الإثنين، 21 شتنبر 2026

القانون الجديد للعقار: لماذا لم يعد المحامي يحرر عقود البيع والشراء بالمغرب؟

تعديل تشريعي جديد يفرض تحرير كل التصرفات العقارية عند الموثق أو العدل تحت طائلة البطلان، ويقصي المحامين من كتابة عقود البيع والوكالات والوعد بالبيع، في خطوة تثير جدلا بين حماية المواطن من النصب العقاري ومصالح مهنة المحاماة.

مكتب موثق رسمي عليه عقد عقاري وقلم وختم رسمي ومجسم منزل، يرمز إلى إلزامية العقد الرسمي في التصرفات العقارية

قد يفاجأ كثير من المغاربة حين يعلمون أن العقد الذي حرروه عند محاميهم لشراء دار أو بيع أرض قد يصبح، بموجب القانون الجديد، مجرد ورقة باطلة لا قيمة لها أمام القانون. فبعد نشره في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ، أحدث تعديل تشريعي جديد زلزالا حقيقيا في منظومة التصرفات العقارية بالمملكة، بحيث لم يعد بإمكان أي مواطن أن يبرم عقدا عقاريا صحيحا إلا عند الموثق أو العدل. فما الذي تغير بالضبط، ولماذا يثير هذا التعديل نقاشا حادا بين حماية المواطن ومصالح مهنة عريقة؟

ما الذي يشمله القانون الجديد

جوهر التعديل يقوم على مبدأ واحد صارم: كل تصرف عقاري يجب أن يُحرر بعقد رسمي عند الموثق أو العدل، تحت طائلة البطلان. وهذا لا يخص البيع والشراء فقط، بل يمتد إلى دائرة واسعة من المعاملات التي يجهل كثيرون أنها معنية.

فالقانون يشمل نقل الملكية بكل أشكاله، بما في ذلك الهبة والصدقة والتبرع والقسمة. كما يشمل إنشاء أي حق عيني أو إسقاطه أو نقله أو تعديله، من الرهون الحيازية والرسمية، إلى حق الانتفاع والاستعمال وحق السطحية والزينة والهواء والتعلية. بل إن الكراء طويل الأمد، الذي قد يمتد لعشرات السنين، أصبح هو الآخر خاضعا لهذه القاعدة. والأهم أن الوكالة العقارية والوعد بالبيع، وهما من أكثر الوثائق تداولا، دخلا صراحة ضمن هذه الإلزامية.

بعبارة واضحة: أي وثيقة من هذه لم تُحرر عند الموثق أو العدل، تُعتبر باطلة قانونا، ولا يمكن مواجهة الغير بها، ولن تقبلها المحافظة العقارية للتسجيل، وقد تجد نفسك مالكا على الورق لعقار ليس لك في الحقيقة.

القوانين الخمسة التي مسّها التعديل

ما يجعل هذا التعديل استثنائيا هو أنه لم يمس نصا واحدا، بل أعاد تشكيل منظومة قانونية متكاملة تحكم العقار.

القانون المعدَّلما تغير فيه
مدونة الحقوق العينية (المادة 4)إلزامية العقد الرسمي في كل التصرفات العقارية
مدونة الحقوق العينية (المادة 317)ضبط قسمة العقار عبر خبرة المسح الطوبوغرافي
قانون الملكية المشتركةإخضاع تصرفات العمارات والإقامات للعقد الرسمي
قانون الالتزامات والعقودالعقد الابتدائي للبيع في طور الإنجاز عند الموثق
قانون الإيجار المفضي للتملكإخضاع عقود الكراء المنتهي بالتملك للرسمية

المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية هي قلب هذا التعديل. فقد كانت في السابق تسمح بتحرير هذه العقود إما بمحرر رسمي عند الموثق أو العدل، أو بمحرر ثابت التاريخ يكتبه المحامي المقبول لدى محكمة النقض. التغيير الجوهري هو أن هذا الخيار الأخير، أي العقد ثابت التاريخ الذي يحرره المحامي، لم يعد قائما في التصرفات العقارية. وهذا بالضبط ما يقلب موازين سوق ظلت لعقود تعتمد على هذه الوثائق.

نقطة مهمة: لا أثر رجعي للقانون

قبل أن يصاب من حرروا عقودهم عند محامين بالهلع، لا بد من توضيح قانوني جوهري: هذا القانون لا يُطبق بأثر رجعي. فالعقود التي حُررت قبل تاريخ نشر التعديل في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ، تبقى صحيحة وقانونية ودائزة.

بمعنى أوضح، من حرر عقدا ثابت التاريخ عند محامٍ الشهر الماضي أو العام الماضي، لا يُطالَب بإعادة تحريره عند الموثق. تلك العقود السابقة تحتفظ بصحتها. الإلزامية الجديدة تسري فقط على التصرفات العقارية التي تُبرم من تاريخ دخول القانون حيز التنفيذ فصاعدا. هذه النقطة أساسية لطمأنة آلاف الأسر التي أنجزت معاملاتها في ظل القانون القديم.

حجة الحكومة: حماية المواطن من “مافيا العقار”

قدّم وزير العدل عبد اللطيف وهبي أمام البرلمان تبريرا واضحا لهذا التوجه، مربوطا بهدفين أساسيين: حماية العقود وضمان الأمن التعاقدي، ومكافحة تبييض الأموال.

الحجة الجوهرية التي ساقها الوزير هي أن العقد ثابت التاريخ الذي يحرره المحامي، والذي يُسجَّل في كتابة الضبط بالمحكمة، لا يقدم في الحقيقة سوى ضمانة محدودة. فذلك التسجيل يؤكد فقط صحة توقيع المحامي، أي أن المحامي الفلاني هو من وقّع، تماما كإجراء تصحيح الإمضاء. لكنه لا يتحقق من أن العقار فعلا ملك للبائع، ولا من أن هذا البائع يملك الحق قانونا في تفويته. وهنا مكمن الخطر.

فقد كشف الوزير أن كثيرا من العقارات بيعت بعقود لا يملك أصحابها ملكيتها أصلا، وأن بعض المحامين لم يكونوا يتحققون من أصل التملك. بل إن الأخطر، حسب طرحه، أن عقارات لا يجوز بيعها أصلا، كأراضي الجموع والجيش والأراضي السلالية، كانت تُحرَّر عقود بيعها رغم أنها ممنوعة من التفويت. من هذا المنطلق، يرى المدافعون عن التعديل أنه درع لحماية المواطن البسيط من الوقوع ضحية نصب عقاري قد يبتلع مدخرات عمره.

الوجه الآخر: غضب المحامين وسؤال المنافسة

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا التعديل أثار امتعاض هيئات المحامين، الذين رأوا فيه إقصاء لمهنة عريقة من مجال ظلت تشتغل فيه لعقود. فمن وجهة نظرهم، المحامي المقبول لدى محكمة النقض يتوفر على كفاءة قانونية عالية تؤهله لتحرير هذه العقود، وحصر المهمة في الموثقين والعدول قد يُقرأ كتضييق على المنافسة المهنية.

الجدل هنا يتجاوز مجرد صراع مصالح فئوية. فهو يطرح سؤالا قانونيا أعمق حول التوازن بين الأمن التعاقدي من جهة، وحرية المواطن في اختيار من يحرر عقوده من جهة أخرى. صحيح أن حماية المتعاقدين ومكافحة النصب هدف نبيل لا يختلف عليه أحد، لكن السؤال يبقى: هل الحل يكمن في إقصاء فئة مهنية بأكملها، أم في تعزيز آليات المراقبة والتحقق من أصل الملكية بغض النظر عمن يحرر العقد؟

يقول أستاذ باحث في القانون العقاري بإحدى الجامعات المغربية، فضّل عدم الكشف عن اسمه نظرا لحساسية النقاش المهني، إن “المشكلة الحقيقية لم تكن يوما في هوية من يحرر العقد، بل في غياب آلية موحدة وصارمة للتحقق من أصل التملك ومن قابلية العقار للتفويت. فالموثق نفسه، إن لم يتوفر على أدوات تحقق فعالة، قد يقع في نفس الأخطاء. الرهان الحقيقي هو رقمنة السجلات وربطها، لا مجرد تغيير من يمسك القلم”.

لماذا يهم هذا كل مغربي

قد يبدو النقاش وكأنه صراع بين مهن، لكنه في العمق يمس كل مواطن يفكر في شراء دار أو بيع أرض أو حتى توريث ملك لأبنائه. فالعقار في المغرب ليس مجرد أصل مالي، بل هو غالبا مدخرات العمر وضمانة المستقبل. وأي خلل في العقد قد يتحول إلى مأساة تمتد لسنوات من التقاضي.

من هذه الزاوية، فإن توجيه المواطنين نحو العقد الرسمي عند الموثق أو العدل، رغم ما قد يرافقه من كلفة أو إجراءات إضافية، يمنح ضمانة أقوى من حيث حجية الوثيقة وقوتها القانونية. لكن نجاح هذا الإصلاح يبقى رهينا بأمرين: أولا، ألا يتحول إلى عبء مالي إضافي يثقل كاهل المواطن البسيط عبر ارتفاع أتعاب التوثيق. وثانيا، أن يُرافَق بتطوير حقيقي لآليات التحقق من الملكية، حتى لا نكتفي بتغيير الواجهة دون معالجة جوهر مشكل النصب العقاري.

في نهاية المطاف، يكشف هذا التعديل توترا كلاسيكيا في كل إصلاح تشريعي: بين رغبة الدولة في فرض النظام وحماية المواطن، وبين مصالح فئات مهنية اعتادت وضعا معينا. والسؤال الذي سيحدد نجاح هذا القانون من فشله: هل سيكون إقصاء المحامين من تحرير العقود العقارية فعلا نهاية لـ”مافيا العقار” كما تعد الحكومة، أم أن المشكل الحقيقي أعمق من مجرد تحديد من يمسك القلم، وسيجد المحتالون طرقا أخرى ما لم تُرقمن السجلات وتُشدَّد المراقبة على أصل الملكية؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *