في زحمة الحدود البرية والموانئ، بين سيارة محمّلة بأثاث بيت كامل وأخرى تحمل هدايا الصيف لعائلة تنتظر بفارغ الصبر، يعيش آلاف المغاربة المقيمين بالخارج كل سنة نفس المشهد: طوابير طويلة، أوراق يجب التأكد منها مرتين، وسؤال يتكرر عند كل معبر: “شحال كنقدر ندخل بلا ما نخلص؟” هذا السؤال البسيط في ظاهره يخفي منظومة قانونية كاملة، أعادت إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة النظر في جزء مهم منها هذا العام، قبيل انطلاق عملية “مرحبا 2026”.
فبين 10 يونيو و15 شتنبر 2026، ستستقبل المملكة، كعادتها كل صيف، الموجة الأكبر من مغاربة العالم العائدين لقضاء عطلتهم أو الاستقرار نهائياً في أرض الوطن. لكن خلف هذا الموعد السنوي المألوف، توجد هذه المرة تعديلات جوهرية تستحق التوقف عندها، لأنها تمس مباشرة جيب المواطن المغربي المقيم بالخارج، وتعكس في الوقت نفسه قراءة رسمية لواقع اقتصادي تغيّر كثيراً في السنوات الأخيرة.
لماذا الآن؟ التضخم يفرض منطقه على الجمارك
القرار الأبرز في الدورية الجديدة التي أصدرتها إدارة الجمارك مطلع يونيو الجاري يتمثل في رفع سقف الإعفاء الجمركي الممنوح للمغاربة المقيمين بالخارج العائدين بصفة نهائية، من 30 ألف درهم إلى 40 ألف درهم، بالنسبة للأمتعة والأغراض الشخصية والعائلية غير ذات الطابع التجاري.
الرقم بحد ذاته ليس تفصيلاً محاسبياً بارداً. سقف الـ30 ألف درهم كان معتمداً منذ سنوات، في حين ارتفعت تكلفة الأثاث والتجهيزات المنزلية بشكل ملحوظ خلال هذه الفترة. بمعنى آخر، الجمارك لم تمنح “هدية” جديدة بقدر ما صححت فجوة كانت تُثقل كاهل العائدين النهائيين، الذين غالباً ما يُقدمون على هذه الخطوة بعد سنوات من العمل والادخار بالخارج، ويريدون نقل ما جمعوه دون أن تلتهم الرسوم الجمركية جزءاً كبيراً من مدخراتهم.
هذا التصحيح يحمل رسالة أعمق أيضاً: الدولة تنظر إلى العودة النهائية لمغاربة العالم كاستثمار بشري ومالي يستحق التسهيل، لا كعملية تجارية يجب مراقبتها بصرامة فقط.
السيارات: مرونة جديدة لكنها ليست بلا شروط
من بين التسهيلات اللافتة أيضاً، استمرار العمل بنظام الإدخال المؤقت للمركبات لمدة تصل إلى 180 يوماً في السنة، سواء بشكل متواصل أو متفرق، مع إمكانية تمديد هذه المدة في بعض الحالات إلى غاية نهاية السنة. هذه المرونة تهم بالأساس الأسر التي تقسّم عطلتها على فترتين أو أكثر، بدل الاضطرار لتصفية وضعية السيارة والعودة بها من جديد في كل مرة.
الجديد الآخر يخص إمكانية استكمال إجراءات القبول المؤقت للسيارة عبر وكالة قانونية صادرة عن مالكها، دون حضوره الشخصي. تفصيل تقني في الظاهر، لكنه يحل مشكلة واقعية عاشها كثيرون: ماذا يحدث إذا تعطل سفر أحد أفراد العائلة، أو تأخر وصوله، بينما السيارة موجودة فعلياً على أرض الوطن؟ الجواب أصبح أكثر مرونة، ويمنح الأسر هامش تنظيم أوسع خلال فترة تتسم أصلاً بضغط لوجستي كبير.
امتياز الستين سنة: حق قديم يحتاج تذكيراً دائماً
من بين المقتضيات التي جددت الجمارك التذكير بها، والتي كثيراً ما يجهلها حتى المعنيون بها مباشرة، تخفيض بنسبة 90 في المائة على الرسوم والضرائب المستحقة عند تخليص سيارة سياحية، لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج البالغين من العمر 60 سنة فما فوق.
لكن الاستفادة من هذا الامتياز ليست تلقائية، وتخضع لشروط دقيقة يجب الانتباه إليها:
| الشرط | التفصيل |
|---|---|
| مدة الإقامة بالخارج | 10 سنوات على الأقل |
| الاستقرار بالمغرب | يجب ألا يكون المعني مستقراً بصفة نهائية بالمغرب |
| طريقة التقديم | شخصياً لدى المصالح الجمركية، دون إمكانية اللجوء إلى وكالة |
هذا الشرط الأخير تحديداً يستحق الانتباه، لأنه يخالف منطق التسهيل عبر الوكالة المعتمد بالنسبة للقبول المؤقت للمركبات الأخرى. الجمارك هنا تتعامل مع الامتياز الضريبي الكبير (90 في المائة) بحذر أكبر، وتشترط الحضور الشخصي كضمانة إضافية ضد أي استغلال غير مشروع لهذا الحق.
من التسهيل إلى التحفيز: خلية جديدة لمواكبة المستثمرين
اللافت في دورية هذه السنة أنها لم تكتفِ بتيسير الدخول والمرور، بل ذهبت أبعد من ذلك عبر إحداث خلية متخصصة لتقديم الاستشارة والمواكبة الجمركية للمغاربة المقيمين بالخارج حاملي المشاريع الاستثمارية.
هذا التوجه يعكس تحولاً في الفلسفة العامة للتعامل مع الجالية: من مجرد “عابرين” يجب تسهيل مرورهم صيفاً، إلى “شركاء اقتصاديين” يُراد تشجيعهم على ضخ استثماراتهم داخل المغرب. والمنطق الاقتصادي هنا واضح، فتحويلات مغاربة العالم تشكل أحد الروافد الأساسية للعملة الصعبة بالمملكة، وأي تسهيل إضافي لتحويل جزء من هذه التحويلات إلى استثمار مباشر يخدم الاقتصاد الوطني على المدى الطويل، لا فقط خلال أشهر الصيف.
سقف الـ25 ألف درهم للنشطين مهنياً بالخارج
إلى جانب سقف الـ40 ألف درهم الخاص بالعودة النهائية، تحتفظ الجمارك بسقف آخر يبلغ 25 ألف درهم سنوياً، يخص المغاربة المقيمين بالخارج الذين يزاولون نشاطاً مهنياً هناك، شرط أن تكون الأغراض المستوردة للاستعمال الشخصي أو العائلي فقط، مع منع تخصيص كامل قيمة الإعفاء لنوع واحد من السلع.
هذا التمييز بين الفئتين مهم لتجنب الخلط: من يعود بشكل نهائي يستفيد من سقف أعلى لأنه ينقل حياته بأكملها، بينما من لا يزال نشيطاً مهنياً بالخارج ويأتي بشكل موسمي يخضع لسقف مختلف، مصمم لضبط الاستيراد الموسمي دون أن يتحول إلى ثغرة تجارية.
ما الذي يجب أن يفعله كل مغربي مقيم بالخارج قبل السفر؟
الخلاصة العملية هنا بسيطة لكنها ضرورية: كل من ينوي المشاركة في عملية “مرحبا” هذا الصيف مطالب بمعرفة الفئة التي ينتمي إليها بدقة، عائد نهائي أم مقيم مهني بالخارج، قبل أن يحسب حجم أمتعته أو يخطط لنقل سيارته. الخلط بين الفئتين يؤدي غالباً إلى مفاجآت غير سارة عند نقطة العبور، وقد يكلف وقتاً وجهداً كان يمكن تفاديهما بمعلومة بسيطة سابقة للسفر.
كما تجدر الإشارة إلى أن إدارة الجمارك أصدرت نسخة محينة من دليل “مغاربة العالم 2026″، المتوفر عبر منصتها الرقمية الرسمية، ويتضمن شروحات مبسطة لمختلف الإجراءات والامتيازات، بهدف تمكين أفراد الجالية من الاطلاع المسبق وتفادي أي ارتباك عند الدخول إلى أرض الوطن.
في النهاية، تبقى عملية “مرحبا” أكثر من مجرد موسم عبور إداري. إنها لحظة سنوية تختبر فيها الإدارة المغربية قدرتها على الموازنة بين الانضباط القانوني وحفاوة الاستقبال، بين ضبط الاستيراد وتشجيع الاستثمار. وكل تعديل في سقف الإعفاء أو شرط الاستفادة يروي في الواقع جزءاً من قصة أوسع، قصة علاقة المغرب بأبنائه الذين اختاروا الحياة بعيداً عن أرضه دون أن يفرّطوا في رابطهم بها.
فهل تكفي هذه التسهيلات الجديدة لتبسيط تجربة العودة السنوية بالشكل الذي ينتظره مغاربة العالم فعلاً، أم أن العقدة الحقيقية تبقى في التطبيق الميداني عند نقاط العبور نفسها؟

أضف تعليقاً