس؟
المكتب السياسي أجاب مبدئياً بنعم. فقد أعلن استعداده للمشاركة “لاستكمال الأوراش المفتوحة”، معترفاً بالتراجع، ومعتبراً في الآن نفسه أن الحزب ما زال قوة وازنة بعد خمس سنوات من كلفة التدبير. وأحال القرار النهائي، بدوره، على مجلسه الوطني يوم السبت.
منطق الأحرار مفهوم. فالبقاء في الحكومة يتيح له الدفاع عن حصيلته من الداخل، ويحميه من سيناريو المعارضة المرهق لحزب بُني أساساً على منطق التدبير. لكن المعادلة الداخلية أعقد: كيف يقنع قواعده بأن الهزيمة الانتخابية لا تعني فقدان الوزن التفاوضي؟
الحلقة الوسطى: أحزاب تنتظر الإشارة
بين الكبار، هناك أحزاب متوسطة الحجم قد ترجّح الكفة. ومواقفها حتى الآن تتراوح بين المرونة والانتظار:
| الحزب | المقاعد | الموقف إلى غاية 2 أكتوبر |
|---|---|---|
| الأصالة والمعاصرة | 97 | يقود الحكومة |
| التجمع الوطني للأحرار | 66 | مستعد للمشاركة، القرار للمجلس الوطني السبت |
| الاستقلال | 65 | القرار للمجلس الوطني السبت |
| العدالة والتنمية | 54 | المعارضة، بقرار بالإجماع |
| الحركة الشعبية | 29 | مستعدة للأغلبية أو المعارضة |
| الاتحاد الاشتراكي | 26 | يؤجل الإعلان إلى نهاية المشاورات |
| التقدم والاشتراكية | 19 | لم يحسم، ويتحدث عن نقط التقاء عديدة |
| الاتحاد الدستوري | 17 | شارك في المشاورات |
محمد أوزين، أمين عام الحركة الشعبية، اختار صيغة دبلوماسية: الحزب سيبقى منتصراً لقضايا الوطن، سواء من داخل الأغلبية أو من صفوف المعارضة. أما نبيل بنعبد الله، فأشار بعد لقائه المنصوري إلى نقط التقاء عديدة، دون أن يغلق أي باب.
خريطة التحالفات الحكومية: أربعة سيناريوهات ممكنة
الأغلبية تتطلب 198 مقعداً على الأقل. وبما أن العدالة والتنمية خارج المعادلة، تبقى أمام المنصوري عدة تركيبات:
| السيناريو | المجموع | الهامش فوق 198 |
|---|---|---|
| الأصالة والمعاصرة + الأحرار + الاستقلال | 228 | +30 |
| الثلاثي + الحركة الشعبية | 257 | +59 |
| الأصالة والمعاصرة + الأحرار + الحركة + الاتحاد الدستوري | 209 | +11 |
| الأصالة والمعاصرة + الاستقلال + الحركة + الاتحاد الدستوري | 208 | +10 |
السيناريو الأول هو الأقرب إلى المنطق، لأنه يعيد إنتاج تحالف 2021 بترتيب جديد. لكن السيناريوين الأخيرين يكشفان شيئاً مهماً: إذا رفض أحد الحزبين الكبيرين الدخول، تصبح الأغلبية ممكنة لكنها ضيقة، وكل غياب نيابي في جلسة حاسمة قد يتحول إلى صداع.
لماذا يهمّ حجم المعارضة أيضاً؟
غالباً ما ينصبّ الاهتمام على الأغلبية. لكن الدستور يمنح المعارضة أدوات لا تُفعَّل إلا بأرقام معينة. فملتمس الرقابة يتطلب توقيع خُمس أعضاء مجلس النواب، أي 79 نائباً. والأمر نفسه لإحالة قانون على المحكمة الدستورية.
هنا تظهر نقطة ضعف المعارضة المحتملة. فالعدالة والتنمية بـ54 مقعداً، حتى لو انضم إليه تحالف اليسار بمقاعده الثمانية، لا يبلغ هذا العتبة. يحتاج إلى حزب ثالث بحجم الاتحاد الاشتراكي أو التقدم والاشتراكية.
لذلك، فإن قرار الأحزاب الوسطى لا يحدد فقط حجم الحكومة، بل يحدد أيضاً ما إذا كان البرلمان المقبل سيعرف معارضة قادرة على المحاسبة الفعلية، أم معارضة صاخبة بلا أدوات.
ما الذي سيتغير بالنسبة للمواطن؟
قد يبدو الحديث عن المقاعد والمجالس الوطنية بعيداً عن هموم الناس. لكنه في الواقع يحدد من سيدير ملفات الماء والتشغيل والسكن والقدرة الشرائية، ومن سيحاسبه. حكومة بأغلبية واسعة قد تكون أكثر استقراراً، لكنها قد تكون أيضاً أكثر ميلاً للتساهل مع نفسها. وأغلبية ضيقة قد تكون أكثر يقظة، لكنها معرضة لابتزاز الشركاء الصغار.
وفي كل الأحوال، فإن الأحزاب التي ستدخل الحكومة تدخلها أمام ناخبين لم يتجاوز عدد المصوتين منهم حوالي ستة ملايين، في هيئة ناخبة تقارب 15.8 مليوناً. وهذا وحده كافٍ لتذكير الجميع بأن الشرعية لا تكتمل بالتحالفات وحدها.
سبت الحسم
حين تنتهي أشغال المجلسين الوطنيين للأحرار والاستقلال، ستكون الصورة أوضح بكثير. فإما أن تحصل المنصوري على ثلاثي مريح يتيح لها تشكيل حكومتها في آجال معقولة، وإما أن تبدأ مفاوضات أطول حول الحقائب والأولويات وأسماء الوزراء.
أما في الضفة الأخرى، فقد اختار بنكيران أن يراهن على الزمن. فالمعارضة بالنسبة إليه ليست عقاباً، بل استثمار في 2031. وبين حكومة تبحث عن تماسكها ومعارضة تبحث عن أدواتها، سيكون البرلمان المقبل أكثر حيوية مما عرفه المغاربة خلال الولاية الماضية.
في نظركم، هل يكفي تحالف الأحزاب الثلاثة الكبرى لضمان حكومة منسجمة، أم أن المغرب يحتاج اليوم إلى معارضة أقوى أكثر مما يحتاج إلى أغلبية أوسع؟

أضف تعليقاً