الجمعة، 23 أكتوبر 2026

من التعيين إلى التنصيب: كيف تتشكل الحكومة الجديدة دستورياً؟

بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري أول رئيسة للحكومة في تاريخ المغرب، نشرح المحطات الدستورية لتشكيل الحكومة الجديدة، من الفصل 47 إلى التنصيب البرلماني، ورهانات الأغلبية المقبلة.

في ظرف ستة أيام فقط، انتقل المغاربة من طوابير مكاتب التصويت إلى مشهد لم تعرفه المملكة من قبل: امرأة تخرج من القصر الملكي بالرباط وهي مكلفة رسمياً بتشكيل الحكومة. يوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026، عيّن جلالة الملك محمد السادس السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة، بمقتضى الفصل 47 من الدستور.

الحدث تاريخي بلا جدال. لكن خلف الصورة الرمزية، يبدأ الآن مسار دستوري وسياسي دقيق، لا تقل محطاته أهمية عن لحظة التعيين نفسها. فالمنصوري اليوم رئيسة حكومة معيّنة، لكنها لم تصبح بعد رئيسة حكومة منصّبة. وبين الصفتين مسافة يحكمها نص الدستور وحسابات المقاعد ومزاج الأحزاب، وهي المسافة التي تحدد إيقاع تشكيل الحكومة الجديدة.

الفصل 47: تعيين تحكمه صناديق الاقتراع

قبل دستور 2011، كان للملك هامش واسع في اختيار الوزير الأول. اليوم تغيّرت القاعدة: ينص الفصل 47 على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.

وهذا بالضبط ما حدث. ففي اقتراع 23 شتنبر، تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً من أصل 395، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار (66 مقعداً) وحزب الاستقلال (65 مقعداً)، فيما عاد حزب العدالة والتنمية بقوة إلى 54 مقعداً بعد أن كان قد تراجع إلى 13 مقعداً فقط سنة 2021.

اللافت هنا أن الدستور يُلزم بالحزب، لا بالشخص. فهو لا يشترط أن يكون رئيس الحكومة هو الأمين العام للحزب المتصدر. ومع ذلك، رسّخت الممارسة منذ 2011 عرفاً واضحاً: تعيين من يقود الحزب. والمنصوري، التي تقود الحزب في إطار قيادة جماعية منذ فبراير 2024، تنسجم مع هذا العرف تماماً.

مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة بلا ساعة رملية

بمجرد التعيين، تنطلق مرحلة المشاورات. وهنا تحديداً يصمت الدستور. لا يوجد فصل يحدد مهلة زمنية، ولا مسطرة تُفرض على رئيس الحكومة المعيّن، ولا جواب صريح عمّا يحدث إذا تعثّرت المفاوضات.

المنصوري لم تُضيّع الوقت. يوم الأربعاء 30 شتنبر، استقبلت قيادات التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية. وفي اليوم الموالي، واصلت لقاءاتها مع الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، على أن يُستقبل تحالف اليسار مساء الجمعة.

غير أن الجولة الأولى لم تخلُ من رسائل سياسية. فعبد الإله بنكيران، الأمين العام للعدالة والتنمية، رفض أن يتم اللقاء في مقر حزب الأصالة والمعاصرة. تفصيل قد يبدو بروتوكولياً، لكنه يختزل جزءاً من التوتر التاريخي بين الحزبين.

ولمن يعتقد أن المشاورات مجرد إجراء شكلي، تكفي العودة إلى سنة 2016. يومها عُيّن بنكيران رئيساً للحكومة في 10 أكتوبر، ودخلت البلاد ما سُمّي بـ”البلوكاج” لأكثر من خمسة أشهر، قبل أن يُعفى في مارس 2017 ويُعيَّن سعد الدين العثماني من الحزب نفسه. الدرس الذي استخلصه الجميع آنذاك بسيط: تصدّر الانتخابات يمنحك التكليف، لكنه لا يضمن لك الأغلبية.

الرقم 198: كلمة السر في المعادلة

لماذا كل هذا الحرص على التحالفات؟ لأن الحكومة لا تولد فعلياً إلا إذا صوّتت لصالح برنامجها الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، أي 198 نائباً على الأقل. وبـ97 مقعداً، تحتاج المنصوري إلى أكثر من 100 مقعد إضافي.

الحزبمقاعد 2021مقاعد 2026الفارق
الأصالة والمعاصرة8797+10
التجمع الوطني للأحرار10266-36
الاستقلال8165-16
العدالة والتنمية1354+41

الحساب يكشف أن السيناريو الأسهل عددياً هو إعادة إنتاج ثلاثي الأغلبية السابقة: الأصالة والمعاصرة والأحرار والاستقلال يجمعون 228 مقعداً، أي أغلبية مريحة. لكن الحساب السياسي شيء آخر. فالأحرار، الذي قاد الحكومة المنتهية ولايتها، خرج من الانتخابات بخسارة ثقيلة، وقد يجد صعوبة في قبول دور الشريك الثاني. أما الاستقلال فموقفه لم يُحسم علناً بعد.

بمعنى آخر، المقاعد متوفرة، والسؤال الحقيقي هو الثمن: عدد الحقائب، ووزن القطاعات، ومن يقود الأوراش الكبرى.

من لائحة الأسماء إلى الظهير الملكي

حين تنضج التوافقات، تأتي المحطة الثانية التي يحددها الفصل 47 نفسه: يعيّن الملك أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. أي أن المنصوري ستعرض على جلالة الملك تشكيلة متكاملة، تحدد الهيكلة والأسماء.

ويحدد الفصل 87 أن الحكومة تتألف من رئيس الحكومة والوزراء، ويمكن أن تضم كتاباً للدولة، فيما يضبط القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة باقي التفاصيل.

وفي هذه المرحلة تحديداً، يراقب الرأي العام مؤشرات دقيقة: هل ستكون الحكومة أصغر حجماً؟ هل ستُدمج قطاعات أم تُفكك أخرى؟ وكم امرأة ستجلس في مجلس الحكومة الذي تترأسه امرأة لأول مرة؟

الفصل 88: الامتحان الحقيقي داخل البرلمان

التعيين الملكي لأعضاء الحكومة لا يعني نهاية الطريق. فالفصل 88 يضع الحكومة أمام امتحان أخير: تتقدم رئيسة الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، وتعرض البرنامج الذي تعتزم تطبيقه، ثم يُناقش في المجلسين، قبل أن يُعرض للتصويت في مجلس النواب وحده.

ولا تُعتبر الحكومة منصّبة إلا بعد حصولها على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء هذا المجلس. هنا يتحول التحالف من وعود في قاعات المشاورات إلى أصوات مرفوعة تحت قبة البرلمان.

وهناك تفصيل زمني مهم: البرلمان الجديد نفسه لم يُفتتح بعد. فبحسب الفصل 65، تبدأ الدورة الأولى يوم الجمعة الثانية من أكتوبر، أي 9 أكتوبر 2026، بافتتاح يترأسه جلالة الملك. بعدها ينتخب مجلس النواب رئيسه وهياكله، وهي محطة غالباً ما تكشف ملامح الأغلبية قبل الإعلان الرسمي عنها.

من يدير البلاد الآن؟

سؤال يطرحه كثيرون في المقاهي وعلى مواقع التواصل. والجواب يقدمه الدستور: تواصل الحكومة المنتهية مهامها تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة. أي أن حكومة عزيز أخنوش تبقى قائمة بصفة مؤقتة، تضمن استمرارية المرفق العام، دون أن تتخذ قرارات تُلزم الحكومة المقبلة بشكل دائم.

ومن المفارقات الطريفة أن المنصوري نفسها كانت عضواً في هذه الحكومة بصفتها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. فهي تنتقل من مقعد داخل الفريق إلى قيادته، وهو ما قد يمنحها معرفة دقيقة بالملفات العالقة، لكنه يضعها أيضاً أمام سؤال الاستمرارية والقطيعة.

مقارنة زمنية: كم تحتاج الحكومة لتولد؟

المحطة201620212026
يوم الاقتراع7 أكتوبر8 شتنبر23 شتنبر
تعيين رئيس الحكومة10 أكتوبر 201610 شتنبر 202129 شتنبر 2026
تعيين أعضاء الحكومة5 أبريل 20177 أكتوبر 2021قيد المشاورات
التنصيب البرلماني26 أبريل 201713 أكتوبر 2021مرتقب

الفرق بين التجربتين صارخ: حكومة احتاجت ستة أشهر ونصف، وأخرى وُلدت في أقل من خمسة أسابيع. أي النموذجين ستتبعه حكومة 2026؟ هذا ما ستكشفه الأسابيع القليلة المقبلة.

لماذا يهمّ هذا المواطن المغربي؟

قد يبدو المسار الدستوري شأناً تقنياً يخص الفقهاء والسياسيين. لكنه في الواقع يحدد إيقاع حياة الناس. فكل أسبوع تأخير يعني ميزانية تُعدّ في ظروف انتقالية، وقرارات مؤجلة في ملفات مثل التشغيل والسكن والصحة وغلاء الأسعار.

ثم إن هذه الحكومة ستكون حكومة ما قبل مونديال 2030، والمسؤولة عن تسريع أوراش الدولة الاجتماعية والبنيات التحتية الكبرى. والأهم من ذلك أنها تولد من رحم نسبة مشاركة لم تتجاوز حوالي 38 في المائة، مقابل أكثر من 50 في المائة سنة 2021. رقم يعني ببساطة أن ستة من كل عشرة ناخبين مسجلين اختاروا البقاء في بيوتهم.

لذلك، فإن الشرعية الدستورية التي ستنالها الحكومة عبر التصويت البرلماني ستحتاج إلى شرعية أخرى، تُكتسب في الميدان: شرعية الإنجاز، خاصة لدى الشباب الذين عبّروا في أكثر من مناسبة عن خيبة أملهم من السياسة التقليدية.

بين النص والممارسة

يمنح دستور 2011 المغرب خريطة طريق واضحة: تعيين من الحزب المتصدر، ثم اقتراح للأعضاء، ثم تنصيب برلماني بأغلبية مطلقة. لكنه يترك مساحة واسعة للسياسة، وتحديداً في المرحلة التي لا يذكرها بالتفصيل: المفاوضات. وفي هذه المساحة الرمادية تُختبر الأحزاب، ويُختبر نضج النخب، وتُختبر أيضاً قدرة أول رئيسة حكومة في تاريخ المملكة على تحويل لحظة رمزية إلى فريق متماسك وبرنامج قابل للتنفيذ.

التاريخ سيذكر أن المنصوري كانت الأولى. أما الحكم على تجربتها، فسيبدأ فعلياً يوم تقف أمام النواب لتطلب ثقتهم.

في رأيكم، هل ستنجح المنصوري في تشكيل حكومتها بسرعة سيناريو 2021، أم أن حسابات الأحزاب الخاسرة ستعيدنا إلى أجواء 2016؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *