الإثنين، 21 شتنبر 2026

ضريبة 35 بالمئة على الشركات: بين الحقيقة القانونية والصورة المرعبة التي تنتشر عن المقاول المغربي

انتشر خطاب يقول إن المغرب رفع ضريبة الشركات إلى 35 بالمئة وإن المقاول يدفع خمسة أضعاف ربحه، لكن الحقيقة القانونية أدق: المعدل يخص فقط المجموعات الكبرى، بينما يبقى الإشكال الحقيقي في تشتت الاقتطاعات على صغار المقاولين.

صاحب شركة صغيرة مغربي يتأمل بقلق فواتير ووثائق ضريبية على مكتبه مساءً، يرمز إلى العبء الجبائي على المقاولات

يكفي أن تطرح على أي صاحب شركة صغيرة بالمغرب سؤالا واحدا عن الضرائب حتى ينفجر بسيل من الأرقام والشكاوى: يدفع هنا، ويقتطع منه هناك، ويؤدي رسما ثالثا لا يعرف حتى سببه. ومؤخرا، انتشر على نطاق واسع طرح مثير يقول إن المغرب رفع ضريبة الشركات إلى 35 بالمئة، وإن المقاول قد يدفع في النهاية ما يعادل خمسة أضعاف ربحه الحقيقي. فما الذي يصح في هذا الكلام، وما الذي يحتاج إلى تدقيق قانوني هادئ بعيدا عن العاطفة؟

أولا، لنضع الحقيقة القانونية في مكانها

قبل مناقشة أي طرح، لا بد من تصحيح المعطى الأساسي الذي يُبنى عليه الكثير من النقاش المتداول. فالقول إن ضريبة الشركات أصبحت 35 بالمئة على الجميع غير دقيق، وقد يضلل صاحب الشركة الصغيرة ويصيبه بإحباط لا مبرر له. الحقيقة، كما تنص عليها المدونة العامة للضرائب في نسختها لسنة 2026، والمستمدة من قانون المالية رقم 50.25، أدق من ذلك بكثير.

معدل 35 بالمئة لا يُطبق إلا على الشركات التي يتجاوز ربحها الصافي الجبائي مئة مليون درهم سنويا، أي على المجموعات الكبرى فقط. أما الأغلبية الساحقة من المقاولات المغربية، وتحديدا الشركات الصغيرة والصغيرة جدا، فتخضع لمعدل 20 بالمئة على أرباحها. بل إن البنوك وشركات التأمين تخضع لمعدل أعلى يبلغ 40 بالمئة. هذا التمييز جوهري، لأن الطرح الذي يخلط بين الفئات يحمّل المقاول الصغير عبئا نفسيا ليس معنيا به قانونا.

نوع الشركةمعدل الضريبة على الشركات 2026
ربح صافٍ أقل من 100 مليون درهم (أغلب المقاولات)20%
ربح صافٍ يتجاوز 100 مليون درهم (المجموعات الكبرى)35%
البنوك وشركات التأمين40%

لماذا يشعر المقاول رغم ذلك بأنه “مسحوق” ضريبيا

هنا تكمن النقطة الأذكى في النقاش. فحتى لو صححنا رقم 35 بالمئة، يبقى إحساس المقاول الصغير بثقل العبء الضريبي إحساسا حقيقيا وليس وهما. والسبب أن الطرح المتداول، رغم خطئه في نقطة المعدل، يلمس مشكلة بنيوية حقيقية: تشتت الاقتطاعات.

فصاحب الشركة لا يواجه ضريبة واحدة واضحة، بل سلسلة طويلة من الاقتطاعات الموزعة على مراحل وجهات وأسماء مختلفة، بحيث يصعب عليه إدراك حجمها الإجمالي. لنأخذ المثال الذي يتداوله أصحاب هذا الطرح: شركة خدمات بثلاثة موظفين ودخل سنوي يقارب 1.2 مليون درهم. هذا المقاول لا يدفع فقط الضريبة على الأرباح، بل يواجه أيضا الضريبة المهنية، والاقتطاعات الاجتماعية عن كل أجير التي قد تناهز نصف الأجرة الصافية، ثم الضريبة على القيمة المضافة، فالضريبة على الأرباح الموزعة حين يسحب ربحه لحسابه الشخصي، والتي حُددت في 11.25 بالمئة سنة 2026.

والأهم أن العبء لا يتوقف عند باب الشركة. فحين يستهلك المقاول ربحه الشخصي، يعود ليدفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 20 بالمئة على أغلب مشترياته، ورسوم التسجيل حين يقتني عقارا، والضرائب المرتبطة بالسيارة، والرسوم الإدارية المتناثرة في كل معاملة مع الإدارة. وهكذا، حين تُجمع كل هذه الاقتطاعات، يشعر المقاول أن ما يتبقى في جيبه فعليا لا يعكس إطلاقا حجم النشاط الذي يديره.

أين يصيب هذا الطرح وأين يبالغ

من الإنصاف أن نعترف بأن هذا الطرح يصيب في جوهره ويبالغ في صياغته. يصيب حين يشير إلى أن العبء الضريبي الحقيقي على المقاول لا يُقاس بمعدل ضريبة واحدة، بل بمجموع كل الاقتطاعات المباشرة وغير المباشرة التي يتحملها كمنتج وكمستهلك في آن واحد. وهذه ملاحظة وجيهة، بل إنها تستحضر تأملا قديما لابن خلدون في مقدمته، حين لاحظ أن الجباية كلما ثقلت تراجع الناس عن النشاط الاقتصادي، لأن العائد لم يعد يوازي الجهد.

لكن الطرح يبالغ حين يجمع اقتطاعات ذات طبيعة مختلفة تماما في سلة واحدة ليصل إلى نسبة صادمة تفوق 500 بالمئة. فالاقتطاعات الاجتماعية عن الأجراء ليست ضريبة على المقاول بالمعنى الدقيق، بل هي مساهمة في التغطية الصحية والتقاعد تعود بالنفع على الأجير نفسه. كما أن الضريبة على القيمة المضافة يتحملها في النهاية المستهلك، والمقاول مجرد وسيط في تحصيلها، وإن كان يتحملها فعلا على استهلاكه الشخصي. خلط هذه الفئات القانونية المختلفة يضخّم الرقم النهائي بشكل يخدم الصدمة أكثر مما يخدم الدقة.

يقول محاسب معتمد مغربي متابع لملفات المقاولات الصغيرة، فضل عدم الكشف عن اسمه نظرا لحساسية علاقته بعملائه، إن “المشكلة الحقيقية ليست في معدل الضريبة على الشركات الذي يبقى معقولا عند 20 بالمئة للصغار، بل في تراكم الرسوم والاقتطاعات المتفرقة التي تُثقل كاهل المقاول دون أن يشعر بأنها تُترجم إلى خدمات عمومية بجودة موازية. الإحساس بالظلم الجبائي ينبع من هنا، من الفجوة بين ما يدفعه المواطن وما يحصل عليه مقابله”.

البعد القانوني الأعمق: إصلاح جبائي لم يكتمل الإحساس بعدله

ما يجب استحضاره هو أن هذه التعديلات لا تأتي من فراغ، بل تندرج ضمن مسار إصلاح جبائي شامل امتد على أربع سنوات متتالية من 2023 إلى 2026، تطبيقا للقانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي. الهدف المعلن لهذا الإصلاح كان تبسيط المنظومة، عبر الانتقال من نظام معقد بشرائح متعددة إلى نظام مبسط بمعدلين فقط، مع تعزيز ما تسميه الحكومة “العدالة الجبائية”.

المفارقة أن الإصلاح، رغم تبسيطه النظري، لم ينجح بعد في تبديد الإحساس بالظلم لدى صغار المقاولين. والسبب أن العدالة الجبائية لا تُقاس فقط بمعدلات الضريبة، بل بمدى تناسب العبء مع القدرة على التحمل، وبمدى وضوح المنظومة وبساطتها في نظر المكلف العادي. فحين يعجز صاحب شركة صغيرة عن فهم مجموع ما يدفعه، وحين يشعر أن كل نجاح صغير يقابله اقتطاع جديد، فإن النتيجة النفسية هي الإحباط، وأحيانا الإفلاس أو العودة إلى الوظيفة أو حتى البطالة.

لماذا يهم هذا كل مغربي وليس فقط أصحاب الشركات

قد يظن الموظف أو العامل العادي أن هذا النقاش لا يعنيه، لكن الحقيقة عكس ذلك تماما. فالمقاولات الصغيرة والصغيرة جدا تمثل الأغلبية الساحقة من النسيج الاقتصادي المغربي، وهي المشغّل الأول والمصدر الأساسي لخلق فرص الشغل. وحين يُحبط المقاول ويتوقف عن الاستثمار أو التوظيف، فإن الضحية النهائية هي الشاب الباحث عن عمل، والاقتصاد الوطني برمته.

هنا تحديدا يلتقي هذا الملف مع أزمة أعمق يعيشها المغرب اليوم: كيف نشجع المبادرة الحرة وخلق الثروة، دون أن نُثقل كاهل من يخلقها بجباية تُنفّره من المخاطرة؟ التوازن دقيق، لأن الدولة تحتاج فعلا إلى موارد جبائية لتمويل خدماتها العمومية، من صحة وتعليم وبنية تحتية. لكن هذه الموارد إذا جُمعت بطريقة تُيئس المنتج، فإنها تقتل الأوزة التي تبيض الذهب، كما يقول المثل.

يبقى السؤال الذي يستحق نقاشا هادئا بعيدا عن التهويل وعن التبرير: هل المشكلة الحقيقية للمقاول المغربي في ارتفاع المعدلات الضريبية كما يُروَّج، أم في تشتت الاقتطاعات وغياب الشعور بأن ما يُدفع يعود في شكل خدمات عمومية تستحق، وأيهما أحوج إلى الإصلاح أولا: النسب أم الثقة؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *