بدأت الحكاية بطلب عادي جدا. مواطن مغربي يدخل إلى مكتب الحالة المدنية، يسلم دفتره ووثائقه للموظف، فيقول له هذا الأخير بلا اكتراث: “سير دور شي ساعة ورجع”. وحين عاد الرجل ليأخذ عقود الازدياد، بدأ الموظف يقلب في الأوراق، يبحث هنا وهناك، قبل أن يطلق الجملة التي تسقط كالصاعقة: “الكناش ديالك مكاينش، غالبا داه واحد آخر”. وثيقة رسمية شخصية، ضاعت بخطأ إداري، والمواطن هو من سيؤدي الثمن. هذه القصة الصغيرة، التي تتكرر يوميا في عشرات الإدارات، تفتح بابا واسعا على حقوق يملكها كل مغربي أمام الإدارة، لكنه في الغالب لا يعرف بوجودها أصلا.
منذ سنة 2020، دخل حيز التنفيذ قانون كان من المفترض أن يغير علاقة المواطن بالإدارة جذريا. إنه القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية. مرت أكثر من خمس سنوات على تطبيقه، ومع ذلك لا تزال إدارات كثيرة تتصرف وكأنه لم يصدر. والسبب بسيط: حين يجهل المواطن حقه، يسهل تجاهله.
وثائق لم يعد من حق الإدارة أن تطلبها منك
لنبدأ بأكثر نقطة عملية. حين تتوجه إلى أي إدارة عمومية أو جماعة أو مؤسسة عمومية لقضاء غرض، هناك أشياء صارت ممنوعة على الموظف أن يطلبها منك، ومع ذلك ما زال بعضهم يطلبها بحكم العادة.
أولها، لم يعد من حقهم أن يطالبوك بأكثر من نسخة واحدة من الوثيقة أو الملف. الزمن الذي كانوا يطلبون فيه “جوج فوطوكوبيات د لاكارط ناسيونال” انتهى قانونيا.
ثانيها، وهي النقطة التي يجهلها الأغلبية، لم يعد مقبولا أن يطلبوا منك نسخة مطابقة للأصل. تلك العملية المرهقة التي كنت تركض فيها إلى المقاطعة لتصادق على أن الفوتوكوبي مطابق للأصلية، ألغاها القانون. فإذا شك الموظف في صحة نسختك، فحقه الوحيد هو أن يطلب منك الأصلية ليعاينها بعينيه ويقارنها، ثم يعيدها لك في الحال. لا مصادقة، ولا ركض، ولا رسوم إضافية.
ثالثها، تصحيح الإمضاء أمام الإدارة. صحيح أن بعض العقود بين الأفراد تحتاج تصحيح الإمضاء، لكن حين يتعلق الأمر بطلب موجه لإدارة عمومية للحصول على شهادة أو رخصة، فلم يعد من حقهم فرض تصحيح إمضائك على طلب تودعه لديهم.
نقطة جوهرية يجب أن تكون واضحة: كل هذه الممنوعات تخص الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية وحدها. أما القطاع الخاص، كالبنوك والشركات، وكذا السفارات والقنصليات الأجنبية، فيبقى من حقها أن تطلب منك المصادقة أو تصحيح الإمضاء إن شاءت. لا تخلط بين الحالتين.
عشرات الشواهد التي أُلغيت وما زالت تُطلب
هنا تكمن مفارقة مؤلمة. فبموجب دورية صادرة عن وزارة الداخلية موجهة إلى الولاة والعمال ورؤساء المجالس الجماعية بتاريخ 21 أبريل 2021، أُلغيت مجموعة كبيرة من الشواهد الإدارية التي كانت تُطلب من المواطنين. ومع ذلك، لا تزال بعض الإدارات تطالب بها اليوم، بعد أكثر من خمس سنوات على إلغائها.
من بين هذه الشواهد الملغاة نجد لائحة طويلة: شهادة العزوبة، وشهادة الحياة، وشهادة القرابة العائلية، وشهادة التحمل العائلي، وشهادة عدم الزواج، وشهادة الترمل، وشهادة تأكيد الزواج، وشهادة عدم الطلاق، وشهادة تعدد الزوجات، وغيرها كثير. الفلسفة وراء الإلغاء منطقية: لماذا يُطلب من المواطن أن يثبت للإدارة معلومة تملكها الإدارة نفسها في سجلاتها؟
| ما كان معمولا به سابقا | ما ينص عليه قانون 2020 اليوم |
|---|---|
| المصادقة على نسخة مطابقة للأصل | ممنوعة، يكفي عرض الأصلية للمعاينة |
| تصحيح الإمضاء على الطلبات الإدارية | غير مطلوب أمام الإدارة العمومية |
| تقديم عدة نسخ من نفس الوثيقة | نسخة واحدة تكفي |
| شواهد إدارية كالعزوبة والحياة والقرابة | ملغاة بدورية 21 أبريل 2021 |
| طلب وثيقة تملكها الإدارة أصلا | ممنوع |
سلاحك الأول: وصل الإيداع
نعود الآن إلى قصة الرجل الذي ضاعت وثيقته. لو أنه، حين سلم دفتر الحالة المدنية، طلب من الموظف وصلا بالاستلام، لكان في موقع قوة تام. فالوصل هو ما يثبت أنك سلمت وثيقتك أو ملفك للإدارة في تاريخ معين. وبدونه، يصبح كلامك مجرد ادعاء يسهل إنكاره.
تخيل السيناريو: الموظف يخاف من المسؤولية بعد ضياع وثيقتك، فينكر ببساطة أنك سلمته أي شيء. “ما عمرك جيتي عندي”. وإذا كانت الكاميرات معطلة أو غير موجودة، تجد نفسك بلا دليل. لهذا فإن أي طلب لرخصة أو ملف أو وثيقة تودعها، يجب أن تطالب مقابله بوصل إيداع. هذا حقك، وهو يحمل ضمانتين معا: يثبت أنك أودعت الوثائق، ويحدد التاريخ الذي تبدأ منه احتساب الآجال القانونية.
يؤكد أحد الفاعلين الجمعويين يشتغل على قضايا حماية المرتفقين، أن “المشكل عندنا ليس في غياب القوانين، بل في أن المواطن لا يعرف حقه فلا يطالب به. الموظف الذي يجد أمامه مرتفقا واعيا بالقانون يتعامل معه بطريقة مختلفة تماما عن مرتفق يجهل كل شيء. الوعي وحده يغير موازين القوة”.
الصمت الذي يتحول إلى موافقة
من أذكى ما جاء به قانون التبسيط مبدأ يقلب القاعدة القديمة رأسا على عقب. في السابق، كان صمت الإدارة يعني الرفض، وكنت تنتظر ردا قد لا يأتي أبدا. اليوم، صار العكس هو الأصل في كثير من الحالات: إذا انصرم الأجل القانوني المحدد لمعالجة طلبك ولم ترد الإدارة، لا بالقبول ولا بالرفض ولا بطلب وثيقة ناقصة، فإن صمتها يُعتبر موافقة ضمنية.
لنأخذ مثالا ملموسا. أودعت طلب رخصة بناء، وملفك كامل، وبيدك وصل الإيداع. مرت المدة المحددة، ولنقل ستين يوما، دون أي جواب. هنا يتحول صمت الجماعة إلى موافقة. يمكنك حينها التوجه إلى العمالة بوصل الإيداع، لتخبرهم أنك أودعت طلبك ولم تتلق جوابا داخل الأجل، فتحصل على ما يثبت هذه الموافقة الضمنية. هذا المبدأ يضع ضغطا حقيقيا على الإدارة كي تحترم الآجال، ويحمي المواطن من المماطلة اللانهائية. لكن انتبه: كل هذا لا قيمة له بدون وصل الإيداع الذي يثبت تاريخ بداية الأجل.
منصة “إداراتي“: الخريطة التي تحميك من الابتزاز
كيف تعرف، في كل مرة، ما هي الوثائق المطلوبة بالضبط، وكم تكلف، وما هو الأجل القانوني للرد؟ الجواب موجود في منصة رسمية أحدثتها الدولة اسمها “إداراتي”. يكفي أن تكتب اسم الوثيقة أو الرخصة التي تريدها، سواء كنت مواطنا عاديا أو مهنيا أو مستثمرا، لتظهر لك كل التفاصيل: قائمة الوثائق المطلوبة بدقة، والرسوم المحددة إن وجدت، والآجال التي يجب أن تحترمها الإدارة، وحتى المصلحة التي ستتوجه إليها.
قوة هذه المنصة أنها تقطع الطريق على أي تلاعب. فإذا طلب منك موظف وثيقة غير مدرجة في اللائحة الرسمية، تعرف فورا أنه يتجاوز حقه. وإذا حاول أحد أن يفرض عليك رسوما إضافية، تكتشف الحقيقة بنقرة واحدة. المنصة تُلزم الطرفين معا: تلزمك أنت بتقديم ما هو مطلوب فقط، وتلزم الإدارة بألا تطلب أكثر منه، وبأن تحترم الآجال والرسوم المعلنة.
قاعدة ذهبية أخيرة: لا تفرّط في أصولك
تبقى نصيحة جوهرية تختصر كل ما سبق. وثائقك الرسمية الأصلية، من بطاقتك الوطنية إلى عقد زواجك إلى دفتر حالتك المدنية، لا تسلمها نهائيا لأي جهة، ولو كانت إدارة عمومية. أعطهم نسخة، واحتفظ أنت بالأصل دائما. وإذا أرادوا التأكد من مطابقة النسخة، أحضر الأصلية ليعاينوها أمامك ثم يعيدوها لك في الحال. هذه العادة البسيطة كفيلة بأن تجنبك جبلا من المشاكل، خصوصا مع الوثائق التي يكلفك استخراجها من جديد وقتا ومالا.
في نهاية المطاف، يكشف قانون تبسيط المساطر عن حقيقة أعمق من مجرد إجراءات إدارية. فالقانون الجيد لا يكفي وحده، ما لم يقترن بمواطن يعرف حقه ويطالب به، وبإدارة تحدّث موظفيها وتُلزمهم بتطبيق ما صدر. خمس سنوات مرت، وما زالت الفجوة قائمة بين النص والممارسة. والسؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا جميعا: هل المسؤولية عن هذه الفجوة تقع على الإدارة التي لم تحدّث موظفيها، أم علينا نحن المواطنين الذين لا نكلف أنفسنا عناء معرفة حقوقنا قبل أن نلج باب أي مصلحة؟

أضف تعليقاً