ثمانية عشر يوماً. هذا كل ما يفصل المغرب عن موعد 20 أكتوبر 2026، آخر أجل يحدده القانون لإيداع مشروع قانون المالية 2027 لدى مكتب مجلس النواب. والمفارقة أن الحكومة التي يُفترض أن تودعه لم تولد بعد. فرئيسة الحكومة المعيّنة فاطمة الزهراء المنصوري ما تزال في قلب المشاورات، والبرلمان الجديد لم يُفتتح، والحكومة المنتهية ولايتها تصرّف الأمور الجارية.
فماذا لو لم تتشكل الحكومة في الوقت المناسب؟ هل تتوقف الدولة عن دفع الأجور؟ هل تتجمد الأوراش؟ الجواب القصير: لا. أما الجواب الطويل، فيستحق التوقف عند النصوص والسوابق.
المادة 48: موعد لا يتحرك
ينص القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، في مادته 48، على إيداع مشروع قانون المالية للسنة المقبلة بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب في 20 أكتوبر من السنة الجارية على أبعد تقدير.
ولم يأتِ هذا التاريخ اعتباطاً. فالقانون نفسه يمنح البرلمان 58 يوماً لدراسة المشروع والتصويت عليه: 30 يوماً لمجلس النواب، و22 يوماً لمجلس المستشارين، ثم 6 أيام للقراءة الثانية في مجلس النواب. وإذا انطلق العدّاد في 20 أكتوبر، ينتهي المسار في منتصف دجنبر تقريباً، مع هامش أمان قبل 31 دجنبر، تاريخ نهاية السنة المالية.
بمعنى آخر، كل يوم تأخير في الإيداع يُقتطع مباشرة من هذا الهامش.
لكن الإيداع ليس خطوة تقنية معزولة. فقبله، يمر المشروع عبر محطتين دستوريتين: المجلس الوزاري الذي يترأسه جلالة الملك ويتداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية (الفصل 49)، ثم مجلس الحكومة الذي يصادق على المشروع (الفصل 92). وكلتا المحطتين تفترضان وجود حكومة قائمة.
أين وصل مشروع قانون المالية 2027؟
الإدارة لم تنتظر نتائج الانتخابات. ففي يوليوز 2026، قدّمت وزيرة الاقتصاد والمالية أمام لجنتي المالية بالبرلمان الإطار العام للمشروع والبرمجة الميزانياتية للسنوات الثلاث المقبلة. ثم أصدر رئيس الحكومة عزيز أخنوش، في غشت، منشوراً تأطيرياً يحدد أربع أولويات كبرى للسنة المقبلة، مع إجراءات صارمة لترشيد النفقات وضبط المناصب المالية الجديدة.
هذا يعني أن “هيكل” الميزانية جاهز إلى حد بعيد. غير أن المشروع لم يمرّ بعد عبر المجلس الوزاري ولا عبر مجلس الحكومة، ولم يُودع لدى البرلمان.
وهنا يبرز سؤال سياسي حساس طرحه عدد من أساتذة المالية العامة منذ الصيف: هل يحق لحكومة منتهية ولايتها أن ترسم أولويات سنة ستدبّرها حكومة أخرى؟ فقانون المالية ليس وثيقة محاسبية فقط، بل هو الترجمة الرقمية لبرنامج سياسي. والمنصوري خاضت حملتها على شعار القدرة الشرائية والشغل والسكن، فيما يقدّر بعض المحللين كلفة التزامات حزبها بعشرات الملايير من الدراهم سنوياً. كيف ستُدرجها في ميزانية صُممت قبل وصولها؟
سابقة 2017: حين تأخرت الحكومة ستة أشهر
لفهم ما يمكن أن يقع، تكفي العودة عشر سنوات إلى الوراء.
في 2016، اختارت حكومة عبد الإله بنكيران أن تسبق الزمن. فقد صادق المجلس الوزاري على التوجهات العامة يوم 26 شتنبر، وصادق مجلس الحكومة على المشروع يوم 4 أكتوبر، ثم أُودع لدى مجلس النواب يوم 6 أكتوبر، أي قبل يوم واحد من الانتخابات.
لكن الإيداع المبكر لم يحل المشكلة. فقد دخلت البلاد في “البلوكاج” الشهير، ولم ينتخب مجلس النواب هياكله إلا في يناير 2017، فبقي المشروع حبيس الرفوف. ومع اقتراب نهاية السنة، لجأت الحكومة إلى الحل الذي يتيحه الدستور: مرسومان، الأول يفتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية، والثاني يسمح باستخلاص المداخيل وفق النصوص الجاري بها العمل.
ولم يُقدَّم المشروع رسمياً أمام البرلمان إلا يوم 27 أبريل 2017، في جلسة مشتركة عرض فيها وزير الاقتصاد والمالية آنذاك محمد بوسعيد توجهاته الكبرى، بحضور رئيس الحكومة الجديد سعد الدين العثماني. أي أن المغرب عاش قرابة نصف سنة بميزانية “مؤقتة” مفتوحة بمرسوم.
اللافت أن التأثير الاقتصادي بقي محدوداً. فقد أكد بوسعيد أمام البرلمان أن تنفيذ ميزانية 2017 المفتوحة بمرسوم سار بوتيرة عادية، بما فيها نفقات الاستثمار.
سابقة 2022: سباق ضد الساعة انتهى في الوقت
التجربة الثانية أقرب زمنياً، وأكثر إثارة. ففي 2021، جرت الانتخابات يوم 8 شتنبر، وعُيّن عزيز أخنوش رئيساً للحكومة يوم 10 شتنبر. ثم عُيّنت الحكومة يوم 7 أكتوبر، ونالت ثقة مجلس النواب يوم 13 أكتوبر.
وبعد خمسة أيام فقط، يوم 18 أكتوبر 2021، صادق مجلس الحكومة على مشروع قانون المالية لسنة 2022، وأُودع لدى مكتب مجلس النواب في اليوم نفسه، أي قبل يومين من انقضاء الأجل. وقُدّم المشروع في جلسة مشتركة يوم 25 أكتوبر.
| المحطة | مالية 2017 | مالية 2022 | مالية 2027 |
|---|---|---|---|
| يوم الاقتراع | 7 أكتوبر 2016 | 8 شتنبر 2021 | 23 شتنبر 2026 |
| مصادقة مجلس الحكومة | 4 أكتوبر 2016 | 18 أكتوبر 2021 | لم تتم بعد |
| الإيداع لدى مجلس النواب | 6 أكتوبر 2016 | 18 أكتوبر 2021 | قبل 20 أكتوبر 2026 |
| المآل | مرسوما فتح اعتمادات، ثم قانون في منتصف 2017 | قانون مالية قبل نهاية السنة | مفتوح |
الدرس واضح: بين تعيين أعضاء حكومة أخنوش والإيداع، مرّ 11 يوماً فقط. وإذا أرادت المنصوري تكرار السيناريو نفسه، فعليها أن تُعيَّن حكومتها في حدود 9 أكتوبر، أي يوم افتتاح الدورة البرلمانية.
ماذا لو فات موعد 20 أكتوبر؟
هنا يكمن جوهر النقاش. فالقانون التنظيمي يحدد الأجل، لكنه لا يرتّب جزاءً صريحاً على تجاوزه. التأخير بأيام قليلة لا يُبطل المشروع، لكنه يضغط على الآجال البرلمانية ويقلّص زمن النقاش والتعديل.
أما الخطر الحقيقي، فهو عدم التصويت على القانون قبل 31 دجنبر. وحتى في هذه الحالة، وضع الدستور صمام أمان في الفصل 75: إذا لم يتم التصويت على قانون المالية في نهاية السنة، تفتح الحكومة بمرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية، على أساس ما هو مقترح في المشروع المعروض على البرلمان. ويستمر استخلاص المداخيل وفق النصوص الجاري بها العمل.
ويمكن تلخيص السيناريوهات الممكنة في ثلاثة:
| السيناريو | الشرط | النتيجة |
|---|---|---|
| نموذج 2021 | تعيين الحكومة وتنصيبها قبل منتصف أكتوبر | إيداع في الأجل وقانون مالية قبل 31 دجنبر |
| تأخير محدود | تنصيب الحكومة بعد 20 أكتوبر بأيام | إيداع متأخر ونقاش برلماني مضغوط |
| نموذج 2017 | تعثر طويل في تشكيل الأغلبية | مرسوم لفتح الاعتمادات ابتداء من فاتح يناير وقانون مالية لاحق |
الحل الوسط: ميزانية الآن، وتعديلها لاحقاً
بين الضغط الزمني والرغبة في وضع البصمة السياسية، يبقى أمام الحكومة الجديدة مخرج قانوني آخر. فالقانون التنظيمي يسمح بتغيير أحكام قانون المالية خلال السنة عبر قانون مالية معدّل.
بمعنى آخر، قد تختار المنصوري إيداع المشروع الذي أعدته الإدارة مع تعديلات محدودة، احتراماً للآجال، ثم العودة في 2027 بقانون مالية معدّل يترجم أولويات برنامجها الحكومي. وقد سبق للمغرب أن لجأ إلى هذه الآلية سنة 2020 في سياق الجائحة.
لكن هذا الخيار له ثمن سياسي. فالمعارضة، وعلى رأسها العدالة والتنمية بمقاعده الأربعة والخمسين، لن تتردد في وصف الحكومة بأنها تتبنى “ميزانية أخنوش”، وهي التي خاضت حملتها على نقد حصيلته.
ما الذي يعنيه هذا للمواطن والمقاولة؟
بالنسبة للموظف والمتقاعد، لا خوف على الأجور والمعاشات. فالسوابق تؤكد أن الدولة لا تتوقف، وأن المرسوم يضمن استمرار النفقات الأساسية.
غير أن القلق الحقيقي في مكان آخر. فالمقاولات تنتظر الإجراءات الجبائية الجديدة لتبني توقعاتها. والجماعات الترابية تنتظر تحويلاتها لتطلق مشاريعها. والأسر تنتظر أن تعرف ما إذا كانت وعود القدرة الشرائية ستتحول إلى أرقام في الميزانية أم ستبقى شعارات انتخابية. وكل شهر من الانتظار هو شهر من الضبابية.
ثم إن سنة 2027 ليست سنة عادية. فهي سنة تسريع أوراش مونديال 2030 والبنيات التحتية الكبرى ومواصلة تعميم الحماية الاجتماعية، وميزانية مؤقتة قد تحمي المصاريف الجارية، لكنها لا تصنع اختيارات جديدة.
امتحان الحكومة الأول
يبدو موعد 20 أكتوبر تقنياً في ظاهره، لكنه في العمق أول امتحان سياسي لحكومة المنصوري، حتى قبل أن تنال ثقة البرلمان. فإن نجحت في الإيداع في الأجل، ستبعث برسالة جدية وانضباط مؤسساتي. وإن تأخرت، فلن تنهار الدولة، لكنها ستبدأ ولايتها وهي تدبّر ميزانية لم تكتبها وتعتذر عن وعود لم تموّلها بعد.
التجربتان السابقتان تعلّمان شيئاً بسيطاً: المؤسسات المغربية تملك ما يكفي من الآليات لضمان الاستمرارية، لكن الزمن السياسي الضائع لا يُسترجع بمرسوم.
في رأيكم، هل الأفضل أن تحترم الحكومة الجديدة موعد 20 أكتوبر بميزانية جاهزة وتعدّلها لاحقاً، أم أن تأخذ وقتها لصياغة ميزانية تحمل بصمتها ولو تجاوزت الأجل؟

أضف تعليقاً