الجمعة، 23 أكتوبر 2026

ارتفاع جديد في أسعار المحروقات: من يستفيد من الدعم ومن يدفع الثمن؟

الغازوال يتجاوز 16 درهماً مع فاتح أكتوبر 2026، فيما يقترب دعم مهنيي النقل من 12 مليار درهم منذ 2022. قراءة في بنية السعر، ومن يستفيد فعلاً من الدعم، ومن يتحمل الكلفة.

في الساعات الأولى من صباح الخميس فاتح أكتوبر 2026، وقف سائقو السيارات أمام لوحات محطات الوقود ليكتشفوا أن لتر الغازوال تجاوز عتبة 16 درهماً في عدد من المدن. زيادة جديدة في أسعار المحروقات تراوحت بين 80 و85 سنتيماً للغازوال، ونحو 40 سنتيماً للبنزين، في ثالث موجة ارتفاع منذ منتصف يوليوز.

الأرقام وحدها لا تحكي القصة كاملة. ففي الوقت الذي يدفع فيه المواطن الفرق كاملاً عند المضخة، تواصل الدولة صرف دعم مباشر لمهنيي النقل الطرقي، اقترب مجموعه منذ 2022 من 12 مليار درهم. وبين هذين الرقمين، يطرح سؤال قديم نفسه من جديد: من يحميه الدعم فعلاً، ومن يتحمل الكلفة في النهاية؟

أسعار المحروقات: موجة ثالثة في أقل من ثلاثة أشهر

لم تأتِ زيادة أكتوبر من فراغ. فمنذ اندلاع الحرب في منطقة الخليج في فبراير الماضي، عاشت أسواق الطاقة العالمية على إيقاع الاضطراب. وقد عاد خام برنت إلى الارتفاع بقوة مطلع شتنبر، بعد هدوء نسبي خلال الصيف، مع تجدد الهجمات على خطوط الملاحة والبنيات الطاقية.

وفي المغرب، الذي يستورد تقريباً كل حاجياته من المواد البترولية، ينتقل هذا الاضطراب بسرعة إلى المحطات. فقد ارتفعت فاتورة الواردات الطاقية بنسبة 29.1 في المائة إلى غاية متم يوليوز، لتبلغ حوالي 81.2 مليار درهم، مدفوعة أساساً بقفزة واردات الغازوال والفيول.

غير أن جزءاً من القصة محلي بامتياز. فمنذ تحرير أسعار المحروقات في دجنبر 2015، وتوقف مصفاة “سامير” عن الاشتغال في السنة نفسها، أصبح السعر عند المضخة حصيلة ثلاثة عناصر: كلفة الاستيراد، والضرائب، وهوامش شركات التوزيع.

ماذا يوجد داخل لتر الغازوال؟

قبل الحديث عن الدعم، يجدر تفكيك السعر نفسه. فحسب معطيات مجلس المنافسة، تتوزع بنية السعر عند المحطة على النحو التالي:

المكوّنالغازوالالبنزين
كلفة الشراء والاستيراد54%46%
الضرائب (الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة)31%38%
هوامش التوزيع (الجملة والمحطات)حوالي 15%حوالي 16%

هذا الجدول يكشف أمرين مهمين. أولاً، الدولة ليست طرفاً محايداً في المعادلة، فهي تحصّل ما يقارب ثلث سعر الغازوال وأكثر من ثلث سعر البنزين. ثانياً، الضريبة على القيمة المضافة تُحتسب كنسبة من السعر، ما يعني أن كل ارتفاع عند المضخة يرفع تلقائياً جزءاً مما تحصّله الخزينة.

أما شركات التوزيع التسع الكبرى، فقد سجلت خلال الفصل الأخير من 2025، وفق تقرير مجلس المنافسة الصادر في يونيو الماضي، هامش ربح خام متوسط قدره 1.23 درهم للتر الغازوال و1.85 درهم للتر البنزين. ورغم أن هذه الهوامش تراجعت مقارنة بفترات سابقة، فإن التقرير نفسه سجّل أن انخفاضات الأسعار الدولية لم تنتقل دائماً بالكامل إلى المستهلك، خصوصاً في الغازوال.

12 مليار درهم: كيف تراكم دعم مهنيي النقل؟

انطلق الدعم الاستثنائي لمهنيي النقل الطرقي في مارس 2022، حين قفزت أسعار الطاقة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا. والفكرة كانت بسيطة: تعويض الناقلين عن جزء من كلفة الوقود مقابل الإبقاء على تعرفة النقل العمومي مستقرة، حتى لا يؤدي المواطن الزيادة مرتين.

المرحلةالمبلغ المصروف
أبريل إلى دجنبر 20224.42 مليار درهم
سنة 20232.5 مليار درهم
الربع الأول من 2024مليار درهم
من مارس إلى متم غشت 20261.9 مليار درهم

وبإضافة الدفعات الأخرى التي صُرفت بين هذه المراحل، ثم دفعة شتنبر الجديدة التي امتدت ثلاثين يوماً، يقترب المجموع من 12 مليار درهم في أقل من خمس سنوات.

ويشمل البرنامج حوالي 180 ألف عربة، بمبالغ تختلف حسب الصنف. فقد حُددت في نسخته الأولى بحوالي 1600 درهم لسيارة الأجرة الصغيرة، و2200 درهم للكبيرة، و7000 درهم لحافلات النقل بين المدن، وتصل إلى 6000 درهم للجرارات الطرقية لنقل البضائع. وتُصرف الدفعات عبر منصة رقمية خاصة تابعة لوزارة النقل واللوجيستيك.

