الإثنين، 21 شتنبر 2026

دمج الكنوبس في الضمان الاجتماعي: كيف يغير القانون 54.23 تغطيتك الصحية

القانون 54.23 يدمج نظام الكنوبس في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في تحول جذري سيمس التغطية الصحية لأكثر من ثلاثة ملايين موظف بالقطاع العام، وسط عجز مالي حاد ومخاوف من ترحيل الأزمة بدل حلها.

موظف مغربي يراجع بقلق وثيقة تعويض التأمين الصحي وأوراق طبية على مكتبه، يرمز إلى تغييرات التغطية الصحية

لاحظ كثير من المغاربة ظاهرة متكررة: كلما شغل حدث رياضي كبير الرأي العام، مرّرت قوانين حساسة في البرلمان دون أن تلقى الاهتمام الذي تستحقه. وهذا بالضبط ما حدث خلال كأس إفريقيا الماضية في يناير، حين صادق البرلمان على قانون يمس مباشرة التغطية الصحية لأكثر من ثلاثة ملايين مغربي، دون أن ينتبه إليه إلا القليل. القانون رقم 54.23، الذي يدمج نظام “الكنوبس” في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ليس مجرد إجراء إداري، بل ثورة صامتة في منظومة التأمين الصحي، وسيبدأ أثرها الفعلي في الظهور قريبا.

ما الذي يقوله القانون الجديد بالضبط

القانون رقم 54.23 ليس نصا مستقلا، بل هو تعديل لقانون قديم هو القانون 65.00 المتعلق بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، الصادر سنة 2002 والذي بدأ تطبيقه فعليا في 2005. جوهر التعديل بسيط في صياغته، عميق في أثره: سحب تدبير نظام التغطية الصحية من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS)، المعروف بالكنوبس، وإسناده إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS).

لفهم حجم التغيير، لا بد من العودة إلى الأصل. فالكنوبس ليس مؤسسة عمومية أنشأتها الدولة مباشرة، بل هو فيدرالية تجمع مجموعة من التعاضديات العريقة، بعضها يعود إلى زمن الاستعمار، حين كان موظفو قطاعات كالبوليس والسكك الحديدية والبريد يجمعون اشتراكات في صناديق خاصة لتعويض بعضهم عند المرض. هذه التعاضديات، التي يناهز عددها العشرين، هي التي شكلت الكنوبس. في المقابل، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مؤسسة تدير تأمين أجراء القطاع الخاص. القانون الجديد يضع الاثنين تحت سقف واحد.

لماذا يهم هذا موظف الدولة تحديدا

الفئة الأكثر تأثرا بهذا التعديل هي موظفو القطاع العام المنخرطون في الكنوبس، وذوو حقوقهم من أزواج وأبناء. فطريقة اشتراكهم وطريقة تعويضهم كانتا مختلفتين جوهريا عن نظيرتيهما في القطاع الخاص، والقانون الجديد ينقلهم إلى مؤسسة تدير أساسا منطق القطاع الخاص.

لفهم الفارق، لا بد من مقارنة النظامين قبل الدمج. ففي القطاع الخاص الذي يديره الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، يقتطع الأجير نسبة من أجره الخام دون سقف. أما في القطاع العام الذي يديره الكنوبس، فالاشتراك محدد بسقف أقصى لا يتجاوز 400 درهم شهريا، مهما بلغ الأجر. هذا يعني أن موظفا يتقاضى 100 ألف درهم يشترك بنفس مبلغ من يتقاضى أقل بكثير، بينما في القطاع الخاص يقتطع الاشتراك من كامل الأجر.

المعيارنظام الكنوبس (القطاع العام)نظام الضمان الاجتماعي (القطاع الخاص)
سقف الاشتراكمحدد بحد أقصى 400 درهم شهريالا سقف، نسبة من كامل الأجر الخام
نسبة التعويضحوالي 80% من التعريفة المرجعيةحوالي 70% من التعريفة المرجعية
الأمراض المزمنة المعوّض عنهانحو 77 مرضانحو 51 مرضا
خدمات إضافيةنعم (إسعاف، مستشفيات، حقوق مكتسبة)أقل

المفارقة التي تفسر كل شيء

هذا الجدول يكشف جوهر المشكل. فنظام الكنوبس يجمع بين اشتراكات محدودة السقف وتعويضات أسخى، بينما نظام القطاع الخاص يجمع بين اشتراكات أعلى وتعويضات أقل. بعبارة أوضح: موظفو القطاع العام كانوا يدفعون أقل ويحصلون على أكثر، بفضل حقوق مكتسبة انتزعوها عبر سنوات من التفاوض مع الكنوبس، وهي حقوق لا وجود لها في نظام القطاع الخاص.

هذا الاختلال البنيوي كان قنبلة موقوتة. فقد كشفت الأرقام أن اشتراكات الكنوبس سنة 2024 بلغت حوالي 6.8 مليار درهم، بينما تجاوزت النفقات على الخدمات الصحية 7.6 مليار درهم، أي بعجز يناهز 1.2 مليار درهم في سنة واحدة. وعلى مدى أربع سنوات، بلغ العجز المتراكم حوالي 4.5 مليار درهم، تُسحب من احتياطي كان الصندوق قد راكمه في سنوات الوفرة. والأخطر أن التقديرات تشير إلى أن هذا الاحتياطي قد ينفد بحلول 2026 أو 2027، ما يعني احتمال عجز الصندوق عن أداء تعويضات منخرطيه.

عوامل ثلاثة عمّقت الأزمة

ما الذي أوصل الكنوبس إلى هذا الوضع؟ ثلاثة عوامل رئيسية. أولا، ارتفاع أثمنة الأدوية بشكل كبير، إذ إن نحو 30 بالمئة من مصاريف الصندوق تذهب إلى الأدوية، في بلد تبقى فيه أثمنة الدواء مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية للمغاربة. ثانيا، الإفراط في استعمال الخدمات الصحية، وأبرز مثال العمليات القيصرية، حيث يبلغ معدلها في المغرب نسبا مرتفعة جدا تفوق بكثير المعدل الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، وهي عمليات أكلف من الولادة الطبيعية. ثالثا، الشيخوخة، إذ يشيخ المجتمع المغربي تدريجيا مع تراجع معدل الخصوبة، ما يعني تزايد الطلب على الخدمات الصحية مقابل تراجع المشتركين النشطين.

السؤال الجوهري: هل يحل القانون المشكل؟

هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية. فالقانون 54.23 ينقل التدبير من الكنوبس إلى الضمان الاجتماعي، لكنه، حسب قراءة نصوصه، يبقى صامتا حول جوهر المشكل البنيوي: هل ستتغير طريقة الاشتراك والتعويض لموظفي القطاع العام أم ستبقى كما هي؟ القانون لم يحسم هذا، وهذا بالضبط ما يفسر لماذا لم تندلع احتجاجات كبرى وقت صدوره، إذ لم يمس مباشرة الحقوق المكتسبة.

لكن المنطق يفرض سؤالا محرجا: كيف يمكن أن يوجد نظامان مختلفان تحت سقف مؤسسة واحدة، بحيث يدفع موظف 400 درهم كحد أقصى بينما يدفع أجير في القطاع الخاص أضعاف ذلك، ويحصل الأول على تعويضات أسخى؟ هذا التفاوت يصطدم بمبدأ دستوري جوهري هو المساواة بين المواطنين. والحل الحتمي، عاجلا أو آجلا، سيكون توحيد النظامين، إما برفع اشتراكات موظفي القطاع العام أو بتقليص امتيازاتهم، وكلاهما قرار ذو كلفة اجتماعية ثقيلة.

يقول باحث مغربي في اقتصاد الصحة والحماية الاجتماعية، فضّل عدم الكشف عن اسمه نظرا لحساسية الملف، إن “الدمج في حد ذاته خطوة منطقية نحو الحكامة الموحدة، لكن الخطر الحقيقي هو ترحيل عجز الكنوبس إلى الضمان الاجتماعي، أي نقل الأزمة بدل حلها. القانون أجّل المواجهة مع السؤال الصعب: من سيتحمل كلفة إعادة التوازن، الموظف عبر رفع اشتراكه، أم المريض عبر تقليص تعويضه؟ الجواب لا يزال في حكم الغموض المتعمد”.

وقد عكس التصويت البرلماني هذا التوتر، إذ صادق مجلس النواب على المشروع بأغلبية 95 نائبا مقابل اعتراض 40 نائبا، مع انتقادات صريحة حذرت من نقل الأزمة المالية والمس بحقوق المؤمَّنين.

تغييرات أخرى يجهلها كثيرون

القانون لا يخص الموظفين فقط. فهو يمس أيضا مستخدمي مؤسسات كبرى كانت تتوفر على أنظمة تأمين خاصة بها، مثل بنك المغرب وبعض الشركات الكبرى. هذه الأنظمة الخاصة، التي كانت تعفي أصحابها من النظام الأساسي، ستتحول إلى مجرد أنظمة تكميلية، على أن يصبح النظام الأساسي موحدا لدى الضمان الاجتماعي. تغيير جذري سيقلب طريقة تعويض هذه الفئات.

كما ألغى القانون النظام الخاص بتأمين الطلبة الذي كان يمنحه الكنوبس، باعتبار أن الطالب أصبح يتبع تلقائيا التغطية الصحية لوالديه، مهما كانت وضعيتهم المهنية، مع تمديد سن الاستفادة إلى حدود الثلاثين عاما ما دام الطالب يواصل دراسته، بدل 26 عاما سابقا.

متى يبدأ التطبيق الفعلي

نقطة أساسية يجب الانتباه إليها: التطبيق الفعلي لهذا القانون لن يبدأ فور نشره. فحسب نص القانون نفسه، سيبدأ العمل به بعد مرور اثني عشر شهرا من نشره في الجريدة الرسمية. وبما أنه نُشر في أواخر شهر يناير، فإن التطبيق الفعلي مرتقب في حدود شهر فبراير 2027. هذه المهلة الانتقالية هي فرصة أخيرة لحسم الأسئلة المعلقة قبل أن يصطدم ملايين المغاربة بواقع جديد.

في نهاية المطاف، يكشف هذا القانون معضلة أعمق في بناء الدولة الاجتماعية التي يطمح إليها المغرب: أن توحيد المنظومة لا يكفي وحده إذا لم يُرافق برؤية واضحة لتمويلها بشكل عادل ومستدام. فالدمج قد يحقق حكامة أفضل، لكنه قد يتحول أيضا إلى مجرد تأجيل لمواجهة حتمية مع اختلالات بنيوية تراكمت لعشرين سنة. والسؤال الذي سيحدد مصير هذا الإصلاح: هل ستنجح الحكومة في توحيد التغطية الصحية بشكل يضمن العدالة بين جميع المغاربة دون المس بمكتسبات أحد، أم أننا أمام قنبلة اجتماعية مؤجلة ستنفجر يوم يكتشف الموظف أن اشتراكه ارتفع أو أن تعويضه تراجع باسم “توحيد الأنظمة”؟

رد واحد على “دمج الكنوبس في الضمان الاجتماعي: كيف يغير القانون 54.23 تغطيتك الصحية”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *