قد يفاجأ آلاف المغاربة الذين سيجددون جوازات سفرهم هذا الصيف بوثيقة تبدو مألوفة لكنها مختلفة في تفاصيل دقيقة: أربع لغات بدل ثلاث، حرف تيفيناغ الأمازيغي يحضر لأول مرة، صورة مؤمنة في صفحة التوقيع، وغياب لافت لعنوان السكن. فبداية من غشت 2026، يدخل الجيل الجديد من جواز السفر البيومتري حيز التعميم، ليس كتحديث شكلي فحسب، بل كإصلاح قانوني يعيد تعريف أهم وثيقة سفر يحملها المغربي. فما الذي تغيّر فعلا، ولماذا يتجاوز الأمر مجرد تجميل الوثيقة؟
الإطار القانوني: مرسوم يعدّل مرسوما عمره ثمانية عشر عاما
قبل الحديث عن الملامح الجديدة، لا بد من فهم الأساس القانوني لهذا التحول. فالتغيير لم يأت بقرار إداري عابر، بل عبر مشروع المرسوم رقم 2.26.551، الذي صادقت عليه الحكومة، والقاضي بتغيير المرسوم رقم 2.08.310 الصادر في 23 أكتوبر 2008، وهو النص المؤسس لجواز السفر البيومتري بالمغرب.
هذا التمييز مهم. فنحن لسنا أمام قانون جديد كليا، بل أمام تحيين لنص تنظيمي ظل ساري المفعول منذ ما يقارب عقدين. والانتقال من جواز 2008 إلى جيل 2026 يعكس تطور المتطلبات الأمنية والتقنية الدولية، إذ لم تعد معايير وثائق السفر اليوم هي نفسها التي كانت قبل ثمانية عشر عاما، سواء من حيث الحماية من التزوير أو من حيث الانسجام مع المعايير الدولية للطيران المدني.
الأمازيغية تدخل الوثيقة: رمزية دستورية أم اعتراف كامل؟
أبرز ما يميز الجيل الجديد هو اعتماد أربع لغات على الوثيقة: العربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية. لأول مرة، يحضر حرف تيفيناغ على جواز السفر المغربي، وهو حدث يحمل حمولة رمزية قوية.
هذا التطور لا يأتي من فراغ، بل هو تنزيل عملي لمقتضى دستوري. فدستور 2011 نصّ في فصله الخامس على أن الأمازيغية تُعد لغة رسمية للدولة إلى جانب العربية. وبعد سنوات من النقاش حول تفعيل هذا الطابع الرسمي، يأتي حضورها على وثيقة سيادية بحجم جواز السفر كخطوة في مسار الاعتراف المؤسساتي.
لكن من الإنصاف الإشارة إلى أن هذا الاعتراف أثار نقاشا. فبعض الفاعلين الأمازيغ اعتبروه اعترافا جزئيا أو رمزيا أكثر منه فعليا، بحجة أن العربية تبقى اللغة التي تتصدر الوثيقة وتحكم بنيتها، وأن حضور تيفيناغ يظل محدودا مقارنة بالمكانة التي يمنحها الدستور للأمازيغية. في المقابل، يرى آخرون أن أي حضور للأمازيغية على وثيقة بهذا الحجم يبقى مكسبا يُبنى عليه، مهما كان محدودا. وبين الرأيين، يبقى النقاش مفتوحا حول الفرق بين الاعتراف الرمزي والتفعيل الكامل للطابع الرسمي للأمازيغية.
إضافة إلى البعد الهوياتي، فإن اعتماد الإنجليزية إلى جانب الفرنسية يحمل بعدا عمليا، إذ يسهّل تنقل المغاربة في فضاءات دولية تهيمن عليها الإنجليزية، ويواكب انفتاح المغرب على أسواق وشركاء جدد خارج الفضاء الفرنكوفوني التقليدي.
حذف العنوان: تغيير صغير بأثر قانوني كبير
من بين أكثر التغييرات التي ستمس المواطن العادي، حذف عنوان السكن من صفحة المعطيات الشخصية، مع تعويضه بصورة فوتوغرافية مؤمنة لحامل الجواز في صفحة التوقيع بخط اليد.
قد يبدو هذا تفصيلا بسيطا، لكنه يحمل منطقا قانونيا وعمليا وجيها. فالعنوان معطى متغير بطبيعته، إذ ينتقل المواطن من سكن إلى آخر عدة مرات خلال صلاحية الجواز التي قد تمتد سنوات. إدراجه في وثيقة سفر دائمة كان يخلق تناقضا: عنوان مسجّل على الوثيقة لم يعد مطابقا للواقع. حذفه يجعل الجواز يركز على ما هو ثابت في هوية الشخص، أي بياناته الشخصية وصورته وبصماته، ويترك المعطيات المتغيرة كالعنوان لوثائق أخرى مخصصة لذلك. كما أن هذا الحذف ينسجم مع منطق حماية المعطيات الشخصية، إذ يقلص من كمية المعلومات الحساسة المعروضة على وثيقة قد تقع في أيدي الغير.
أما الصورة المؤمنة في صفحة التوقيع، فتضيف طبقة حماية إضافية ضد التزوير، إذ يصبح انتحال هوية حامل الجواز أصعب حين تتكرر صورته المؤمنة في أكثر من موضع بالوثيقة.
ما تغيّر: جدول توضيحي
| العنصر | جواز جيل 2008 | جواز جيل 2026 |
|---|---|---|
| اللغات | العربية والفرنسية والإنجليزية | العربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية |
| عنوان السكن | مُدرج في الوثيقة | محذوف |
| الصورة | صورة أساسية | صورة إضافية مؤمنة في صفحة التوقيع |
| الجواز المؤقت | معمول به | مُلغى |
| استثناء القاصر | يمكنه استصدار بطاقة وطنية | أُلغي هذا الاستثناء |
إلغاءات قانونية قد تهم فئات محددة
إلى جانب الملامح الظاهرة، يحمل النص الجديد إلغاءين قانونيين يجب أن ينتبه إليهما المعنيون. الأول هو إلغاء العمل بجواز السفر المؤقت، الذي أصبح، حسب مبررات الإصلاح، غير ضروري. هذا الإلغاء يوحّد المنظومة حول الجواز البيومتري النظامي، ويقلص من تعدد الوثائق التي كانت تخلق أحيانا التباسا أو ثغرات.
الثاني، وهو الأدق، إلغاء الاستثناء الذي كان يسمح للقاصر المتقدم بطلب جواز السفر باستصدار بطاقة وطنية للتعريف الإلكترونية بشكل استثنائي. هذا التغيير يعيد ضبط العلاقة بين وثيقتين مختلفتين في وظيفتهما، ويمنع الخلط بين مسطرة استصدار الجواز ومسطرة البطاقة الوطنية. من الناحية العملية، على الأسر التي تستصدر جوازات لأبنائها القاصرين أن تنتبه إلى أن هذا الطريق الاستثنائي لم يعد قائما.
لماذا يهم هذا كل مغربي وليس فقط المسافرين
قد يظن البعض أن الأمر يخص فقط من ينوي السفر قريبا، لكن جواز السفر أكثر من مجرد وثيقة عبور. فهو، إلى جانب البطاقة الوطنية، أحد أهم رمزين للهوية القانونية للمواطن المغربي، وأحد أبرز واجهات الدولة أمام العالم. كل تفصيل عليه، من اللغات إلى عناصر الحماية، يحمل رسالة عن كيف يرى المغرب نفسه وكيف يريد أن يُرى.
من هذه الزاوية، فإن إدماج الأمازيغية على وثيقة سيادية يتجاوز البعد الإداري نحو البعد الرمزي والهوياتي، ويطرح سؤالا أعمق حول مدى تحول الاعتراف الدستوري إلى ممارسة فعلية في مختلف مناحي الحياة. كما أن تعزيز عناصر الحماية يندرج ضمن رهان أوسع يخص مصداقية الوثائق المغربية دوليا، وهو رهان له انعكاسات مباشرة على سهولة تنقل المغاربة وثقة الدول الأخرى في وثائقهم.
يقول خبير مغربي في القانون الإداري ووثائق الهوية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن “تحيين مرسوم جواز السفر بعد ثمانية عشر عاما ضرورة لا ترف، لأن معايير الأمن الوثائقي تتطور بسرعة، وأي تأخر في مواكبتها قد يجعل الوثيقة عرضة للتزوير أو للتحفظ عليها من طرف بعض الدول. لكن القيمة الحقيقية لهذا الإصلاح ليست تقنية فقط، بل رمزية أيضا، فحضور الأمازيغية وحذف العنوان يعكسان معا فلسفة جديدة: وثيقة أكثر انسجاما مع الدستور، وأكثر احتراما لخصوصية المواطن”.
نصائح عملية للمواطن قبل غشت
بما أن التعميم سيتم بشكل تدريجي على مستوى العمالات والأقاليم، وكذا السفارات والقنصليات بالخارج، فإن على المواطن أن ينتبه إلى بعض النقاط. أولا، الجوازات القديمة السارية المفعول تبقى صالحة، ولا حاجة للتسرع في تجديدها ما لم تنته صلاحيتها. ثانيا، من يستصدر جوازا جديدا هذا الصيف قد يحصل على الجيل الجديد أو القديم حسب مرحلة التعميم في إقليمه. ثالثا، على أسر القاصرين استحضار إلغاء الاستثناء المتعلق بالبطاقة الوطنية عند التخطيط لإجراءاتهم.
في نهاية المطاف، يكشف هذا الإصلاح أن الوثائق الرسمية ليست محايدة، بل تحمل في تفاصيلها الصغيرة اختيارات كبرى: أي لغات نعترف بها، أي معطيات نعرضها، وأي صورة نقدمها عن أنفسنا للعالم. جواز جيل 2026 يمزج بين البعد التقني للحماية والبعد الرمزي للهوية، لكنه يترك السؤال الأعمق مفتوحا: هل يكفي حضور الأمازيغية على وثيقة سيادية ليتحول اعترافها الدستوري إلى واقع ملموس في الإدارة والمدرسة والفضاء العام، أم أنها ستبقى، كما يخشى البعض، حاضرة في الرمز غائبة في الممارسة؟

أضف تعليقاً