من يستفيد فعلاً من الدعم؟

على الورق، المستفيد المباشر هو المهني، والمستفيد غير المباشر هو المواطن الذي يركب الطاكسي أو الحافلة دون أن تتغير التعرفة. وفي جزء كبير من المدن، صمدت التعرفة الرسمية فعلاً.

لكن الواقع اليومي أكثر تعقيداً. فكثير من المغاربة يلاحظون أن “التعريفة الرسمية” شيء، وما يُطلب منهم في ساعات الذروة أو في الخطوط القروية شيء آخر. ثم إن نقل البضائع لا يخضع لتعرفة مقننة، ما يعني أن الناقل قد يستفيد من الدعم ويرفع أسعار خدماته في الآن نفسه، فتنتقل الزيادة إلى أسعار الخضر والفواكه ومواد البناء.

وهنا يكمن ضعف هذه الآلية: الدعم يُصرف مقابل وجود العربة واستيفائها للشروط الإدارية، لا مقابل التزام قابل للقياس بأسعار الخدمة. والفرق كبير بين الحالتين.

ومن يدفع الثمن؟

الجواب الصريح: كل من يملأ خزانه من جيبه الخاص.

صاحب السيارة الخاصة الذي يتنقل يومياً إلى عمله لا يحصل على أي تعويض. والفلاح الصغير الذي يشغّل مضخة سقي بالغازوال يواجه الزيادة وحده. والأمر نفسه بالنسبة لفئات أُقصيت من البرنامج، مثل شاحنات الشركات الصناعية التي تنقل لحسابها الخاص، وبعض أصناف النقل المدرسي، ما يجعل جزءاً من الكلفة ينتقل في النهاية إلى رسوم التمدرس وأسعار المنتوجات.

ثم هناك دافع الضرائب بشكل عام. فالـ12 مليار درهم لم تهبط من السماء، بل خرجت من الميزانية العامة في سنوات كانت فيها الدولة تموّل أيضاً تعميم الحماية الاجتماعية والدعم المباشر للأسر وأوراش المونديال. وقد اقتربت نفقات المقاصة من استنفاد الاعتمادات المخصصة لها في قانون مالية 2026، فيما بلغ عجز الميزانية 58.6 مليار درهم عند متم غشت.

والمفارقة أن الدولة، وهي تصرف الدعم بيد، تحصّل بيد أخرى مداخيل ضريبية أعلى كلما ارتفع السعر. وهذا ما يدفع عدداً من الاقتصاديين والنقابات إلى المطالبة بخفض مؤقت للضريبة الداخلية على الاستهلاك بدل الدعم القطاعي، لأنه إجراء يستفيد منه الجميع عند المضخة، لا فئة دون أخرى.

لماذا لا تخفض الحكومة الضرائب بدل الدعم؟

السؤال مشروع، والجواب الرسمي معروف منذ 2022: الضرائب على المحروقات تمثل مورداً أساسياً للخزينة، وخفضها يستفيد منه أيضاً أصحاب السيارات الفارهة والشركات الكبرى، بينما يسمح الدعم الموجّه بحصر الكلفة في قطاع حيوي يمس عموم المواطنين.

هذا المنطق متماسك من حيث المبدأ. لكنه يفترض أمرين لم يتحققا بالكامل: أن يكون الاستهداف دقيقاً، وأن يكون الأثر على الأسعار قابلاً للتتبع. وبعد أربع سنوات، ما يزال المغرب يفتقر إلى تقييم عمومي مفصّل يجيب عن سؤال بسيط: كم وفّر كل درهم من الدعم على المواطن في تعرفة النقل وأسعار السلع؟

ملف ساخن على طاولة حكومة لم تتشكل بعد

تأتي زيادة أكتوبر في توقيت سياسي حساس. فالحكومة المنتهية ولايتها، التي أطلقت دفعة الدعم الأخيرة في شتنبر، تصرّف الأمور الجارية. والحكومة الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري ما تزال في طور التشكيل، بعد حملة انتخابية جعل فيها حزب الأصالة والمعاصرة القدرة الشرائية أولويته الأولى.

وهذا يعني أن أول اختبار حقيقي للحكومة الجديدة لن يكون خطاباً في البرلمان، بل قراراً عملياً: هل تستمر في الآلية نفسها، أم تعيد النظر فيها بشروط أوضح، أم تفتح ملف الضرائب على المحروقات؟ وكل خيار له كلفته، سواء على الميزانية أو على ثقة الناخبين الذين لم يتجاوزوا 38 في المائة يوم الاقتراع.

بين المضخة والميزانية

الحقيقة أن الدعم الموجّه لمهنيي النقل لم يكن خطأً في حد ذاته. فقد جنّب البلاد سنة 2022 موجة زيادات كانت ستكون أقسى على الطبقات الهشة. لكن ما بدأ كإجراء استثنائي تحوّل، مع تكرار الأزمات، إلى سياسة شبه دائمة دون أن يُعاد التفكير في قواعدها.

والسؤال اليوم لم يعد هل يجب دعم الناقلين، بل كيف نضمن أن يصل أثر هذا الدعم فعلاً إلى جيب المواطن، وكيف نوزّع كلفة صدمات الطاقة بشكل أعدل بين الدولة والشركات والمستهلك. فطالما بقي المغرب مستورداً صافياً للطاقة، ستتكرر هذه المشاهد مع كل توتر في الخليج أو في البحر الأحمر، وستبقى المضخة أول مكان يشعر فيه المغاربة بأن العالم تغيّر.

في رأيكم، هل الأجدى أن تواصل الدولة دعم مهنيي النقل، أم أن تخفض الضرائب على المحروقات لفائدة جميع المغاربة دون استثناء؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *