في صيف تتجاوز فيه الحرارة عتبة الثمانية والأربعين درجة في بعض المناطق، قد يكون الفرق بين غابة تحترق وأخرى تنجو مجرد خريطة يجهل أغلب المغاربة وجودها أصلا. فمع مطلع غشت 2026، حدّثت الوكالة الوطنية للمياه والغابات خرائط توقع مخاطر حرائق الغابات، مصنّفة عشرات الأقاليم بين “خطورة قصوى” و”خطورة مرتفعة”. لكن السؤال الحقيقي ليس فقط أين تندلع النيران، بل: هل يعرف المواطن العادي أن منطقته مصنّفة حساسة، وهل يدرك أن سلوكا بسيطا قد يحوّله من ضحية إلى متسبب يلاحقه القانون؟
ما هي هذه الخرائط ولماذا ظهرت الآن
قبل الحديث عن التصنيفات، لا بد من فهم طبيعة هذه الأداة. فالوكالة الوطنية للمياه والغابات لا تصدر هذه الخرائط اعتباطا، بل تعتمد نظام إنذار مبكر لتقييم مخاطر حرائق الغابات، يصدر بصورة دورية استنادا إلى معطيات علمية دقيقة.
هذه المعطيات تشمل عدة عوامل مترابطة: طبيعة الغطاء الغابوي وقابليته للاشتعال، والتوقعات المناخية، ومستوى الجفاف، والخصائص الطبوغرافية للمناطق. بعبارة أوضح، الخريطة ليست تخمينا، بل نموذج علمي يجمع بين حالة النبات والطقس وتضاريس الأرض ليتنبأ بأي المناطق أكثر عرضة لاندلاع النار. وهذا التوقيت، أي ذروة الصيف مع موجات الحر، هو بالضبط اللحظة التي يبلغ فيها الخطر أقصاه.
الأقاليم في دائرة الخطر: من “القصوى” إلى “المرتفعة”
المعطيات الأحدث، الخاصة بالفترة الممتدة من فاتح إلى الثالث من غشت 2026، تكشف صورة مقلقة. فقد صنّفت الوكالة تسعة أقاليم ضمن مستوى الخطورة القصوى: الحسيمة، شفشاون، فحص أنجرة، العرائش، طنجة أصيلة، تطوان، المضيق الفنيدق، الناظور، وتازة. أغلبها، كما يلاحظ القارئ، يتركز في الشمال، حيث الغطاء الغابوي الكثيف والتضاريس الجبلية التي تصعّب التدخل.
إلى جانب هذه، صُنّف أربعة عشر إقليما ضمن الخطورة المرتفعة، من بينها وزان، بركان، القنيطرة، الخميسات، بنسليمان، المحمدية، النواصر، الصويرة، وأكادير إدا أوتنان. هذا الانتشار الجغرافي الواسع يعني أن الظاهرة لم تعد حكرا على منطقة بعينها، بل تمتد من أقصى الشمال إلى الوسط والجنوب.
| مستوى الخطورة | نماذج من الأقاليم المعنية |
|---|---|
| خطورة قصوى | الحسيمة، شفشاون، طنجة أصيلة، تطوان، الناظور، تازة |
| خطورة مرتفعة | وزان، بركان، القنيطرة، الصويرة، أكادير إدا أوتنان |
من المهم أن يفهم المواطن أن هذا التصنيف متغير أسبوعيا. فالخريطة التي تضع إقليمه اليوم في المنطقة الآمنة قد تنقله الأسبوع المقبل إلى الخطورة القصوى إذا تغيرت الظروف المناخية. لذلك، متابعة التحديثات الدورية ليست ترفا، بل جزء من اليقظة المطلوبة.
البعد القانوني: حين يتحول الإهمال إلى جريمة
هنا يكمن الجانب الذي يغفل عنه كثيرون. فالتعامل مع الغابة ليس متروكا للأهواء، بل يؤطره القانون بصرامة. فالظهير المتعلق بالمحافظة على الغابات وحمايتها يجرّم التسبب في حرائق الغابات، سواء عن عمد أو عن إهمال، ويرتب على ذلك عقوبات قد تصل إلى السجن والغرامات الثقيلة، خصوصا حين ينتج عن الحريق ضرر جسيم.
هذا يعني أن من يشعل نارا لإعداد شواء في منطقة غابوية، أو يرمي عقب سيجارة، أو يترك زجاجة قد تعكس أشعة الشمس فتشعل العشب اليابس، قد يجد نفسه أمام مساءلة جنائية إذا تسبب ذلك في حريق، حتى لو لم يكن يقصد. القانون هنا لا يشترط النية دائما، بل يعاقب على الإهمال المفضي إلى الكارثة.
يقول خبير مغربي في القانون البيئي، فضّل عدم الكشف عن اسمه نظرا لطبيعة عمله الاستشاري، إن “المشكلة أن كثيرا من المواطنين يتعاملون مع الغابة كفضاء مباح للترفيه دون وعي بأنها ملك عمومي محمي قانونا. الجهل بالقانون لا يعفي من المسؤولية. من يتسبب في حريق غابوي، ولو بإهمال بسيط كإشعال نار للطبخ في يوم عاصف، قد يواجه عقوبات ثقيلة، ويتحمل أحيانا تكاليف إعادة التشجير التي تُقدّر بملايين الدراهم”.
واجب التبليغ: المواطن كخط دفاع أول
إلى جانب واجب الامتناع عن السلوكات الخطيرة، هناك بعد قانوني وأخلاقي آخر: واجب التبليغ. فالوكالة تدعو صراحة القاطنين بجوار الفضاءات الغابوية، والمصطافين، والزوار، والمهنيين، إلى توخي أقصى درجات اليقظة، وإلى الإبلاغ الفوري للسلطات المختصة عن أي دخان، أو بداية حريق، أو سلوك مشبوه قد يتسبب في اندلاع النار.
هذا التبليغ ليس مجرد فعل تطوعي، بل هو حلقة أساسية في منظومة الحماية. فقد أثبتت التجربة أن سرعة الرصد والتبليغ والتدخل الميداني المنسق مكّنت من احتواء الغالبية العظمى من الحرائق في مراحلها الأولى. بعبارة أخرى، المكالمة الهاتفية التي يجريها مواطن حين يرى خيط دخان قد تنقذ غابة بأكملها، بينما الصمت أو التردد قد يحوّل شرارة صغيرة إلى كارثة تلتهم آلاف الهكتارات.
كيف يتحقق المواطن من تصنيف منطقته
الجانب العملي الذي يهم كل أسرة هو: كيف أعرف إن كانت منطقتي مصنّفة حساسة؟ الجواب أن الوكالة تنشر خرائطها ونشراتها الإنذارية بشكل دوري، وتتناقلها وسائل الإعلام الوطنية. لذلك، على من يقطن قرب غابة، أو ينوي قضاء عطلته في منطقة غابوية، أن يتابع هذه النشرات قبل التنقل، تماما كما يتابع نشرة الطقس.
نصائح عملية بسيطة يمكن أن تحدث فرقا: تجنب إشعال أي نار في المناطق المصنّفة خطورة قصوى أو مرتفعة، وعدم رمي أي مخلفات قابلة للاشتعال، والتأكد من إطفاء أي مصدر حراري قبل المغادرة، والاحتفاظ برقم الطوارئ للتبليغ الفوري. هذه السلوكات، رغم بساطتها، هي خط الدفاع الأول قبل تدخل رجال الوقاية المدنية والغابات.
لماذا يهم هذا كل مغربي وليس فقط سكان الشمال
قد يظن من يعيش في مدينة بعيدة عن الغابات أن الأمر لا يعنيه، لكن الحقيقة أعمق. فحرائق الغابات ليست مجرد خسارة أشجار، بل كارثة بيئية واقتصادية واجتماعية. فهي تدمر توازنا بيئيا استغرق تكوينه عقودا، وتهدد التنوع البيولوجي، وتفاقم انجراف التربة، وتؤثر على الموارد المائية التي تعتمد عليها مناطق واسعة. الغابة التي تحترق في الحسيمة أو الصويرة تمس، بشكل غير مباشر، جودة الهواء والماء والمناخ في مناطق أبعد بكثير.
الأعمق من ذلك أن هذه الخرائط تعكس تحولا في فلسفة التعامل مع الكوارث: الانتقال من رد الفعل بعد وقوع الحريق، إلى الوقاية الاستباقية عبر التنبؤ العلمي. وهذا التوجه ينسجم مع سياق مناخي عالمي تزداد فيه موجات الحر تطرفا سنة بعد سنة، ما يجعل الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر ضرورة لا خيارا. لكن نجاح هذه المنظومة لا يتوقف على دقة الخرائط وحدها، بل على مدى وصول المعلومة إلى المواطن البسيط، وعلى وعيه بأن حماية الغابة مسؤولية قانونية ومواطنة قبل أن تكون مهمة تقنية.
في نهاية المطاف، تكشف خرائط المخاطر أن العلاقة بين المواطن والغابة تغيّرت جوهريا: لم يعد كافيا أن نبكي على غابة احترقت، بل صار مطلوبا أن نقرأ الخريطة قبل أن نشعل نارا. فالتنبؤ العلمي وضع بين أيدينا أداة قوية، لكن الأداة بلا وعي تبقى ناقصة. والسؤال الذي يستحق النقاش: هل تكفي الخرائط والنشرات الإنذارية لحماية غاباتنا، أم أن المعركة الحقيقية تبدأ في تغيير سلوك المواطن نفسه، وفي جعل ثقافة الوقاية والتبليغ جزءا من تربيتنا اليومية قبل أن تصبح فرضا يفرضه القانون؟

أضف تعليقاً